on
Archived: د. حبيب حداد: هل يشهد السوريون نهاية لمأساة وطنهم في العام الجديد
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
السوريون اليوم وهم يودعون عاما مضى ويستقبلون عاما جديدا , السوريون اليوم وبعد انقضاء خمس سنوات على انطلاقة ثورتهم الشعبية السلمية من اجل انهاء ليل الاستلاب والقهر والاستبداد وتحقيق تطلعاتهم في الحرية واليمقراطية والمساواة واللحاق بركب العصر ,
السوريون اليوم بعد ان حرفت ثورتهم عن مسارها وغاياتها واغتيلت اهدافها وشوه الارهاب هويتها وصورتها وتحولت الى حرب اهلية مذهبية متشعبة بكل ابعادها الاقليمية والدولية, السوريون اليوم اذ يعيشون مأساة انسانية, ندر نظيرها منذ عقود, مأساة باتت تهدد وجودهم وتمسح تاريخهم و وتطمس ذاكرتهم , وتدمر كيانهم كوطن ودولة , وكدور حضاري تميزوا به طوال حقب التاريخ المتعاقبة تجاه امتهم وتجاه العالم كله ,
السوريون اليوم الذين يواجهون كل المصاعب والتحديات بارادة الإيمان الذي لا يتزعزع بحقهم في الحياة الحرة الكريمة والمستقبل الأفضل , ويعانون في الوقت نفسه آلام ونزيف وتبعات فصول تلك المأساة التي طال امدها بسبب عدم التوصل الى انهاء نظام الاستبداد من جهة , وبسبب استفحال اخطار المنظمات التكفيرية الارهابية التي عملت على تقطيع اوصال المجتمع السوري وتدمير وحدته الوطنية من جهة ثانية , وبسبب عدم اضطلاع المجتمع الدولي والأمم المتحدة بصورة خاصة , حتى الآن , في التوافق على صيغة الحل السياسي الذي يستجيب لتطلعات الشعب السوري من جهة ثالثة ,
السوريون اليوم الذين تتصدر قضيتهم جدول اولويات الأطراف الدولية الفاعلة .وان اختلفت دوافعها ,كيف ينظرون الى العام الجديد وما الذي ينتظرون منه وهم يأملون وضع حد لمأساتهم وتحقيق خطوات عملية جدية تنقذ وطنهم من المحنة التي تهدد مصيره ؟؟؟
لقد استخلصنا واستوعبنا نحن السوريين عبر السنوات الماضية القدر الكافي من الدروس والعبر ,التي كان ثمنها قوافل من الشهداء والتضحيات الجسام التي يفترض فيها ان تسدد خطانا المتباعدة وتوحد جهودنا المشتتة وتصوب بوصلة كفاحنا نحو الأهداف التي انطلقت ثورتنا في سبيل تحقيقها .
ان عملية استيعاب تلك الدروس والعبر , في وعينا وفي سلوكنا ومواقفنا ,هي بلا شك افضل ما نتزود به ونحن نغادر العام الفائت بكل أوجاعه وخسائره وذكرياته الموحشة ,ونستقبل عاما جديدا نأمل فيه أن يكون أداؤنا اينما كانت مواقعنا ,في داخل الوطن ام خارجه ,في المستوى المطلوب الذي يستدراك اخطاء وعثرات وسلبيات الماضي ويستشرف آفلق المستقبل المنشود برؤية سياسية واضحة ومحددة .
من وجهة نظرنا ان هناك جملة من المبادئ والمنطلقات الرئيسية المستخلصة التي ينبغي ان نتمسك بها ونعمل بوحيها لنقل بلادنا من واقعها الراهن المأزوم الى دولة المواطنة الحديثة وهوطريق طويل لايمكن اختصاره بالرغبات الفوقية ولا بالتنظيرات الايديولوجية ولا بطروحات مايسمى بحرق المراحل والتغافل عن ضرورة توفير القواعد الضرورية للبناء الذي نطمح لإقامته .
باختصار ان الشعب السوري , الذي قدم في معركة استكمال تحرره الشامل كل هذه التضحيات التي فاقت ما قدمه اي من الشعوبب العربية الأخرى , انما يكافح من اجل قضية عادلة تستحق ان تحظى بدعم ومساندة كل قوى الحرية والتقدم في العالم . هذا هو الموقف المنتظر , لكن دروس التاريخ البعيد والقريب قد علمتنا كما علمت غيرنا ,انه لايكفي ان نكون اصحاب حق حتى تنتصر قضايانا العادلة بل يجب ان نكون جديرين باستحقاق هذا الحق …
هذا هو طابع الصراع الدائر في عالمنا الذي مازال فيه الحق رهينا لهيمنة وسطوة القوة …وحيث مقومات القوة طبعا لا تتوقف على الجانب العسكري المباشر وانما هي حصيلة التطور والرقي في كل جوانب المجتمع .ومن تلك القناعات التي استخلصها شعبنا من تجارب السنوات الماضية المريرة ان العسكرة واستخدام السلاح في مقارعة نظام الاستبداد, وكردة فعل لمواجهة اسلوب النظام القمعي الوحشي انما هو في الواقع والمآل الانجرار الى المربع الذي يريده النظام وفتح حدود سورية لكل المجموعات المسلحة الارهابية التي لعبت وما تزال تلعب دور الأدوات المدمرة لتنفيذ أغراض ومخططات الدول والقوى الأجنببية والتنظيمات والفصائل الطائفية التي مزقت وطننا وشردت اهلنا في مختلف بقاع المعمورة .
