on
Archived: مازن كم الماز: تعليق على مقال ياسين الحاج صالح… داعش و العالم
مازن كم الماز: كلنا شركاء
المسلمة المتضمنة في تحليل الدكتور ياسين هو اعتباره الحداثة فعل لنزع الصفة السحرية عن العالم , نزع أسطرة العالم , و أن أسطرة الغرب لداعش هي ردة عن تلك الحداثة , و يربط الحاج صالح أيضا بين فعل أسطرة داعش هذا وبين التوسع الكولونيالي الغربي , الذي اعتبره أيضا مناقضا لنزع السحر
الحداثي .. لكن هناك أساس كاف للتساؤل بكل جدية فيم إذا كانت الحداثة والكولونيالية عمليتان متناقضتان أم متكاملتان , أم أنهما نفس العملية في الواقع … نقاد الحداثة لم يروا الحداثة كعملية نزع للسحر أو الأسطرة بل كأسطرة للعقل , استبدال للسحر بالعقل كأداة أكثر جدوى في تنفيذ نفس الوظائف التي كانت التمائم و الرقى و “الصلوات” السحرية تستخدم لتحقيقها قبل الحداثة , العقل أداة و ليس غاية , و هو أيضا كوعي و لا وعي كان الفاعل الحقيقي حتى عندما كان الإنسان يستخدم السحر ليواجه العالم أو يحاول تغييره , السحر أيضا نتاج للعقل و بالتالي “عقلاني” بطريقته الخاصة أنتجت شعوذة العلماء و السياسيين “الحداثيين” مجازر و آلام و أهوال غير مسبوقة مثل الحربين العالميتين و معهما الحروب الكولونيالية , و أيضا أنتجت شعوذة إعادة الهندسة الاجتماعية و الإنسانية عموما استنادا إلى “قوانين” “عقلية” ظواهر مثل تراكم رأس المال الأولي , المؤلم جدا و المكلف جدا , للشعوب المستعمرة و لأبناء أقنان شعوب المركز الغربي أيضا , تصنيع الاتحاد السوفيتي على يد ستالين و العقد الجديد الكينزي و القفزة
الكبرى إلى الأمام الماوية و النيوليبرالية الريغانية – التاتشرية , حتى “القفزات” التكنولوجية الكبرى أنتجت اغترابات جديدة و جوعا حقيقيا , جسديا و روحيا , و شبكة علاقات سلطوية شمولية تضع مؤسسات قمع جديدة بتصرف النخبة الحاكمة منها أساليب “متطورة” لتشكيل الوعي الجمعي و لقمع أي تمرد وصولا إلى أساليب قمع و مراقبة و ضبط مؤتمة و عالية الفعالية.
و أنتجت في أطراف النظام الرأسمالي “حداثيين” كأتاتورك و رضا بهلوي و عبد الناصر وصولا إلى أشكالها الأكثر تطرفا كبول بوت .. كورتيز أو الجنرال ماك آرثر لم يختلفا كثيرا عن جنكيز خان و غيره من الفاتحين .. هتلر ذاته ينتمي بشكل من الأشكال لهذه الشعوذة الجديدة , كانت النظرية العرقية تعامل
كحقيقة علمية ثابتة في عشرينيات و ثلاثينيات القرن الماضي و حظيت “بقبول” واسع في “الوسط العلمي” سواء في ألمانيا النازية أم في أوروبا و أمريكا… ليس هناك أي خطأ غير مقصود هنا .. القداسة تحتاج فقط إلى مركز يدور حوله كل شيء , مرجعية لكل ما عداها , تبرر نفسها بنفسها , لكي تبني
