عادل موسى: كلنا شركاءما جاء في التقرير الختامي لمؤتمر حزب الشعب الديموقراطي المنعقد في سوريا في العام 2005م.، يجعلنا نعيد النظر في الكثير مما نعيشه من أوهام ايديولوجية وهنا اقتطف مايلي:“إن بلادنا تمُرً في مرحلة تحمل في طياتها تحديات جمة أبرزها. تهاوي النظام وعجزه عن إيجاد مخارج لأزمات البلاد، وإعراضه عن الإنفتاح على الشعب. وكذلك تصاعد وتيرة التدخل الخارجي فالأحداث العراقية واللبنانية واضحة أمامنا. ربما يأتي الغد فتصبح سورية أيضا الهدف الثالث. ولا يضيرنا هنا أن نُحّمل الأنظمة الإستبدادية مسئولية ما يجري أكثر مما نُحّمل الخارج، لأنالخارج لم يتوقف أبدا عن التدخل في شئوننا وشئون المنطقة.لا يجوز ابدا في هذه الأجواء أن نُعارض الديموقراطية بالوطنية وبالتالي علينا أن نؤسس وندعو إلى الخط الثالث، الذي عالجناه في أدبياتنا. فلايجوز أن تختلط علينا الأمور، ونقع تحت تأثير الدعايات المضللة التي تمنعنا ألا نرى أن هذا النظام عليه إما أن يُصلح وإما أن يرحل، ولا يجوز أن نجعل من الضغوط الأجنبية فزاعة تُخيفنا” (1). إن ما نعيشه اليوم كان قد تنبأ به حزب الشعب الديموقراطي السوري في اواخر نيسان 2005م.، وهذا ما دفعني لإهتمام ببعض ملامح هذا الحزب بالذات دون غيره من احزاب ” إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي”، هذا الحزب الذي تجرأ وتخلى عن “ديكتاتورية الطبقة العاملة” وأعلنها اشتراكية فقط للجميع وبمشاركة الجميع. كان السبب في دفعي للبحث بعض الشئ في الجذور التي تعود لما قبل ثورة لينين المعهودة…. فأكتشف رمزا أخر ويمكنني ان اسميه “شبيهاً” ل مانديلا سوريا رياض الترك ولكن بفارق زمني ليس بالبعيد.فمن هو ذلك الشبيه؟اسمه بيتيريك ساروكين – رفيق فلاديمير ايليتش لينين في النضال. اختلف ساروكين مع لينين على مفهوم الإشتراكية وتطبيقها. حيث نادى لينين ب “ديكتاتورية الطبقة العاملة” هدفا رئيسا لتحقيق الإشتراكية. بينما خالفه بيتيريم ساروكين الرأي ودعى الى الحصول على نفس النتيجة وبتعددية اجتماعية واقتصادية لنحقيق هذا الهدف الأسمى وهو العدالة الإحتماعية.وتذكر ادبيات أكاديمية العلوم الروسية خول تاريخ الثورة البلشفية، حيث قام ساروكين بإطلاق النار على لينين ذات مرة وفشلت المحاولة. وما كان من لينين إلا أن يقوم بنفي صديقه اللدود وزميله الفكري الى الشمال الروسي ومن ثم هروبه او خروجه الى تشيكوسلوفاكيا ومن ثم الى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ختم ايامه و توفي ساروكين في وينشستر ( الولايات المتحدة الأمريكية ) 11 شباط/فبراير 1968.رفض ليونيد بريجنيف طلب تلامذة ساروكين وأتباعه من علماء روسيا في دفن ثراه في سانت بطرسبورغ، وخاصة بعد إطلاعه على ملفه واكتشف انه أول من حاول قتل زعيم الثورة البلشفية فلاديمير إيليتش لينين. وبالرغم من نجاح اعضاء قياديين في اكاديمية العلوم الروسية انذاك من اقناع بريجنيف بأهمية منجزات ساروكين العلمية. ولا تزال هذه المجموعة من تلامذته واتباعه تسعى لإعادة جثمانه ودفنه في روسيا. وتقف اليوم هذه النخبة العلمية وراء ظهر فلاديمير بوتين داعمة إياه في توجهاته الإقتصادية منذ المرحلة الرئاسية الأولى وربما تساعده في تدبير شؤون البلد ايضا ومن هنا نلمس رغبة روسيا العارمة في التوسع في قرار الشأن العالمي وخاصة في الإطار الاقتصادي وليس عبثا قيادتها لقمة العشرين العام الماضي وتوجهها الرئيسي كان في تأمين فرص عمل وتشغيل الغالبية الساحقة لسكان كوكبنا.