Archived: حمزة رستناوي: شرع الله… أم شريعة الأوصياء على كلمة الله !

حمزة رستناوي:موقع الأوان

معاً ضدّ الحياة, معا ضد الحرية, معا ضدّ الفرح…هكذا يتمّ تأويل مصطلح (شرع الله) في فكر السلفية , و السلفية الجهادية , و عموم تيارات الاسلام السياسي , عند المسلمين اليوم! (شرع الله) هو النسخة المقابلة – في أدبيات الاسلام السياسي المعارض- لمفهوم شرع البشر, و هذا يطرح عددا من الاشكالات.

أولا- هل الانسان و المجتمعات البشرية قاصرة و متخلّفة عقليا بحيث لا تستطيع تمييز الخير من الشر؟ و هل البشر غير قادرين على تنظيم ادارة شؤنهم بشكل جيد ؟!  و إذا كان هذا الانسان قاصرا – وفقا لزعم تيارات الاسلام السياسي- فكيف نوكل شأن فهم و تطبيق (شرع الله) الى هذا الكائن القاصر! و ما تفسير أنّ أكثر المجتمعات و الدول ازدهارا هي دول لا يحكمها شرع الله! انسانها و سياسيوها جاهلون بشرع الله!  و بالطبع لا يستقيم ان يقول لي  فلان من الناس إن سويسرا و كندا متخلفة أما جمهورية ايران الاسلامية أو امارة طالبان الاسلامية متقدّمة!!                  

ثانيا- ما هي قرائن و براهين أن يدّعي بعض البشر بأنّ الله قد اختصّهم – دون غيرهم- بمعرفة و تطبيق شرعه! و هذا أمر خلافي جدا بين البشر.. مثلا كروية الارض أو عدد أصابع يد الانسان هي قضايا أكثر قبولا و ليستْ خلافية مقارنة بقضية ( شرع الله) لماذا يكون شرع الله اشكاليا , و ليس بدهياً أو قابلا للبرهان بمعيار عامة الناس أو عامة أهل الاختصاص في القانون و السياسة على الاقل!                                                                                 

ثالثا- لماذا (شرع الله) الاسلامي غير ( شرع الله) اليهودي ؟ لماذا شرع الله الشيعي غير شرع الله السنّي؟ لماذا شرع الله الحنبلي الوهابي غير شرع الله الحنفي؟! هل شرع الله عند داعش غير شرع الله عند شقيقتهم جبهة النصرة؟! هل هو الله واحد في ايمانهم و شرائعهم! أم لكلّ فئة منهم شرعها الذي تنسبه الى الله ! ثم ما هو معيار موافقة أو تأييد الله  لكلّ فئة تدّعي منهم! هل سبق أنّ عيّن الله ناطقا رسميا باسمه ؟! كثيرون في التاريخ البشري و الاسلامي و كذلك في حاضرنا نصّبوا انفسهم في وظيفة الناطق الرسمي, و كلّهم لا يريدون الحكم بل يريدون تحكيم شرع الله فينا! و يستعينون على ذلك بالسياط و السيوف و السجون و الصلب و سائر أنوع العنف المادي و المعنوي!

رابعا- معيار الشرع الأفضل أو الدستور أو القانون الجيد, ليس في مصدره ! و ليس في عدد أتباعه ! بل إنّ معيار الفضل و الجودة هو في توافقه مع أولوية الحياة و العدل و الحرية , في التزامه بحقوق الانسان و احترام آدميّته و ليس بشيء آخر! ربّما لا تجد مستبدا أو طالب سلطة في المجتمعات الاسلامية إلا و يدّعي أنه يطبّق شرع الله , أو أنّهُ الأقرب الى شرع الله ! يحتكرون كلمة الله يقتلون و ينتهكون حقوق عباد الله !! يصرّون على اعادة اكتشاف العجلة من جديد! و كأنّ الله لم يخلق سوانا على هذا الكوكب!

خامسا- للمقارنة بين عدالة تشريعات وضعية وفقا لرأي الاسلاميين و تشريعات سماوية (شريعة الله)  سأضرب مثالا حول العبودية. فالإسلام لم يحرّم العبودية بل أباحها و اوصى بالعتق كحسنة نافلة.  و لكن بالمقابل  الشرائع الحديثة قامت بتحريم و تجريم العبودية مطلقا ..فإيهما أكثر عدالة و احتراما لحقوق الانسان! و أما حجّة السياق التاريخي المختلف  و كون زمن نزول شرع الله ( في القرن السابع الميلادي) ليس في القرن التاسع عشر أو العشرين فهذه حجّة لا تصلح للرد لكون الاسلاميين  يمجّدون ( شرع الله) و يرونه صالح لكل زمان و مكان.                             

*اعترض احد الاصدقاء منكرا عليّ و قائلا كيف تقارن ما بين نص تشريعي عظيم كالقرآن الكريم  أو احكام الشريعة الاسلامية الغراء و بين واقع التشريع و الحياة في دولة اوربية كسويسرا الآن! القرآن و أحكام الشريعة الاسلامية لو طبّقتْ على حقيقتها.. ستكون حالنا كمسلمين أفضل بكثير من سويسرا و غيرها! أم تقرأ و تتعرف على السيرة النبوية و دولة الخلافة الراشدة يا رعاك الله!

