on
Archived: د. حبيب حداد: القضية السورية بين الحل السياسي والحل العسكري (1-3)
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
في دوامة المأساة السورية التي لم تجد حتى الآن طريقها الى الحل الصحيح , الحل الذي يجسد تطلعات الشعب السوري في التغيير الديمقراطي الحقيقي و يفتح امامه آفاق الحرية والعدالة واللحاق بمسار العصر ,في دوامة هذه المأساة المستمرة والمتفاقمة ,مايزال خطاب معظم اطراف المعارضات السورية التي اعطت لنفسها مشروعية التعبير عن ارادة الشعب السوري ,يشتبك كل يوم ويصارع بعضه بعضا في حرب تصريحات لا تعرف المهادنة أو التوقف وتقييمات ذاتية حول افضلية او جدوى اي من الحلين السياسي او العسكري في انقاذ ماتبقى من سورية دولة ومجتمعا وكيانا . وعلى الرغم من ان هذه المسألة هي في حقيقتها مسألة اشكالية مصطنعة فان خطورتها من وجهة نظرنا انها تعكس خللا عميقا في بنية الفكر السياسي العربي بكل ما يترتب على ذلك من مواقف وممارسات تلحق أفدح الأضرار بقضايانا الوطنية .
تصريحات متباينة لا يمكن أن تصدر عن وعي وادراك سليمين للواقع . تصريحات تتوالى بين الحين والآخر عمن تصوروا أنفسهم ناطقين رسميين باسم االسوريين وانهم الوحيدون الذين يستشعرون آلام شعبهم المبرحة والذين يتحسسون مطالبه الملحة ,على الرغم من اقامتهم المتنقلة بين مختلف عواصم ومدن العالم,. يعلن هؤلاء ويكررون مواقفهم ,بمناسبة وبغير مناسبة , بتبني الحل العسكري خيارا وحيدا لتحقيق الأهداف التي انطلقت من اجلها الثورة السورية قبل سنوات خمس . ويبررون ذلك كون النظام السوري وحلفائه كما يرون ,لن يقبلوا الاستجابة لمطالب الشعب ولن يذعنوا الا عن طريق الغلبة القاهرة وهزيمتهم في أرض المعركة . هذا من جهة , ولأن المجتمع الدولي غير جاد ولا يريد اصلا اسقاط النظام , فلقد خذلنا من ادعوا صداقة الشعب السوري ,ولم يفوا بوعودهم ولما طلبناه منهم بأن يقوموا نيابة عنا بمهمة انهاء هذا النظام …و قد تين لنا مؤخرا أن ليس لنا اليوم من ينصرنا في حربنا ويتولى هذه المهمة إلا محور الرياض- أنقرة- الدوحة …؟؟؟
أما عن الحل السياسي فقد تعددت القوى والأطراف التي تتبناه وتدعو اليه وترى فيه السبيل الوحيد الكفيل بحل المسألة السورية بما يضمن المحافظة على الدولة السورية ويدفع بعملية التغيير والتحول الديمقراطي الى غاياتها المنشودة .لكن والحق يقال فان موضوع الحل السياسي من حيث مضمونه وآليات تنفيذه ومن حيث مهمات المرحلة الانتقالية وآجال تنفيذها , انما يختلف من جهة لأخرى من الجهات التي تعلن موافقتها عليه نظريا وتعتبرانه الحل الوحيد الذي لا حل سواه للمسألة السورية . ولا نبالغ اذا قلنا ان بعض الأطراف وفي مقدمتها النظام وبعض مكونات المعارضة الخارجية ,التي ارتبطت بالأجندات الإقليمية تلتقي من حيث النتيجة ولو حركتها دوافع مختلفة , في موقفها من محاولة بذل كل الجهود لعرقلة والغاء أية خطوات جادة و الإمتناع عن توفيرأية مناخات مناسبة ومهيئة للسير في طريق الحل السياسي المطلوب, الذي مامن شك أنه يواجه الآن صعوبات شتى وتعقيدات كبيرة على كافة الأصعدة . فنظام الاستبداد العائلي الوراثي لم يعترف حتى الآن انه واجه انتفاضة شعبية شاملة تطالب بالاصلاح والتغيير الجذري للسلطة ولنظام الحكم الشمولي القائم واقامة نظام ديمقراطي علماني بديل على اساس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية دون اي تمييز بين ومواطن وآخر, نظام يصون ويعزز الوحدة الوطنية السورية على قاعدة تمتع كل مكونات الشعب السوري القومية والاثنية والدينية والمجتمعية والسياسية بكل حقوقها المشروعة .
