Archived: د. باسل الحاج جاسم: هل عادت روسيا دولة عظمى؟!

د. باسل الحاج جاسم : ترك برس

اراد بوتين، بعد وصوله إلى السلطة، الانتقام من الغرب، عندما واتته الفرصة في سوريا، فأراد تعويض جميع خسائر روسيا مع الغرب في هذا البلد، والانتقام في كل الملفات الدولية التي كانت في عهد سلفه، بوريس يلتسين، ابتداء من حرب العراق، ومرورًا باستقلال كوسوفو، وتوسع “الناتو” إلى دول سوفياتية سابقة، والاقتراب بقواعد عسكرية في المناطق التي كانت تعتبرها موسكو حدائقها الخلفية، وبرنامج الدرع الصاروخية، وصولًا إلى الملف الليبي، بعض تلك الملفات خدع الروس فيها، وبعضها أجبروا ورضخوا للأمر الواقع.
ولكن مع بداية أزمة أوكرانيا، وجدت روسيا نفسها في موقف مدافع، والعقوبات الاقتصادية بدأت تكشف أن روسيا لم تكن كما توهمت، وتوهم بعضهم قوة عظمى من جديد، ويؤكد هذا انهيار الروبل السريع، بمجرد أن انضم انخفاض أسعار البترول إلى حزمة العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا.

ولا بد من ملاحظة تقدم الدور الروسي في مناطق مختلفة بقدر ما يتراجع الدور الأمريكي، المرهق بالمسؤوليات والمتاعب الاقتصادية، لا تستطيع روسيا أن تأخذ دور أمريكا، لكنها تستطيع أن تقضم من مناطقها، خصوصًا في الشرق الأوسط.

اختبرت واشنطن قوتها في العراق، وأسقطت نظام صدام حسين، لكنها لم تستطع أن تقيم نظامًا مستقرًا، تركت الفوضى تلتهمه، تمارس أمريكا، اليوم، وجودًا منقوصًا في الأزمة السورية، تؤيد الثورة السورية، ولا تفعل أكثر من ذلك، وقد أغرى هذا الضعف والتراجع أو اللامبالاة موسكو التي جعلها التراجع الأمريكي الغربي تشعر أنها لاعب لأول مرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فموسكو من خلال النظام السوري عادت فقط في مجلس الأمن إلى حضورها السابق أيام الاتحاد السوفياتي، بحق النقض (الفيتو)، والكل يعلم إذا أرادت واشنطن وحلفاؤها تنفيذ رغباتها، فهي قادرة على تنفيذ ذلك خارج إطار مجلس الأمن، وبعيدًا عن الشرعية الدولية.

تعتقد موسكو أن الكرملين يضغط على أوروبا، بسبب اعتمادها على الغاز الروسي، لكن الأمور تتغير، تكنولوجيا الإنتاج والمعروض من الغاز الطبيعي المسيل في الولايات المتحدة يتطور بوتيرة لا تصدق، وسيصبح في المستقبل بديلًا حقيقيًا للهيمنة الروسية، وكذلك أزمتها مع تركيا إذا أخذت طابع تصعيدي أكثر، ما يجعل أنقرة تعتمد على مصادر أخرى لطاقتها، وهي ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي، والمعروف اعتماد الاقتصاد الروسي بأكثر من 70 بالمئة على الطاقة، وارتفاع أسعار النفط في بداية حكم بوتين، جعل موسكو تعيش انتعاش اقتصادي دفعها للتوهم بأنها عادت قوة عظمى، وهنا نفهم سبب الخطاب العاطفي العنيف لبوتين حول إسقاط تركيا طائرة روسية اخترقت أجواءها، فهو خلال فترة حكمه أقنع الروس بأن بلادهم عادت قوة عظمى يمكنها التدخل في كل مكان من العالم، دون رادع.

وسبق أن نقل عن فيدور لوكيانوف، رئيس تحرير مجلة روسيا في السياسة العالمية التي تصدرها الخارجية الروسية، قوله، إن قائمة العقوبات الغربية ستدفع بالأمور نحو الاشتباك في لحظة ما، وبحسب لوكيانوف، روسيا أمام لحظة مواجهة مباشرة وحقيقية لا مفر منها، هي لا تنوي الاستسلام، لا شعبًا ولا قيادة، ويتابع: انتهت الحقبة التي عملت فيها روسيا على تأكيد اختلافها عن الاتحاد السوفياتي، واختلافها النوعي عن خصومها، في إشارة إلى إعادة رسم خريطة سياسية مشابهة للاتحاد السوفياتي.

يبقى القول إن موسكو دوما تقول إنها ضد تغيير الأنظمة باستخدام القوة العسكرية الخارجية، لكنها اليوم في سوريا تقوم بتهجير، وتطهير عرقي بقصفها للمدنيين، فهل هذا يعني أنها تريد القول إذا كان التغيير، لا مفر منه، وبات أمرًا حتميًا، فلنغير الشعب إذًا…!؟

واليوم لامتحان حقيقة عودة موسكو الروسية للعب دور موسكو السوفياتية، وظهور روسيا من جديد قوة عظمى، فهذا لا يحتاج إلى دولة عظمى أو دول إقليمية، يكفي أن تمرر دولة مثل نيكاراغوا أو موزامبيق بضع صواريخ مضادة للطيران، إلى الثوار السوريين، عندها نعرف الإجابة الحقيقية.