on
Archived: حسن الصفدي: نفي النفي إثبات
حسن الصفدي: كلنا شركاء
واقعات كئيبة حدثت جعلتني أستذكر. وقد عاينت كثيرين يعدّون الذكريات مجرد حكايات، ولست لألومهم. غير أن حدوث تلك الواقعات منذ فترة دفعني إلى كتابة بعض الذكريات.
مشهد أول: خلال زيارتي لصديقٍ قومي سوري. قال لي: أما تذكر تلك المكتبة التي كانت تبيع الصحف في منتصف خمسينيات القرن الماضي، قلت: وكيف لا أذكرها؟ فالتفت إلى شاب كان عنده وقال له: أيامها كان يأتي البعثي إلى المكتبة بعد العصر ويسأل هل وصلت صحيفة الرأي العام؟ فيقول له إنها على الطريق… ويأتي شيوعي ليسأل: وصلت النور؟ والإجابة نفسها… ويقف البعثي والشيوعي على الرصيف ينتظران ويتحدثان، وما يلبث أن يصل قومي سوري ويسأل هل وصلت النداء (من لبنان)؟ الجواب ذاته. فينضم إلى الآخرَين ليشاركهما الحديث. ثم يصل واحد من الإخوان ليسأل عن المنار ولا ينتظر الرد ليتشارك الأربعة فيما هم فيه. وما إن تصل الصحف حتى يأخذ كلٌ صحفه. وقلة كانوا أولئك الذين يكتفون بجريدة واحدة. فقد كان الميل جارفاً لمعرفة ما يقول الآخرون في صحفهم كي ينشطوا للعمل على تفنيده شفاهاً وكتابةً.
مشهد ثانٍ: في أواخر الستينيات كنت في زيارة صديق شديد التديّن يعمل بنشاط في جمعيتين اجتماعيتين. وجاء على غير انتظار صديق شيوعي كان عضواً في المكتب السياسي. فرحب به صديقي المتدين وبالغ في الترحيب. هنا مالت النفس الأمّارة إلى المداعبة. فسألته: ما حكاية كل هذا الوداد؟! وما أسرع ما رد عليّ: هناك شيء يجمعنا… تساءلت ما هو!! كان الجواب: قاعدة “نفي النفي إثبات”… وضحكنا جميعاً بصخب. ودار حديث أصدقاء بمودة…
مدخل: ما أذهلني وقتها ذلك الربط الذكي، من جانبه، بين استخدام الفقه تلك القاعدة في القياس لاستنباط الأحكام، وبين كونها قانوناً ماركسياً يحاكي جدل الوجود. من منا لم يقرأ في الإعدادية: سالب X سالب = موجب. وفي الثانوية في المنطق الصوري: من مقدمة أولى ومقدمة ثانية تحصل على نتيجة، فيما بعد عرفنا أن النتيجة محمولة في المقدمات أصلاً، وعليه اعتمدنا الجدل.
مع أن القوانين الطبيعية واحدة، والمقدمات متشابهة، إلا أن الاستنباطات ليست نفسها، نظراً لتعدد البشر وتنوع أنماط التفكير، وطرائق الاستنتاج، إنما ما أكثر ما يحدث أن يغدو ما أستُنبط، أو تم الاقتناع به، أو جرى تعلمه، على أنه الصحيح الذي لا يأتيه الباطل، وما استنبطه، أو اقتنع به أو تعلمه الآخر، غلط فادح ما دام لا يتوافق مع ما نعتقد أنه صوابٌ حقاً.
ويفوتنا أن مجمل ما تعلمنا لا يعدو أن يكون جملة قواعد نجمت عن جهد سنين طوال من دأب الإنسان على التدبر في أحوال الكون ومصائر الناس في بيئتها الحياتية وسيرتها المعاشية. ومهما كان صواب ما تعلمنا، فهذا الصواب لا ينسحب بالضرورة على أفكارنا الشخصية وأفعالنا اليومية.
