Archived: عمر قدور: نمر النمر والطائرة الروسية

عمر قدور: المدن

في ظروف مختلفة، كان لإعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر أن يمرّ بضجة أقل، وبآثار أخفّ على العلاقات السعودية الإيرانية. أيضاً، في ظروف مختلفة، كان لإسقاط تركيا الطائرة الحربية الروسية التي انتهكت مجالها الجوي أن يمر من دون أن تتفاقم تداعياته، وأن تبدو بلا نهاية كما يحدث الآن. تداعيات إسقاط الطائرة لا تزال مستمرة على الأراضي السورية، من خلال الدعم الواسع الذي يقدّمه الطيران الروسي لقوات الحماية الكردية كي تقطع خطوط إمداد المعارضة من تركيا شمالاً، وهذا أهم استراتيجياً من العديد من العقوبات التي فرضتها موسكو على أنقرة.

تصريحات المسؤولين الإيرانيين ووكلائهم في المنطقة، التي سبقت إعدام النمر وتلته، تذكّر بالتصريحات الروسية المتصاعدة التي تلت إسقاط الطائرة. في الحالتين ظهر أن هناك تربصاً في انتظار حدث ينقل العداوة إلى مصاف جديد. من الناحية الأخلاقية، إعدام المعارض السعودي لا يختلف عن إعدام معارضين في إيران أو سواها من دول المنطقة، ولا يصل بالتأكيد إلى حرب الإبادة التي يشنها النظام السوري بمؤازرة إيران وميليشياتها. بمعنى أن الخلاف ليس أخلاقياً، ولا ينبع من الجانب الحقوقي غير المعترف به من قبل حكومات المنطقة. وإذا أقرينا بأن الخلاف سياسي في المقام الأول والأخير فهذا يعني أننا على عتبة جديدة من تصاعد الصراع في المنطقة، العنوان الرئيسي فيه سوريا، واليمن بدرجة أقل ربما.

نحن إزاء انقلاب إيراني روسي على المناخ الذي جرى تسويقه في الشهرين الأخيرين من السنة الفائتة، أول أوجهه الانقلاب على نتائج مؤتمر فيينا وقرار مجلس الأمن رقم 2254، على رغم موافقة روسيا وإيران عليهما. فحوى الانقلاب هو ما كان متوقعاً من تمرير الوقت، وإيهام الخصوم بوجود عملية سياسية، بينما في الواقع يجري الانقضاض على مقوماتها واحداً تلو الآخر. في اليمن، مع انتهاء الهدنة، من غير المتوقع قبول الحوثيين بالهزيمة وبالعودة إلى مبدأ المشاركة في السلطة، بخاصة أن العملية السياسية في اليمن واقعة تحت قرارات دولية لا تتيح لهم الاستئثار بالسلطة، والعمليات العسكرية التي تقودها السعودية ضد الحوثيين محمية بقبول دولي. أما في لبنان فقد كان واضحاً فشل المبادرة السعودية على علاتها في انتخاب رئيس من تحالف 8 آذار، ما يعني أن أهداف التعطيل الرئاسي تتجاوز شخصية الرئيس العتيد وتوجهاته.

ردود الأفعال على إعدام النمر توحي بأن المنطقة مقبلة على طور أقسى من الصراع، ولعل المحور الإيراني كان بحاجة إلى حادث من هذا القبيل من أجل إعادة شدّ العصب الشيعي في المنطقة ككل بعد التعرض لانتكاسات عديدة. أن يهدد نصرالله من لبنان بردّ “زينبي” على الإعدام، هذا يذكّر بالشعارات الأولى التي غطى بها الحزب عدوانه على السوريين، وإذا لم يكن متوقعاً أن يغامر الحزب أو رعاته باستهداف السعودية مباشرة فالرد سيتعين في تأجيج الصراعات المفتوحة أصلاً، وفي تجنيد متطوعين شيعة جدد لتعويض الخسائر السابقة. وجهة المتطوعين ستكون سوريا واليمن، ولا يستبعد أن يشهد العراق انفجاراً للصراع المذهبي أو مذابح طائفية، بخاصة لأن تفاهم الإدارة الأميركية مع العشائر السنية في الرمادي وسواها لا يرضي الحكومة الإيرانية.

رد الفعل الإيراني مغطى بالهجوم الروسي الذي لا ينحصر بالعدوان المباشر على السوريين، فموسكو منذ بدء عدوانها سعت إلى تحييد تركيا والسعودية وقطر عن التدخل في سوريا. طهران كانت الوحيدة التي عارضت مؤتمر المعارضة السورية وما انبثق عنه في الرياض، لكن موسكو التي لم تجهر بمعارضتها المؤتمر قبل انعقاده قادت حملة لتفريغه من مضمونه، وتحاول بمساعدة المبعوث الدولي ديمستورا إفراغ تفاهمات المعارضة من مضمونها، ونسف هيئة التفاوض المنبثقة عن المؤتمر نهائياً.

لقد حان وقت معاقبة السعودية من قبل محور موسكو/ طهران، وزاد الأمر إلحاحاً بعد زيارة أردوغان السعودية والاتفاق على إنشاء “مجلس تعاون استراتيجي” بين الجانبين، مع الاتفاق على أن الحل في سوريا يستثني بشار الأسد. ولا ننسى أن أردوغان قبل ذلك زار الدوحة، وعقد الجانبان مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية التي تثير غضب موسكو، بينما كانت التباينات واضحة بين الجانبين الروسي والقطري في المؤتمر الصحافي الذي عقده لافروف مع وزير الخارجية القطري في ختام زيارة الأول إلى الدوحة.

قد تكون السنة الجديدة سنة “المسألة الشرقية” بامتياز، “الرجل المريض” فيها هو النفوذ الأمريكي المنسحب من المنطقة، والشرارتان اللتان أشعلتا الصراع رسمياً هما إسقاط الطائرة الروسية وإعدام النمر. ما يزيد الرجل المريض مرضاً وجود أوباما والأوبامية في سنة انتخابية، وفضلاً عن حذر أوباما وتحاشيه التورط في صراعات خارجية يندر أن يبادر رئيس أمريكي إلى افتتاح صراع ضخم في نهاية حقبته، بل غالباً ما يعمد إلى محاولة تسوية أو تهدئة الصراعات التي باشرها من قبل. وطالما أن الصراع لن يتعدى الساحات الحالية يُستبعد أن تعدّل إدارة أوباما في نهجها الحالي، أي أنها لن تتدخل لمنع محاولات تغيير موازين القوى في سوريا لصالح بشار، ولا لمحاولات إعادة العراق إلى ما كان عليه أيام المالكي، ولن تدعم السعودية في الحرب اليمنية، وقد تكتفي بإبداء القلق إزاء الصراع الوحشي المتفاقم في المنطقة ككل.

السوريون، كما درجت العادة في السنوات الخمس الأخيرة، سيدفعون الثمن الأكبر للصراع الدولي والإقليمي المتفاقم، وإذا تعذر انتخاب رئيس لبناني في ظل هذه الظروف لنا أن نتخيل استحالة الحل في سوريا الأكثر تعقيداً وثقلاً استراتيجياً. من انتظروا الحل من موسكو، واختلقوا إيجابيات للعدوان الروسي على السوريين، عليهم اليوم اكتشاف فضيلة عدم الوقوع في الحفرة ذاتها كل مرة.

اقرأ:

عمر قدور: لنملأ العالم إرهاباً كرمى لبشار!