Archived: د. وليد البني: استنتاجات وعبر من التاريخ القريب قد تفيد قضيتنا

د. وليد البني: كلنا شركاء 

عندما وقعت حرب فلسطين الأولى بين الفلسطينيين واليهود ، اعتقد الكثير من العرب أن قلة عدد اليهود وعدم عدالة قضيتهم سيجعلهم يخسرون هذه الحرب وينكفئون، لكن العرب هم من خسر وانكفأ لماذا: 

أولاً: لسوء تقديرهم فإقامة دولة لليهود في فلسطين كان قراراً دوليا متوافقاً عليه من جميع القوى العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بدون استثناء كما أن المنظمات الصهيونية كانت جزءاً من الحلف المناهض للفاشية والنازية الهتلرية الى جانب كل من الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا،  وعندما تلتقي مصالح الدول على أمر فإن قيم الحق والعدالة وحقوق الإنسان تصبح ثانوية،  وأقصى ما يمكن أن ينجم عن هذه المبادئ هو تأسيس منظمات لرعاية اللاجئين وبناء المخيمات لهم في الدول المجاورة وجمع التبرعات من أجل منع موتهم جوعاً أو برداً.

وثانياً: لتخلفهم وانتشار الأمية والتفكير القروسطي لدى أغلبيتهم الساحقة وافتقادهم للتنظيم وفقدانهم لاستقلالية قرارهم بعكس اليهود الذين قدموا من مجتمعات متقدمة وامتازوا بالتنظيم والإنضباط والقدرة على تحديد الهدف والإصرار على تحقيقه. 

انتهت الحرب بإعتراف دولي بإسرائيل وصدور القرار ١٤٩ الذي يقسم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين ويطالب بعودة اللاجئين الى منازلهم ، حيث حصل الفلسطنيون على ٤٩٪ من فلسطين التاريخية واليهود على ٥١٪ منها والمنطقة اليهودية فيها أغلبية بسيطة لصالح السكان اليهود( كان ممكن أن تتغير لصالح العرب خلال سنوات) . ورغم أن كل الدلائل كانت تشير أن المنظمات اليهودية لم تكن سعيدة بهذا القرار الذي أبقى القدس خارج سيطرتها وفرض عودة اللاجئين الذين سيشكلون خطراً على التوازن الديمغرافي إلا أنهم عملوا كل ما في وسعهم لكي يأتي الرفض من قبل العرب لكي يقوموا بفرض وقائع جديدة على الأرض تجعل من هذا القرار بدون معنى مع مرور الوقت. 

أقيمت دولة اسرائيل على اساس ديني بحت ، لكنها ذات دستور علماني بحت لايفرق بين سكانها على أسس دينية أو عرقية أومذهبية ويعطي الجميع نفس الحقوق ويفرض عليهم نفس الواجبات ( فلسطينيي ال٤٨ يتمتعون بحياة وحريات أفضل مما يتمتع به جميع سكان الدول العربية) رغم النعرات العنصرية التي بقيت تسود الأوساط الشعبية الإسرائيلية  ، كما تبنت اسرائيل جميع المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ، ومنعت حكم الإعدام والتعذيب       ( المفضوح على الأقل) حتى عن أعدائها الذين قاموا بقتل اسرائليين بدوافع قومية أو سياسية. فعلوا كل ذلك لأنهم أرادوا أن يقولوا للعالم المتحضر أننا مثلكم نتبنى نفس القيم لكي يحصلوا على تعاطف  دولي مع قضيتهم غير العادلة من جهة ولأن هذه القوانين والدساتير والقيم هي الأقدر على إنتاج مجتمعات متماسكة قادرة على الدفاع عن مصالحها من جهة أخرى ، بينما غرق العرب في ديكتاتوريات عسكرية وايديولوجيات دينية وقومية بعيدة عن تلك القيم .  

إنه مثل واحد من التاريخ القريب  قد نستنتج منه الكثير من العبر التي قد تساعد السوريين في فهم لماذا تعثرت ثورتهم العادلة و خسرت معظم حلفائها الدولين وخسرت أيضاً التعاطف الكبير الذي حصلت عليه من الرأي العام الدولي عند إنطلاقتها، وكيف يجب التعامل مع الوقائع الحالية بحيث لا تضيع سوريا في زحمة التنافس الإقليمي الدولي وتناقض مصالح أقطابه كما ضاعت فلسطين.

 ومن هذه العبر مثلاً: 

١- المجتمع الدولي وقواه الفاعلة لن يساعد على إسقاط نظام مهما كان مجرماً وديكتاتورياً طالما أن هذا النظام مستعد لتقديم كل التنازلات المطلوبة منه لخدمة مصالح هذه القوى وطالما كان بديله تنظيمات ذات  أفكار ورايات وأيديولوجيات اسلامية تكفر مجتمعاته  وتعادي قيمه الحضارية والثقافية ( اسرائيل اليهودية والتي قامت على اساس ديني يحكمها دستور علماني وتعترف بجميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي لم تعترف بها وتقرها أي دولة عربية حتى الآن) .  

٢- حسن التنظيم والتخلص من الشرذمة والبحث عن إمكانيات التمويل الذاتي السوري للتحرك السياسي( المنظمات اليهودية كانت تعتبر تبرعات اليهود في العالم المصدر الأول لتمويل تحركاتها ونشاطاتها وهي مستعدة لمحاكمة الفاسدين فيها بدون رحمة) والتركيز على كبح فساد المؤسسات السياسية،  ليس ضروريا فقط لتجنب الهزيمة بل أيضاً  لمنع إنتاج مؤسسات فاسدة ولتجنب هيمنة الآخرين على قرار هذه المؤسسات  مما يحولنا الى مجرد ورقة في أيديهم على طاولة لعبة الأمم. 

٣- على السوريين أن يكونوا خلفاء مخلصين لأصدقائهم الذين يتوافقون معهم على المصالح المشتركة  ( كما تفعل اسرائيل بعلاقتها مع الغرب) وليس أتباعاً لهم، لأن المتبوع لاتهمه مصالح التابع فهو  يعتبره جزءاً من آلية تحقيق مصالحه وليس شريكاً مضطراً لتبادل المصالح معه. 

٤- الوقوف ضد القرارات الدولية الصادرة بالإجماع لا يخدم التقدم في تحقيق الهدف ( قبلت اسرائيل جميع القرارات الدولية بالظاهر وعملت كل ما في وسعها لجعل العرب يرفضونها ثم تغيير الوقائع على الأرض لجعلها غير ذات معنى)  ، وإذا كان لابد  من تعطيله فلندع الطرف الآخر يقوم بذلك من خلال دراسات مستفيضة للقرار ومحاولة جعله يخدم أهدافنا أكثر،  فلكل توافق دولي بعض الإيجابيات التي لابد من العمل على الإستفادة القصوى منها من خلال العمل السياسي الهادف والنشط. وفي الحالة السورية فإن القرار ٢٢٥٤ ورغم بعض سلبياته إلا أن التعامل الذكي معه سيؤدي الى رحيل نظام مافيا الأسد وإعادة بناء سوريا أفضل.