Archived: باسل العودات: حربهم العالمية

باسل العودات: المدن

هدد رئيس الوزراء الروسي، والرئيس السابق وربما اللاحق، ديمتري ميدفيدف بأن أي تدخل لطرف لا يستمزجه الروس في الأزمة السورية قد يُشعل نار حرب شاملة وطويلة الأمد (أي عالمية ثالثة)، مُجسّداً سياسة بلاده الحالية شبه الاستعمارية لسورية. عملياً يردّ ميدفيدف على تركيا التي استنفرت لمنع قيام كيان كردي متواصل يهدد حدودها الجنوبية، كما يردّ على السعودية التي استنفرت بدورها للوقوف بوجه مشروع روسي يسعى للهيمنة على الشرق الأوسط ويفتح الأبواب لتتابع إيران مشروعها القومي التدميري للمنطقة، كما يرد على أي دولة تُسوّل لها نفسها أن تتقاطع مصالحها مع صالح السوريين الثائرين على النظام، ويعتقد الرجل الروسي الثاني أن تصريحاته النارية هذه ستُرعب السوريين أولاً ثم الأتراك والسعوديين ثانياً وتجعل دول العالم متوترة ثالثاً.

أتت تهديدات زوج أخت الرئيس بوتين بعد أيام من إعلان السعودية استعدادها للتدخل البري ضد الإرهاب في سورية، وحشدها على النطاق العربي والإسلامي لتشكيل حلف (رعد الشمال) كقوة عسكرية عربية إسلامية مشتركة تقوم بدور فعّال في سورية، كما أتت هذه التصريحات متزامنة مع حشد تركيا لقواتها العسكرية على طول الحدود مع سورية لمنع الأكراد شركاء حزب العمال الكردستاني الذي تُصنّفه إرهابياً من السيطرة على كامل الشمال السوري.

يقول ميدفيدف قوله هذا دون أن يعير أي أهمية لقانون دولي أو إنساني، ودون أن يُعطي أي اعتبار لكل دول المنطقة والعالم، ويتعامل وكأن سورية مجرد جمهورية روسية صغيرة أو حي في ضواحي موسكو يحق له أن يفعل به ما يشاء، ويُهدد بحرب عالمية ثالثة طاحنة دون أن يهمّه أن يًصبح ملايين السوريين ضحاياها، ولا يضع نصب عينيه إلا حماية فرد واحد أو بأحسن الأحوال مجموعة لا تزيد عن مائة شخص يُشكّلون أساس النظام السوري. عملياً، أوحت السعودية بأنها ستُشاكس ولن تعير كبير اهتمام لهذا التهديد، وسرّبت معلومات عن وصول مقاتلات سعودية إلى تركيا وقوات برية إلى الأردن لتكون على أهبة الاستعداد للتدخل في سورية فيما لو نجحت بحشد الحلفاء، وخطت تركيا خطوة صغيرة توحي بأنها لن تعير كثير أهمية للتهديد الروسي، فقصفت الميليشيات الكردية السورية التي تحاول إتمام تمددها لتُكمل رسم خارطة (غرب كردستان) التي يحلم بها أكراد سورية.

جردة سريعة للواقع السوري تشير إلى أن سورية باتت اليوم ساحة لمجاميع من القوى العسكرية الإقليمية والدولية ومتعددة الجنسيات، حيث يصول سلاح الجو الروسي ناشراً الدمار والموت في كل مكان، وتتغلغل إيران وأذرعها العسكرية لتقتل وتنتقم من العرب عبر السوريين، وتنتشر ميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية لا وصف لها إلا بأنها طائفية مُنفلتة تمارس القتل والكراهية، ويستبيح تنظيم الدولة الإسلامية العابر للجنسيات سورية مدججاً بأسلحة لا يعرف أحد مصدرها، ينشر الخراب أينما حل، و(يتمرجل) الأكراد بأسلحة حصلوا عليها من كل الجهات بما فيها النظام مستغلين الفوضى والظرف الطارئ لتحقيق حلم يراودهم ويغيّرون الديموغرافيا ضاربين بعرض الحائط التعايش والسلم الأهلي، فيما (تتمختر) طائرات قوات التحالف الدولي تقصف أماكن لا يعرف السوريون عنها شيئاً، طيران أمريكي وبريطاني وفرنسي وأسترالي وغير ذلك، ويقف الجيش التركي بالمرصاد مُدججاً بخطط أولية وثانوية لضمان الأمن القومي، وهو يملك شرعية دخول الأراضي السورية وفق اتفاق سابق سرّي وُقّع عام 1998بينه وبين النظام الذي مارس خياناته الدولية بالسر، كما تستضيف الأردن قواعد عسكرية جوية وبرّية لقوات غربية وعربية، وتحشد السعودية 20 دولة بما فيها المالديف وموريشيوس والسنغال لتضع حد للإيرانيين وآفاتهم، وعملياً لم يبق راغب بخوض حرب أو ساع لتجريب أسلحة أو حالم بدور ما أو راغب بتصفية حسابات إلا وتدخّل في سورية، والجميع مستعد ليكون طرفاً في حرب عالمية ثالثة إن اقتضت مصلحتهم العليا ذلك. جردة أخرى لما خلّفته حرب النظام التدميرية تُشير إلى مقتل نحو نصف مليون، وبتقديرات أخرى وصلوا إلى مليون، وإعاقة مليون، وتيتيم نصف مليون طفل، وأقل منهم من الأرامل، وتشريد سبعة ملايين داخل سورية ولجوء أربعة ملايين لخارجها، وتدمير أو تخريب ثلاثة أرباع المشافي وربع المدارس وثلاثة ملايين مسكن وثلثي البنية التحتية، ونهب خزائن الدولة وخيراتها بيد كبار مسؤولي النظام، ونهب أرزاق البشر وممتلكاتهم بيد صغاره، وساعدهم أمراء حرب مُصنّعون، وتمزيق النسيج الاجتماعي السوري، وتدمير التاريخ وأوابده، وانتهاء حاضر السوريين ومستقبلهم، بما يمكن أن يحمل من أحلام وآمال.

في ظل هذا الوضع، لا يبدوا أن السوريين يأبهون كثيراً لتهديدات ميدفيدف، فلم يعد لدى أكثر من نصف الشعب السوري ما يخسره، والنصف الآخر يعتقد أنه سيخسر قريباً ما يملكه، سواء بحرب عالمية أم بدونها، والأرض السورية التي باتت بوراً جراء استقبالها عشرات ملايين الأطنان من المتفجرات لا يضيرها أن تستقبل أضعافها، طالما أنها لا تمتلك القدرة على وقفها.

يعيش السوريون كما لو أنهم لا يعيشون، يريدون الحياة ولا يتمسكون بها، يحلمون أحلاماً سوداء، وجفّت دموعهم واستُنفذت، وتعبت قلوبهم ولا يأبهون توقفها، ويذلّهم النظام ويستمر بسلب كرامتهم، وتهينهم روسيا بلا أخلاقية حربها، وتهزأ إيران بإنسانيتهم، لكن كل هذا لم يدفعهم للاستسلام، مازالوا يريدون إسقاط النظام، ومن تحمّل ويتحمل كل هذا، لابد وأنه سيحقق ما يريد، سواء بحرب عالمية أم بدونها.