on
Archived: سلام كواكبي : خيبة (الشاطر) بألف من الخيبات
سلام كواكبي: هنا صوتك
تناقلت الأخبار شبه الدقيقة، بعضاً من تفاصيل اجتماع وزير الخارجية جون كيري مع أعضاء في الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض لتوحيد المعارضة السورية والمخوّلة المشاركة في الجولة التفاوضية السورية / السورية المُزمع عقدها روسياً وأميركياً، وبغطاءٍ أممي لا حول له ولا قوة، في جنيف خلال هذا الأسبوع.
ركّزت التسريبات على خطاب قاسٍ تبنّاه كيري في حديثه مع المعارضين السوريين داعياً إياهم للقبول بالإملاءات الروسية، فيما يتعلق بتوسيع فريق المفاوضين إلى الأسماء المُقترحة روسياً، وبعدم اشتراط أي وقف لإطلاق النار أو رفعٍ للحصارات المفروضة على المدنيين. كما أشارت الأنباء إلى تراجع الأميركيين عما كانوا قد ادّعوا تبنيه سياسياً بخصوص المرحلة الانتقالية وميلهم “الروسي الهوى” إلى حكومة وحدة وطنية.
إن تأكّدت هذه التسريبات وتوثّقت، أو جرى نفيها لاحقاً، فهي لا يجب أن تصدم واعٍ، أو تُفاجئ كل ذي عقلٍ، أو تُحبِط أصحاب الفكر السياسي والسياسيين إن وجدوا. فعلى الرغم من “سذاجة” بعض المعارضين السوريين، والتي قادتهم إلى الظن يوماً بأن هناك موقف أميركي “إيجابي” بخصوص “حقوقهم الشرعية” في خضمّ المقتلة السورية، إلا أن البيت الأبيض بمستشاريه ورئيسه كانوا واضحين منذ اليوم الأول في تقديم استقالتهم الجماعية والعلنية من الهمّ السوري.
كما أنهم كانوا صريحين بتلزيمه، بدايةً إلى دولٍ عربية لا ناقة لها ولا جمل بالعمل السياسي غير المؤدلج، والذي يمكن له أن يدعم قضية شعب دون أن يستغلها، أو يشوهها أو يركب عليها. ولاحقاً، قدمّوه على طبقٍ من الهامبرغر الرخيص إلى حليفيهم غير المعلنين في الملف السوري، روسيا وإيران.
إضافة إلى هذا الدور “البنّاء”، تُشير أخبار متقاطعة أن جون كيري يقوم بلعب دور الوسيط بين الإدارة الروسية والمعارضة السورية، الممثلة بهيئة المفاوضات. وفي بعض من الحقيقة، ومن خلال متابعة الموقف الأميركي بتطوراته وتخبطاته السلبية المتراكمة، يمكن الاستخلاص بأن التبني الأميركي للموقف الروسي يجعل الإدارة الأميركية في حلٍ من لعب دور الوسيط المنسوب ظلماً وبهتاناً لها.
بل على العكس، فهي تقوم بالتعبير عما تراه هي مناسباً لحل المسألة، وتحمل له قناعة صلبة، في طريقة (لا) إدارة الملف السوري. وقد توضّح، كتابةً وتصريحاً، بأن الأولوية المشتركة بين واشنطن وموسكو أساساً، وتل أبيب وطهران لاحقاً، والنظام السوري تبعيةً، هي في “القضاء على الإرهاب” المحصور تعريفاً وتجسيداً بتنظيم الدولة الإسلامية داعش.
تعقد المفاوضات في جنيف قبل نهاية الشهر أو لا تعقد؟ هذا هو السؤال المطروح صحفياً ويومياً، وذلك بعد أن تم تأجيل موعد بداية الأسبوع إلى 29 من هذا الشهر والذي وربما سيتأجل أيضاً إلى موعدٍ لاحق. ولكن من الواضح والجليّ أن الإرادة “الأميركية ـ الروسية” هي في أن تُعقد “المباحثات” بمن حضر، من معارضة حقيقية أو مصطنعة أو مزيج ملائم، أو أن يُعاد تشكيل وفد المعارضة المخصص لها وبأن يضم حلفاء أميركا الجدد، والذين يتقاسمون ولاءهم مع روسيا المستمرة في القصف اليومي للمدنيين والتدمير المنهجي للبنى التحتية التي تعوّل روسيا على إعادة بنائها من خلال شراكات ذات مردودية عالية، في الفساد وفي الإفساد، مع النظام الداخل في طور الإنعاش “الإيجابي”.
الموقف الأميركي ينسجم متأخراً مع نفسه، بعد أن نجح أحياناً في تقديم نفسه بصورة مغايرة ومختلفة تماماً. حيث استطاع من خلال سياسة ملتوية تدّعي دعم “الحريات” خدع ليس فقط جزءاً من المعارضة السورية، بل وأيضاً، جزءاً هاماً من بعض الفكر البافلوفي العربي بمكوناته المختلفة إيديولوجياً والتي تعشق نظرية المؤامرة.
لقد اتهم هؤلاء طويلاً، وطوروا آليات شتم وتخوين، الثورة السورية وناشطيها وقياداتها على أنها مرتبطة بالمشروع “الإمبريالي” وبالمخطط الأميركي. وها هو هذا “المخطط” ينكشف وهذه “المؤامرة” تتوضّح بكونهما يسعيان إلى تنفيذ الحل الروسي / الايراني ونكران حقوق شعب بأكمله.
هل سيُعيد هؤلاء كلهم وسواهم قراءة الموقف الأميركي بأبعاده وتطوراته وحساباته وتحالفاته بنسبة أعلى من الوعي وذلك للوصول إلى استنتاجات لا تستطيع إلا أن تعيد النظر جدياً في حسابات من راهن، إيجاباً أو سلباً، على وجود مثل هذا الموقف “الداعم” للثورة السورية.