Archived: حسن الصفدي: بين شباط شرقي وشباط غربي

حسن الصفدي: كلنا شركاء

في غمار الأحداث العاصفة، وفي خضم المجريات الموجعة، لا تقبل الحياة التوقف بل تتطلب الاستمرار في العيش. غير أن ما يجري تستقر صوره ومعانيه في الذاكرة الجمعية، على تعدد أنماط حفظها، ومن ثم كان التأريخ المتعدد الأساليب لتوثيق الحوادث، وفرزها عن الأساطير التي لا تُفارق الذاكرة الجمعيّة، وإن تبدلت أحوالها.  

على أن ما في تراثنا من تسميات تجعل من شهر شباط شهراً مميزاً. فإذا كان من المتعارف عليه، أن شهور الفصل الثلاثة تُقسم إلى أربعينية {مُرْبْعانية} وخمسينية، فإن خمسينية فصل الشتاء تُقسم إلى أربع سعودات أولها “سعد الدابح” (ناقته) ويتميّز بشدّة البرد والصقيع، وثانيها “سعد بلع” (ماءه) إذ تبدو الأرض بعد هطول المطر عليها وكأنها ابتلعت الماء، وثالثها “سعد السعود” حيث {تدب الماوية في العود = يبدأ سريان النسغ وتبرعم النبات، ويدفا كل مبرود}. وآخرها “سعد الخبايا” {تتفتل فيه الصبايا = صحوة الأفاعي/ الحيات من السبات الشتوي}،  ويوصف شهر شباط لانقشاع السحب بأنه {شباط شبّط ولبّط روايح الصيف فيه}.

على أن هناك أمرٌ تاريخيٌ يجعل من 14شباط – كما 14إيلول – يوماً خاصاّ فهو يوم بدء شهر شباط في التقويم الشرقي. من هنا يختلف موعد بدء الصوم الكبير عند المسيحيين الشرقيين عن الغربيين.. إذ أن 14 شباط غربي = 1 شباط شرقي، وهنا يتوجب انتظار هلّة القمر وحلول يوم الاثنين بعده حتى يبدأ الصوم الكبير عند من يعتمد التقويم الشرقي.

يحلّ الموعدان في هذا العام كالتالي: موعد بدء الصوم الكبير عند معتمدي التقويم الغربي هو يوم الاثنين 8 شباط غ. في حين يبزغ الهلال يوم الثلاثاء التالي، وعليه يكون صوم معتمدي التقويم الشرقي يوم الاثنين 15 شباط غ = 2 شباط ش. أي بفارق أسبوع…

بمناسبة الحديث عن الصوم لابد من ذكر بعض ما كان يجري في أحيائنا العتيقة. في أيام الصوم الكبير تقول الحماة المسلمة لكنتها في المطبخ “أوعك يا خالدية تنسي وتسكبي لجيرانّا زَفَر حاكِم صايمين…”، إياك أن تصبي للجيران طعاماً فيه دسم حيواني لأنهم صائمون…. وفي أيام صوم رمضان (كانت الدور ملتصقة وباحاتها مكشوفة) كانت الحماة المسيحية تقول لكنتها الحديثة العهد عند إعداد طعام الغداء: “أوعك ولك نظلة تطلع ريحة التقلاية لتقوم كنة الجيران الحبلة تشمّا وتطلع الوحمة بالولد”، إياك يا نظلة من فوح رائحة التقلية كيلا تشمها الجارة الحبلى فتتوحم وتظهر الوحمة في المولود.

إذا كانت خمسينبة الشتاء تُقسم إلى أربع سعودات، فإن خمسينية الصوم تُقسم إلى سبعة خمسانات آخرها خميس المشايخ الذي نُكِبنا بإلغائه، إذ رضخت حكومة الشيشكلي لإرادة السلفية، وهلل اليساريون لمسألة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مع أن المسألة أمرٌ تراثيٌ بحت. وبُغية عدم الإطالة، نكتفي بزعم أن الصوم الكبير والخمسانات يوغلان، كلاهما، في القدم إلى بدايات نشوء مجتمعاتنا الزراعية القديمة.

أخيراً يبقى قول إن الريف السوري يعتمد التقويم الشرقي في روزنامته الزراعية التي تبدأ في 27إيلول غ = 14إيلول ش “عيد الصليب” (ذي المطرة التي لا تخيب). ومن ثم حرث {فلاحة} أراضي {بعل} تمهيداً لبذرها بعد {المطرة} التي تلي.