معابدها و تنتج كهنوتها و أيضا محرماتها , “العقل” , “الإنسان” أو “البشرية” , حتى “الحرية” , أي شيء يمكن أن يكون ذلك المركز , إنها جميعا في جوهرها أديان حقيقية و إن بدت “عقلانية جدا” .. في الممارسة , لم يختلف الدين “العقلاني” عن “الدين الغيبي” أو “السحري” .. القداسة سلطة شمولية في حد ذاتها , و علاقة السلطة بالقداسة علاقة عضوية , علاقة ارتباط عضوي : ليس فقط أن السلطة و القداسة يتكاملان أو يتناغمان , إنهما ينتجان بعضهما البعض , لا يوجدان إلا معا , لا يمكن أن يوجدا إلا معا …
هنا يصبح السؤال : متى نبدأ فعلا نزع أو نفي فكرة و ممارسة القداسة لنحول شبكة علاقات السلطة و إنتاج الوعي القائمة , المركزية , الهرمية , بين سادة و عبيد , حكام و محكومين , إلى علاقة لا مركزية , لا هرمية , بين “بشر أحرار و متساوين” …. و الحرب ضد داعش ( الحرب على الإرهاب ) تشبه
جدا الحربين العالميتين و غيرهما من الحروب داخل الغرب الحداثي أو حروبه الكولونيالية لتثبيت الحداثة و تعميمها , و تشبه أيضا الحروب من أجل هذا المقدس أو ذاك ( حروب داعش ليست إلا نسخة “معاصرة” عن حروبنا “الماضوية أو التراثية” : حروب إكراه و نهب كولونيالية قبل حداثية ) , و هي تشبه الحروب الأهلية أيضا بالمناسبة … حتى أناركي أو لا سلطوي كالأمير الروسي كروبوتكين “وقف يومها إلى جانب الحلفاء” في الحرب العالمية الأولى ظنا منه أن انتصارهم كان لصالح تحرر البشرية , من منا أكبر من الأوهام ؟
ربما كحال فوكو و ما اعتبره ثورة “الآخر” “المهمش” الخمينية ( رغم أن هذا الوصف للثورة الإيرانية الشعبية عام 1979 تبسيطي إلى حد كبير ) … يبدو أن الحروب ظاهرة عصية على العقلنة , بعيدا عن الصراع البدائي على السلطة والثروة , لا منطق للحروب , إنها وليدة ظروفها , ابنة جنون و سادية
السادة و مازوخية الجماهير و استسلامهم , أما كل ما يأتي بعد ذلك فهو لعبة صدفة غبية .. إذا كان الكاتب يثبت بسهولة هشاشة مزاعم الحداثة الغربية عن نزعها الأسطرة عن الإنسان و العالم , إلا أنه يبقى صامتا عن عملية نزع الأسطرة عربيا أو إسلاميا أو مشرقيا .. إذا كانت عملية نزع الأسطرة ( أو نزع المقدس الأكثر راديكالية و عمقا و إلحاحا ) مبررة و ضرورية فيفترض أن يسري هذا الحكم أيضا على الشرق .. و لا يمكن اعتبار أن عملية نزع الأسطرة منجزة مشرقيا أو غير لازمة , أو ثانوية .. هنا نقف مباشرة أمام مأزق عملية “عقلنة” الشرق , و”عقلنة” وعيه , حيث يبدو أن محاولة فهم داعش و التعامل معها هي جزء مهم من هذا المأزق .. هنا بالتحديد نصل إلى أن النتيجة الأخيرة في تحليل الكاتب صحيحة جدا للأسف على ما يبدو , و هي أن احتواء ظاهرة بخطورة داعش و نتائج الحرب عليها ,
بكل عبثيتها و فداحتها , ليس له أي منطق أو بعد “عقلاني” , أو “إنساني” , و أنه سيبقى أسير العلاقات و المساومات و التباينات بين القوى المهيمنة , و أن أية “حداثة” أو “عقلنة” أو “عدالة” مفترضة ستحل مكان داعش , هذا في حال سقطت , ستكون في النهاية “عدالة المنتصرين” و مقدسهم أو إيديولوجيتهم , و أن هذا هو أهم مبرر “أخلاقي” و “منطقي أو عقلاني” لوجود داعش و استمرارها ….
اقرأ:
ياسين الحاج صالح: «داعش» والعالم … علاقة مرآوية