دعى عالم الإجتماع بيتيريم اليكساندروفيتش ساروكين (1889 – 1968). وهو قضى ايامه الأخيرة رئيسا لكلية علم الإجتماع في جامعة هارفارد ونذكر في نهاية المقال مجموعة عناوين لمؤلفات هذا الفيلسوف، تكفي لتعبر عن توجهه الفكري ولتدل على مدرسته في اوروبا امثال الأحزاب الشيوعية في كل من اسبانيا وأيطاليا وفرنسا – وقد تخلى جميعها عن الدعوة لديكتاتورية الطبقة العاملة بسبب طوباويتها وتبنت الأشتراكية الديموقراطية ونجد اترابهم في شرق المتوسط فقط حزب الشعب الديموقراطي السوري – المكتب السياسي سابقا، وبعض التنظيمات الأخرى المتفرقة في لبنان والأردن والعراق وتونس والسودان والمغرب.وتأتي دعوة بيتيريم ساروكين لضرورة مشاركة الأضداد في المجتمع اي مجتمع كان في بناء الوطن، وتجمل مسؤوليتها امام ابناء هذا الوطن وعلى قدم المساواة. ودعى الى تداول السلطة السياسية لتنفيذ الحد الأدنى مما اتفق عليه الجميع.وهذا يذكرنا بما نهجه حزب الشعب الديموقراطي السوري ونجاخه الباهر بمد الجسور مع ابناء سوريا بالكامل. وكان مولد إعلان دمشق في إعلان دمشق وهي الوثيقة التي وقع عليها عام 2005 م شخصيات بارزة من المجتمع المدني والإسلاميين والليبراليين السوريين، وتدعو إلى إنهاء 35 عاما من حكم أسرة الأسد لسوريا واستبداله بنظام ديمقراطي.ووثيقة إعلان دمشق هي الجامعة لقوى التغيير الوطنية المعارضة في سورية وتتضمن على بنود أساسية ترسم خطوطا عريضة لعملية التغيير الديمقراطي في سوريا، وكيفية إنهاء النظام الأمني الشمولي الذي سيطر على الشعب السوري وقدراته أكثر من أربعين عاما (قبض حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في انقلاب عسكري عام 1963، ثم عاد وانقلب على نفسه بحركة تصفيات واسعة بقيادة حافظ الأسد عام 1970).تم توقيع الإعلان في تشرين الأول/أكتوبر 2005 من قبل التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا بأحزابه الستة – والأطراف الخمسة المؤسسين للتجمع هم:– الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي – منشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي العربي في سورية والذي كان الحزب الناصري الرئيسي في سوريا.– حزب الشعب الديمقراطي السوري – مجموعة رياض الترك، والذي كان يسمى سابقا الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي، وهو فرع من للحزب الشيوعي السوري. – حزب العمال الثوري العربي – وهو فرع يساري ماركسي انبثق عن لحزب البعث في الستينات من رموزه كان المفكر ياسين الحافظ. وكان له فروع نشطة في لبنان والعراق أيضا.– حركة الاشتراكيين العرب – ذات توجهات اشتراكية عربية لها جذور في حركة أكرم الحوراني في مرحلة ما قبل البعث. – حزب البعث الديمقراطي العربي الاشتراكي – من بقايا فصائل يسارية لحزب البعث التابعين لصلاح جديد وبقيادة إبراهيم ماخوس وزير خارجيته.وفي عام 2006، انضم للتحالف حزب سادس هو حزب العمل الشيوعي – وهو ولادة جديدة لجماعة شيوعية متشددة قُمِعَتْ في الثمانينيات والتي جذورها في الحركات الطلابية الراديكالية المتأثرة بالساندينية، والغيفارية، والتروتسكية والماوية.