أما معظم مكونات المعارضات السورية في الخارج التي كان ديدنها طوال السنوات الماضية الدعوة المحمومة الى عسكرة الثورة وتغطية انحرافاتها وتشويه هويتها وأسلمتها وتحولها في نهاية المطاف الى حرب اهلية مذهبية ببعدها الاقليمي الذي لا يجادل فيه اثنان ,هذه المعارضات اذ اصبحت تبدي بين الحين والآخر موافقتها على الحل السياسي للأزمة السورية فذلك في رأينا يعود الى عاملين :أولهما مجاراة الموقف الدولي العام منذ وثيقة جنيف 1 مرورا بلقاءات فيينا هذا العام وانتها بقرار مجلس الأمن رقم 2254 , وثانيهما اقتناعها بأن النظام لا يمكن في النهاية ان يوافق على صيغة الحل السياسي المطروح الذي اقرته الشرعية الدولية .وهكذا تكون تلك الأطراف المعارضة قد انقذت نفسها من الحرج الذي تشعر انها قد وضعت فيه بغير قناعتها لتعود فترتد الى مواقفها السابقة التقليدية التي تتفق ومواقف الأطراف التي تحركها بأن لا طريق لانهاء النظام الا طريق مواصلة هذه الحرب العبثية التي يشعر كل مواطن سوري واع ومخلص ان استمرارها اضحى لا يحقق سوى نتيجة واحدة وهي استكمال تدمير ماتبقى من سورية : الوطن والعروبة والتاريخ والحضارة .
لقد كنا نرى مثل الكثيرين من أبناء شعبنا ,منذ البداية اي قبل ان تحرف الثورة عن مسارها ,ان قدرة هذه الثورة على الانتصار ونجاحها في تحقيق اهدافها انما يعتمدان بالدرجة الأولى على عوامل القوة الذاتية التي تتوفر لها وذلك قبل ان تكون جديرة وهوحقها المشروع بدعم كل قوى الحرية والتقدم في العالم . ,وهذه العوامل تتمثل أساسا في طابعها الشعبي السلمي , وفي تجسيدها للوحدة الوطنية السورية , واهدافها التحررية الحضارية ,وخطابها الواضح الموحد الذي يعكس جوهرهويتها في توجهه للرأي العام العربي والعالمي . لكن اذا كان مفهوما ومتوقعا منطق النظام الدبلوماسي والاعلامي في تصوير هذه الانتفاضة الشعبية العارمة بالمؤامرة الكونية الكبرى تارة وبالحرب الارهابية العالمية تارة اخرى ,فكيف يمكن تفسير اوتبرير خطاب مؤسسات المعارضة الخارجية كالمجلس الوطني ومن بعده الإئتلاف وغيرهما من الشكيلات الأخرى في التغطية على عمليات حرف مسار هذه الثورة واغتيال اهدافها ,ولعب دور الواجهات والأدوات التنفيذية للدول الاقليمية في صراعها الذي يتمحورضد النفوذ والتغلغل الايراني في المنطقة ,تلك الدول التي آخر ماتفكر فيه ضمن اولوياتها مصلحة الشعب السوري وآخر ماينسجم مع طبيعتها أو يتوافق مع اهتماماتها دعم هذا الشعب في بناء دولة ديمقراطية حديثة . بل لا بد لنا نحن السوريين ان نسأل تلك المعارضات السورية التي راهنت ومازالت تراهن ,هذا اذا انطلقنا طبعا من حسن النوايا,على تلك الدول الاقليمية والخارجية وعلى المنظمات الارهابية التي ترتبط بها ,ان يدلونا على اي تصرف واحد او اي شعارواحد او اي برنامج واحد يقرب تلك المنظمات الارهابية المسلحة , التي عملت طوال السنوات الماضية على تقطيع اوصال المجتمع السوري وعاثت فيه الخراب والدمار , تصرف أو شعار أو برنامج لأحدها يقربها من برنامج التحول الوطني الديمقراطي واعترافها ولو بوجود الدولة السورية ,وهويتها الوطنية والعروبية . وهل يظن هؤلاء انهم بمحاولاتهم الفاشلة تصنيف تلك المنظمات الارهابية الى منظمات اسلامية متطرفة واخرى معتدلة وثالثة بين بين , يستطيعون تغطية شمس الحقيقة بالغربال ومخادعة شعبنا الذي اكتوى بجرائم تلك المجموعات كما اكتوى من قبل بجرائم النظام وكان حاله كمن وقع بين المطرقة والسندان .
وهل يجوز لنا أن ننسى, ولو للحظة واحدة , كيف عملت تلك المجموعات الارهابية ,التي لا علاقة لها بالقيم والمبادئ الوطنية والاسلامية والإنسانية ,و بدفع من دول الاقليم التي تحركها الى تهميش وافشال دور أولئك الضباط والجنود الوطنين الأحرار الذين انشقوا عن الجيش النظامي وحاولوا انشاء نواة لجيش وطني سوري حر .
يتبع
اقرأ:
د. حبيب حداد: هل يشهد السوريون نهاية لمأساة وطنهم في العام الجديد