كل مواطن سوري يدرك الآن انه وكمحصلة لهذا المسار الخاطئ الذي دفعت اليه الإنتفاضة كانت هناك ثلاث نتائج خطيرة ترتبت على ذلك :اولها ارتهان القرار الوطني المستقل للدول التي تقف وراء هذه المجموعات الارهابية ,وثانيها تمزيق الوحدة الوطنية السورية ,وثالثها استحالة السير في طريق التحول الديمقراطي الذي هو الهدف الرئيس الذي انطلقت من اجله الثورة . لذا فان المطلب الأول الملح للشعب السوري وهو يتطلع الى المستقبل القريب ,وبغض النظر عن التفسيرات المتباينة حول اولوية خطوات المرحلة الانتقالية في الحل السياسي المتبنى دوليا , هو وقف هذه الحرب العبثية المجنونة المدمرة لكل مقومات سورية التاريخية والحضارية , المادية منها والبشرية ولكل تراثها وقيمها الروحية .
ما نتطلع اليه بكل ثقة وامل ان يستعيد المواطن السوري في العام الجديد مستوى الوعي الذي عرف به فيدرك ان الضمانة الوحيدة لبلوغ اهداف شعبه هي في المقام الأول امتلاكه حرية ارادته وقراره الوطني المستقل, وأن الوحدة الوطنية المنيعة التي اسهمت في صنع نسيجها كل مكونات شعبه القومية والاثنية والثقافية والدينية على امتداد ألاف السنين هي سلاح شعبه الأمضى في انقاذ وطنه وتجاوز فصول المأساة التي يعيشها . اذ بفضل ذلك وحده يتحول شعبنا من موضوع لهذه الحرب الطاحنة وأغراضها الدنيئة الى ذات انسانية حضارية فاعلة تستعيد ثقتها بنفسها وتضطلع بدورها تجاه امتها وتجاه مسؤولياتها في نصرة قضايا الحرية والعدالة والسلام العالمي .
لقد علمتنا تجارب السنوات الماضية ايضا ان نتعامل مع السياست الدولية المهيمنة حتى الآن على مصائرنا بعد ان تردى الوضع العربي الهذه الدرجة من الضعف والهوان وغياب اي وجود او تأثير للنظام الإقليمي العربي أو اية صيغة ذات مردود للتضامن العربي وللعمل العربي المشترك ,علمتنا ان نتعامل مع سياسات ومواقف الدول بعيدا عن ذهنية ونهج التآمر والتشكيك المسبق بل بمنطق تقاطع او لقاء المصالح المرحلية , فالدول تحرك سياساتها اساسا مصالحها ومطالب الرأي العام فيها ,وهي ليست في كل الأحوال منظمات أو مؤسسات خيرية .
في مطلع العام الجديد ,الشعب السوري على موعد مع بداية الخطوات الأولية في طريق الحل السياسي تنفيذا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254 . فهل تستطيع المعارضات السورية ان تصدق شعبها وان تكون على الموعد في توحيد رؤيتها وبرنامجها التفاوضي وتبرهن عن كفاءتها في رفع صوت شعبها والتعبير عن طموحاته المشروعة في وضع حد لنظام الاستبداد ولكل قوى الطائفية والتخلف والارهاب. وقبل ذلك وكي تستعيد ثقة شعبها وتثبت انها استوعبت دروس الماضي القريب والبعيد وانها الآن فعلا قد تجاوزت الأخطاء والخطايا التي ارتكبتها خلال السنوات الفائتة فهل تتخلى معظم اطرافها عن ذلك الخطاب الشعبوي الانفعالي الذي لم يكن له من مردود الا تغذية الأوهام والغيبيات في اوساط مجتمعنا وبعث وتسعير الأحقاد والروابط المتخلفة والهويات القاتلة التي اثخننت جراحها جسده واوهنت وحدته .
عام جديد يطل علينا نحن السوريين وسط كل هذه الظروف الصعبة والخطوب والمحن القاسية ,لكن قدرنا كما هو شاننا دائما ان نظل محكومين بالأمل واثقين من قدرتنا على تخطي هذا الواقع المؤلم ,نرقب انبلاج فجر جديد ينبعث فيه طائر الفينيق من تحت ركام مأساتنا الوطنية ويرتفع فيه صوت شهدائنا ومناضلينا راضين مستبشرين , باننا لم نفرط بتضحياتهم وأنا كنا لعهدهم حافظين .
اقرأ:
د .حبيب حداد: ثلاثة مستلزمات من أجل الحل السياسي لإنقاذ سورية