ومن ثم انضم التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا ولجان إحياء المجتمع المدني والجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا وحزب المستقبل واللجنة السورية لحقوق الإنسان وشخصيات مستقلة تضم كلاً من النائب المعارض رياض سيف الذي أفرج عنه مؤخرا، وميشيل كيلو والمفكر الإسلامي جودت سعيد، وعبد الرزاق عيد وسمير النشار، وفداء أكرم الحوراني، وعادل زكار، وعبد الكريم الضحاك، والمحامي هيثم المالح إضافة إلى نايف قيسية. كما قامت احزاب سورية أخرى بضم صوتها إلى الموقعين خلال الاحتجاجات السورية سنة 2011 مثل المنظمة الآثورية الديمقراطية وأحزاب كردية أخرى. ومن جانبها أعلنت جماعة الإخوان المسلمون في سوريا برئاسة علي صدر الدين البيانوني التي تتخذ من لندن مقرا لها “تأييدها الكامل لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي ممهدا لانعقاد المؤتمر الوطني الشامل ومدخلا للتغيير”.واليوم ومع بداية العام الرابع من الثورة السورية وفشل جانبي الصراع من فرض وجوده على ساحة الصراع وهي البلد الأم سوريا والتي تحولت الى ساحة وغى انجبها النظام، بدلا من المسيرات المدنية السلمية التي أطلق شرارتها اطفال درعا.هل تنجح مفاوضات جنيف والوساطات الدولية من تحقيق السلم والأمان لشعب سورية ويبقى املنا الوحيد هو التفاؤل برجاحة العقل والمنطق. وخاصة عندما نتذكر ثورة شعب ظفار البطل الذ حقق نجاحه وتحول ثواره الى شركاء في الحكم حتى الساعة.بيتيريم ساروكين – (1889-1968) بيتيريم ساروكين – عالم اجتماع روسي وباحث كبير في الشؤون الثقافية. من مواليد 23 شباط فبراير 1889 في قرية توريا التابعة لمحافظة فولوغدا . تخرج في عام 1914 من كلية الحقوق من جامعة سانت بطرسبورغ. كان من بين معلميه عالم الاجتماع الشهير م. م. كوفالوفسكي – M.M.Kovalevsky. نشر بيتيريم ساروكين باكورة اعماله في نفس العام بعنوان “الجريمة والعقاب، التضحية و المكافأة”. دراسة سوسيولوجية حول الأشكال الأساسية للسلوك الاجتماعي و الأخلاق . وفيها يتجلى تأثير كل من أوغست كونت و هربرت سبنسر على ساروكين وقد دعا ساروكين نفسه من رواد “الوضعية التجريبية”. في هذا العمل ، يعتبر ساروكين أن الجناية التي يُعاقب عليها … وحتى الجريمة هي نتيجة ل عدم التجانس الأساسية و حتى ” التنافر” في نظام من العلاقات الاجتماعية، و التناقضات في “أنماط السلوك” للفئات الاجتماعية المختلفة. ويمكن ايجاد حل لهذه الجنحة والجريمة في المستقبل، من خلال قدرة البشرية على حل المشاكل الأجتماعية والتي تؤدي لإرتكاب الجريمة من خلال التوجه لأيجاد مستوى جديد نوعيا للسعي الى الاندماج الاجتماعي والانسجام المتسامي في المجتمع.بعد ثورة شباط، عمل ساروكين محررا ل صحيفة “إرادة الشعب” (الجناح اليميني للاشتراكيين الثوريين) وكان سكرتيرا شخصيا ل كيرينسكي ، وهو نائب في الجمعية التأسيسية. ومن ثم عمل استاذا في جامعة بتروغراد في عام 1920 واُنتُخِبَ أستاذاً في قسم علم الاجتماع . في نيسان عام 1922 و دافع عن أطروحته في علم الاجتماع. وفي ايلول 1922 تم طرده من البلاد مع مجموعة كبيرة من نخبة من المثقفين الروس. وعمل لفترة من الوقت مدرسا في الجامعة الروسية في براغ. ومن أعمال المنشورة أنذاك “الحالة الراهنة لروسيا” – (1923 ) . وعمل منذ عام 1924 – أستاذاً في جامعة مينيسوتا ( الولايات المتحدة الأمريكية ). ونشر في السنوات اللاحقة، عددا من الأعمال التي جلبت له شهرة عالمية مثل “الحراك الاجتماعي”، و”النظرية الاجتماعية المعاصرة”، وغيرها من الأعمال. وفي عام 1931 أسس قسم علم الاجتماع في جامعة هارفارد، وبرأس القسم في عام 1942. وفي عام 1964 انتخب ساروكين