Archived: د. محمد عادل شوك: قراءةٌ في القوانين الناظمة للمجتمعات

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

إذا قُدِّر لنهر أن يجري في أرض طيبة؛ فسيروي منها آلاف الهكتارات، و تصبح سلّة غذاء للناس، و أمّا إذا جرى في أخرى سبخة؛ فإنّه لن ينفعهم بشيء، و ستذهب مياهه هدرًا.

هذه واحدة من السنن الطبيعية التي تنطبق أيضًا على المجتمع البشري، فالمجتمع  يمتلك طاقات هائلة؛ فإذا وُظِفَت بشكل سليم كانت رافدًا مهمًا في عجلة التنمية، و بغير ذلك تكون عبثًا، و فسادًا.

فالمجتمعات يتوقف تقدُّمها على قوانين و أنظمة ذاتية كثيرة نسمّيها ( ديناميكية المجتمع )، تتمثل في قيامها على القِيَم الصحيحة، و العمل الصالح؛ الأمر الذي يجعلها تسير في الاتجاه الصحيح، و العكس أيضًا صحيح.

هذه القوانين لم تكن غائبة عن أسلافنا من العرب، و المسلمين، و لعلَّ فيما  تذكره  المصادر عن رسالة علي رضي الله عنه، إلى مالك بن الأشتر لمّا ولاّه مصر، ما يوضّح لنا هذه الديناميكية.

: « و اعلَمْ أنّ الرعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، و لا غنى ببعضها عن بعض، فمنها: جنود الله. و منها: كتّاب العامّة و الخاصّة. و منها: قضاة العدل. و منها: عمّال الإنصاف والرّفق. و منها: أهل الجزية و الخراج من أهل الذّمة و مُسْلِمَةُ الناس. و منها: التجّار و أهل الصناعات. و منها: الطبقة السُّفلى من ذوي الحاجة و المسكنة. و كلٌّ قد سمّى الله له سهمه ( نصيبه من الحق )، و وضع على حدِّه فريضة في كتابه، أو سُنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، عهدًا منه عندنا محفوظًا.

فالجنود، بإذن الله، حصون الرعية، و زين الولاة، و عِزُّ الدين، و سبل الأمن، و ليس تقوم الرعية إلاّ بهم، و لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخَراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، و يعتمدون عليه فيما يصلحهم، و يكون من وراء حاجتهم.

ثم لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصِّنف الثالث من القضاة و العمال و الكتّاب، لما يُحكمون من المَعاقد ( يقومون بتنظيم العقود ) و يجمعون من المنافع، و يؤتمنون عليه من خواص الأمور و عوامها.

و لا قوام لهم جميعًا إلَّا بالتجّار و ذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ( المنافع التي يجتمعون من أجلها )، و يقيمونه من أسواقهم، و يكفونهم من الترفُّق ( التكسُّب ) بأيديهم ما لا يبلغه رِفقُ غيرهم.

ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة و المَسكنة الذين يحق رَفدهم ( مساعدتهم، و صِلَتهم ) و معونتهم، و في الله لكلٍّ سعة، و لكلٍّ على الوالي حق بقدر ما يصلحه ».[ نهج البلاغة: الرسالة 53 ]

إن قراءةً متأنيّة في هذه الرسالة لتشير إلى أنّ ثمّة  عددًا من القوانين الناظمة، من الضروري أن تتوفّر  لبناء المجتمعات، منها:

– التفـاضل بالسعي.

إنَّ المجتمع يتكوّن من طبقات تقوم على هذين الأمرين:

1ـ الأسس السليمة، وهي: العلم والخبرة والكفاءة والقدرة البدنية، وغيرها.

2ـ المساواة، و ترك العصبية: فأفراد المجتمع متساوون في الإنسانية، و سواسية أمام القانون و القضاء، بعيدًا عن الطبقية البغيضة التي تقوم على أساس العنصر و الدم، أو الثروة و المال، أو المنصب و المركز الاجتماعي، أو على أسس قبلية و طائفية و عائلية، و غير ذلك.

– التعاون.

فالطبقات التي تشكل جسم المجتمع، غير منغلقة على ذاتها، بل تنفتح على بعضها بالتعاون المثمر البنّاء، فيكمل بعضها بعضًا، فلا غنى لواحدة عن الأخرى، كما أنّ علاقتها مبنية على أسس المحبة والاحترام المتبادل.

– العدالة

إنّها أهم ركيزة يقوم عليها المجتمع الحيوي السليم، إذْ ينبغي أن تكون العدالة شاملة الجميع، حاكمًا ومحكومًا، غنيًا و فقيرًا، قويًا و ضعيفًا، حتى تؤتي ثمارها، و فقدانها له تأثير هدّام مزدوج، فهو ناحية يؤدّي إلى التجرُّؤ على سرقة حقوق الآخرين، و الاعتداء عليهم، مثلما يؤدّي إلى تثبيط هِمَم العاملين المنتجين من مزارعين و صناعيين و تجّار و كتّاب و مفكّرين؛ بسبب قلقهم من احتمال اغتصاب و سرقة الآخرين لجهودهم.

– صيانة المجتمع.

لكي يحافظ المجتمع على نفسه من الاعتداء الخارجي، أو الاضطراب و التفسخ الداخلي، لابُدَّ له من ركائز تشكل أساس البناء الاجتماعي، منها:

1ـ القوة العسكرية: ممثلة في الجيش، و المعدات و الذخيرة، و التدريب، و التنظيم، و غيرها.

2ـ القوة الاقتصادية: ممثلة بالقطاعات الانتاجية و الصناعية، في حقول الزراعة و الري و الرعي و النفط، و غيرها.

3ـ القوة القضائية: ممثلة بالقضاة، و حكام الشرع، و الكتّاب، و غيرهم.

4ـ القوة الإدارية، و التنفيذية: و هي جهاز الحكومة بما فيه من  وزراء و موظفين، و إداريين.

5ـ القائد الأعلى، أو الرئيس: و يكون زاهدًا في موقعه عندما يكون خاضعًا للمساءلة من المجالس المنتخبة، في الدول التي فيها هوامش للحرية، و يغدو متسلِطًا في الأخرى.

– التكافل والضمان الاجتماعي.

إن الفقراء و المساكين و ذوي الحاجة ممن قعدت بهم كارثة عرضت لهم، أو مــــرض ألمّ بهم، أو شيخوخة أصابتهم، ينبغي أن يكون لهم مؤسسات تقوم على رعايتهم، و سمِّي عمالها ( عمال الرِّفق و الإنصاف ).

بهذه القوانين تضمن المجتمعاتُ الطمأنينةَ لأبنائها؛ فيأمنون على مستقبلهم، و مستقبل من يعولون، و تجعلهم يسعون إلى المزيد من النجاح و العمل، هذا فضلاً على إشاعة أجواء المحبة و التراحُم فيما بينهم.