و في ذلك أقول: المقارنة تكون بين نص تشريعي و نص تشريعي آخر, او مقارنة بين واقع تطبيق القوانين في الدول و المجتمعات المختلفة. . الاستغلال موجود و ممكن بدرجات مختلفة, و لكن بعض المجتمعات فيها التزام و شفافية اكثر من بعض, لنقارن بين القانون نصا و تطبيقا في امارة داعش أو في امارة النصرة أو ايران الاسلامية مقارنة مع  تركيا او بسويسرا او المانيا أو اليابان  مثلا.. لتصل فكرتي, ثمّ إنه لا يمكن فصل النص عن التطبيق وصيرورته التاريخية و الثقافية فالنص وليد او نتيجة تفاعل مع الواقع ..و هو بدوره يؤثر بالواقع , و اي فصل نقوم به هو فصل اجرائي لغايات دراسية فقط, بمصالح محدّدة.                                                    

*أيّ نموذج يُحتذى  قدّمهُ الاسلاميون  في الحكم ( بشرع الله) حتّى يتبعهم العالمين.. نموذج طالبان افغانستان أم نموذج داعش أم نموذج بكو حرام في نيجريا أم نموذج ايران الاسلامية أم نموذج جعفر نميري و البشير في السودان! هل يحقّ لعاقل أن يتبع هكذا نماذج و شرائع!!

*ما الفرق بين منشور على الفيس بوك فيه محظور شرعي , و منشور على الفيسبوك فيه تهديد لأمن الدولة و توهين نفسية الأمّة !! هذا مثال يفضح استغلال مفهوم الله أو مفهوم الدولة أو مفهوم الأمة.. بغية قمع الحريات, و تحصين السلطة من المسائلة ! و تتساوى في ذلك مثلا سلطة النظام الاستبدادي للأسد مع سلطة جبهة النصرة ( تنظيم القاعدة)  مع سلطة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام(داعش) ..الخ.                                                                 

*ليس حرا.. و لا يطلب الحرّية من يستبدل ارهاب النظم الشمولية المخابراتية ممثلا  بالنظام الاسدي على سبيل المثال لا الحصر بإرهاب السلفية الجهادية ممثلة بداعش و النصرة و بقية الجوقة من جماعة مُسمى تحكيم شرع الله! ..( نحن لا نطلب الحكم, بل نطلب تحكيم شرع الله في الناس! ) و هل يستقيم شرع بدون اعطاء الأولوية للحياة و العدل و الحرية!!                       

*الادارة هي أحد ابعاد الكينونة الاجتماعية  و هي تمثّل الشكل السياسي الفئوي لتنظيم  الكينونة الاجتماعية, و العقيدة كذلك هي احد ابعاد الكينونة الاجتماعية, و هي تمثل الشكل الأيدلوجي الأخلاقي للكينونة الاجتماعية, فالإدارة و العقيدة كلاهما من ابعاد الكينونة الاجتماعية البشرية, بالتأكيد ثمّة تفاعل و تأثير متبادل ما بين الادارة و العقيدة, و لكنّهما بعدين مختلفين, الادارة لا تكون فئوية و لا تقوم بالضرورة على الحرية الاختيار, و الادارة لا تحتمل الايمان بالغيبيات , بينما العقيدة تكون فئوية بالضرورة و تقوم على الحرية و الاختيار, و تقوم على مبدأ الايمان بالغيبيات.          

إن مفهوم مصطلح ( شرع الله) يقوم على الخلط  ما بين البعد الاداري و البعد العقائدي للكينونة الاجتماعية و في ذلك تعسّف بيّن, و قد ينطوي على قصور و اساءة استخدام لكل من العقيدة و الادارة.                                                                                         

إنّ كل بعد من ابعاد الكينونة الاجتماعية يؤثر و يتأثر  في الابعاد الاخرى, مثلا لنلاحظ تأثير الزمن على البعد الاداري و العقائدي, و كيف أن مفهوما كشرع الله  يتأثر بالزمن و تغيراته, فشرع الله اليهودي مثلا وجد في تاريخ معين و قد عبّر جغرافيا و اجتماعيا و تكنلوجيا و اقتصاديا و لغويا على مصالح العصر الذي وجد فيه. و كذلك شرع الله الاسلامي.. الخ. و إنّ شرائعا أخرى لا يطلق عليها مصطلح شرع الله كشريعة حمورابي أو الشرع الروماني  تخضع لفعل البعد الزمني كذلك و ينطبق عليها ما ينطبق على ما يُسمّى بشرائع الله!!

*إذا – شرطية- كان الله هو العادل و الرحمن الرحيم , فشريعة الله هي العدل و الرحمة ..و كل ظلم أو قسوة هي ليستْ من شرع / شرائع الله!  شرائع الله هي الشرائع التي يكون معيارها أولوية الحياة و العدل و الحرية ..بغضّ النظر عن التسميات و دعاوى اصحابها.