رئيسا لإتحاد علماء الاجتماع الاميركيين. وكرس اخر عمل كبير له – لبلده الأم روسيا بعنوان: الملامح الرئيسية للأمة الروسية في القرن العشرين (1967). ومن بين طلبة ساروكين – كبار علماء الاجتماع الأمريكيين مثل: روبرت كينغ ميرتون- R.Merton ، وروبرت ميللز – R.Millz ، و تالکوت پارسونز – Talcott Parsonsوغيرهم… خاب أمل بيتيريم ساروكين في النصف الثاني من عشرينات القرن الماضي بخصوص النموذج الوضعي للتطور، وعمل ساروكين على تطوير نظريته حول الدورات الاجتماعية والثقافية التي جسدها في كتاباته بخصوص الديناميكية والاجتماعية والثقافية (كٌتبت في 4 مجلدات ، 1937-1941) وكتب ايضا “الأزمة في عصرنا” (1941 ). ومشكلة تصنيف “الأزمات” وتاريخ منجزاته العلمية صدرت مخصصة مع غيرها من الأعمال: السببية الاجتماعية الثقافية، في الزمان والمكان (1943 )، وحول المجتمع، والثقافة والشخصية: بنيتهم وديناميكيتهم. النظام العام لعلم الاجتماع (1947 )، والفلسفة الاجتماعية في زمن الأزمات (1950)، وبحث ساروكين في أعماله التي انجزها في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، المزيد من المشاكل العسيرة حول العلاقات الأخلاقية في المجتمع، وأسس في العام 1949 مركز أبحاث هارفارد للإيثار الإبداعي. وكان دور الحب و الإيثار في العلاقات الإنسانية الجزء الرئيس المكرس في دراسته، وكتب كثيرا عن المانيفست الذي خطه بقلم حول: الإيثار في الحب: دراسة في أمريكا حول “حسن الجوار” و “المقدسات المسيحية” (1950) ، و “سبل و قوة الحب” (1954 ) وغيرهم… كان ساروكين يعتبر دائما موضوع علم الاجتماع من خلال التفاعل بين الفئات الاجتماعية العاملة في ظروف تاريخية و ثقافية مختلفة. وإن عالم الاجتماع يحل مشكلة تحديد أسباب أنواع مختلفة من السلوك الاجتماعي و ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار مجموعة متنوعة من الدوافع، التي تؤثر على رد الفعل (“التعددية في الحقائق”) . وفقا ل تطور نظرية “الحراك الاجتماعي” لدى ساروكين، ترى أن كل مجتمع لديه بنية معقدة، طبقية لا محالة لديها العديد من المعايير – الاقتصادية و المهنية والعرقية والسياسية وغيرها، ومع ذلك، يرى أن الجماعات المحلية والمجموعات الفردية تتغير باستمرار تنقل وضعهم الاجتماعي (” العمودي” و “الأفقي”). وإن الترقي (في الوضع الاجتماعي) هو مؤشر على درجة “الانفتاح” للنظام الاجتماعي. وفي ديناميكيات المجتمع “المغلقة” من الحياة الاجتماعية بكون في حدها الأدنى، الأمر الذي يؤدي لا محالة إلى النظم الأجتماعية “المغلقة ” ومنها تتشكل الأزمة الإجتماعية. وفي العملية التاريخية، نظر ساروكين بأنه (التاريخ) يحمل التغيير الدوري ل مختلف “النظم الفائقة”، وكل منها يتميز ب الخاصة “النمطية” الثقافية و التاريخية الفريدة ل “منظومة القيم”. وحدد العلماء ثلاثة أنواع من ” النظم الفائقة” : ” فكري”، التي تلعب دورا حاسما الإيثار، والتصوف و الزهد؛ و”حسي”، الذي يهيمن عليه ملامح الحضرية و الفكر؛ وأخيرا، “المثالي”، ويتميز الأخير عن النوعين الأولين. حيث يكون فيه التاريخ هو عملية اجتماعية وثقافية، والتي هي ديناميكيات القاعدة من القيم، وتغيير بحث دائم من أجل البحث عن “أهداف مثالية” جديدة. توفي سوروكين في وينشستر (في الولايات المتحدة الأمريكية ) 11 شباط 1968 م. 1- من وثائق المؤتمر السادس لحزب الشعب الديموقراطي السوري- أواخر نيسان 2005م. – الصفحة 188.