وما أكثر ما نخطئ، لكن آخر شيء عُلِّمناه أو دًرّبنا عليه هو تحاشي ممارسة شجاعة الاعتراف بالخطأ، ومحاولة إيجاد المبررات لأفعالنا واعتبارها مسوِّغات، فقد اعتدنا أن تأخذنا العِزَّة الجوفاء فنقلب الحقائق باطلاً كيلا نتراجع عما تبيّن خطله.
هنا من المفيد التذكير بشيء من التاريخ. أُثِرَ عن الإمام أبي حنيفة النعمان: “قولنا هذا صواب يحتمل الخطأ. وقول غيرنا غلط يحتمل الصواب.” وأُثِرَ عن الإمام الشافعي: “قد كنت قلت، والآن أقول….”. وفي ظني أن هذين المفكرَين التاريخيَين أدركا تمام الإدراك أنهما يعملان في مجال تطبيقي بطرائق تجريبية/ نسبية، وأن ما يتدبره أو يفعله المرء لا يرقي إلى مرتبة الاعتقاد/ المطلق بل الاستحسان أو، إن شئت، التفضيل. وحتى الإمام الأشعري لم يجد غضاضة في الانتقال من نهج فكري إلى نهج آخر يخالفه جذرياً، ما دام قد تولدت لديه القناعة بذلك…
فيما بعد نشبت خلافات جمة بين بعض من قلدوا الحنفية وبعض من قلدوا الشافعية، ولم ينج أتباع الأشعرية من الاضطهاد عدة مئات من السنين. حدث ذلك في العصر الذي انكفأ فيه العقل العربي الإسلامي عن الابتكار، وطبعاً كان ذلك نتيجة ظروف موضوعية مرت بها البلاد آنذاك..
حَدَثَ في بَلَدٍ بَعِيدٍ: في أثناء الحرب العالمية الثانية كان يندر أن تجد من لا يعرف أسماء هتلر وتشرشل وستالين وروزفلت والجنرالات ديغول ورومل ومونتغمري وآيزنهاور. ولم يكونوا، قلة آنذاك، محبي هتلر والمعجبين برومل والمتفائلين بنصرهما، والأسباب معروفة.
بطبيعة الحال كان لابد من أن ينتصر الحلفاء وتهزم الدكتاتورية النازية. إنما الأمر الذي أدهش الناس أن تُجرى في بريطانيا انتخابات نيابية /مجلس العموم/، لا يحصل فيها حزب المحافظين أي حزب تشرشل على الأغلبية، بل ينالها منافسه حزب العمال وزعيمه أتلي. وحار الناس في الأمر، وبدا ذلك وكأنه نكران للجميل، وإساءة إلى تشرشل.
هنا جاء دور الباحثين في العلوم الاجتماعية الذين قالوا: ليس في الأمر شيء من ذلك القبيل، إنما فكّرت غالبية الناخبين الانكليز كالتالي: تشرشل هو الذي قادنا إلى النصر ونحن نعترف له بالفضل، عير أننا الآن بلد يعاني من عواقب الحرب، وبحاجة إلى من يعيد بناءه، ولن ينفع، في هذا، من اعتاد اقتصاد الحرب، وفرض علينا التقشف.
حدث عندنا: بُعَيد النكبة، أي هزيمة الجيوش السبعة، لم يكونوا قلة، أولئك الذين هللوا للانقلاب العسكري الذي نفذه الزعيم حسني الزعيم، على الحكومة المدنية المنتخبة وفق الدستور، ولم يكن التقدميون واليساريون قلة بين المهللين. أي أن الذي قاد الانقلاب ضابط في جيش هُزْمَ، لكنه، وأصحابه وآخرون، حمّلوا السياسيين المدنيين مسؤولية تلك الهزيمة، ونتائجها.
*المشهدان حدثا في مدينة حمص.