Archived: حمزة رستناوي: القرآن ليس دستور… بل هو كتاب عقيدة

حمزة رستناوي: موقع الأوان

الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا ” هذا هو النص الكامل للشعار الذي وضعه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين, و قد قام  بشرحه فيما يُسمّى بالأصول العشرون لفهم الاخوان المسلمين للإسلام[1] و لقد احتلّ هذا الشعار حيّزا مهما في كتابات و خطب كبار منظري الاخوان المسلمين كالشيخ يوسف القرضاوي و سعيد حوّى و غيرهم, و قد جرى استخدام هذا الشعار الجذّاب جماهيريا في الانتخابات الرئاسية  المصرية من قبل محمد مرسي حيث صرّح في اجتماع انتخابي: القرآن دستورنا.. وقادرون على تطبيق الشريعة الآن[2]  و كذلك من قبل حركة حماس حيث هتف نوابها بهذا الشعار في جلسة المجلس التشريعي لمنح الثقة لحكومة اسماعيل هنية[3] و كذلك الجبهة الاسلامية للإنقاذ في الجزائر قبل انقلاب العسكر 1992على نتيجة الانتخابات,  و لقد تجاوز استخدام هذا الشعار تيار الاخوان المسلمين بالخاصة الى بقية طيف الاسلام السياسي و خاصّة السلفية الجهادية مع التركيز على مقولة الجهاد العنفي.

القرآن الكريم كتاب عقيدة توحيدية يسعى في سبيل الهداية و الاعتبار إن أُحسن فهمهُ, فهو كتاب دين أما الدستور فهو وثيقة تحدّد القواعد الاساسية للدولة و نظام الحكم و اختصاص السلطات.. الخ فالقرآن الكريم يقع في اختصاص الدين أمّا الدستور فيقع في اختصاص السياسة, و في ذلك يمكن تبيّن العديد من الفروق و الاختلافات بينهما:

أولا- لغة الوثائق السياسية و القانونية هي لغة توصيفيه دقيقة لا تحتمل المجاز و الاستطرادات و القصص و الايقاع اللغوي, بينما لغة الوثائق العقائدية الدينية بما فيها القرآن  تشحذ النفس , تحتفي بالمُدهش العجائبي , ذات جرس موسيقي , غنية المجاز تؤكّد على القيم الاخلاقية عبر اشارات عامة.

ثانيا- القرآن هو خيار ايماني يقوم على الحرية و الاقتناع و طمأنينة الفرد للمعتقد, بينما الدستور هو مرجعية سياسية توافقية مُجتمعيّة مُلزمة للأفراد والتمثيلات السياسية بعد اقرارها.

ثالثا- الدستور الحقيقي يساوي بين المواطنين بغض النظر عن عقائدهم و مذاهبهم و طوائفهم في الوطن الواحد , بينما القرآن الكريم يميز بين المؤمنين و غير المؤمنين من أبناء الوطن الواحد, فهناك منافقين و هناك فاسقين و هناك مشركين و هناك أهل الكتاب.. الخ و هذا التميز مفهوم تماما لكونه تمييز على اساس عقائدي, و العقيدة- أي عقيدة- هي بطبيعتها فئوية تقوم على التمييز بين المؤمن و الكافر بها.

رابعا- النبي محمد بعد أن هاجر الى يثرب وضع ما يسمى تاريخيا بصحيفة المدينة لينظم العلاقة بين المسلمين و غيرهم من قاطني المدينة, و لم يعتمد القرآن كمرجعية ملزمة للجميع, إن لغة وثيقة المدينة هي أقرب الى لغة الدستور و الوثائق السياسية, تحتوي على حقوق و واجبات و التزامات ..الخ و أسلوبها و لغتها لا تشبه القرآن.

خامسا- في بلد متعدد الطوائف و المذاهب الدينية كلبنان و نيجيريا و ماليزيا مثلا ما هي النتيجة المتوقعة من شعار” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا “؟! و الاجابة ليست تخمينا او افتراضا بل و يمكن تلمّسها في الواقع و التاريخ القريب.

سادسا- على سبيل المثال إنّ نظام ولاية الفقيه في ايران, و حزب الله الشيعي في لبنان و مليشيا عصائب أهل الحق في العراق, ليس لديهم أدنى اعتراض على شعار ” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا” و لكنّهم يفسّرونه بطريقتهم, وفق توظيف سياسي معيّن! و كذلك إنّ كلا من  تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام و جيش الاسلام و جبهة النصرة ليس لديهم أدنى اعتراض على شعار ” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا ” فماذا كانت النتيجة !!

سابعا- دستور أي دولة في العالم يحدد طبيعة النظام السياسي فيها , هل هو ملكي ام جمهوري , هل هو شمولي ام ديمقراطي , هل هو رئاسي أم برلماني؟  أنصار نظرية القرآن دستورنا ليس لديهم اجابة في نصوص القرآن على هكذا تساؤلات! و هذا لا يُنقص شأن القرآن بل يُنقص من شأن تفكيرهم . إنّ دستور أي دولة في العالم يحدد أشكال و اختصاص السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية , و لكن أنصار نظرية القرآن دستورنا ليس لديهم أدنى اجابة في نصوص القرآن على هذا السؤال!             * إنّ عبارات قرآنية من قبيل ( و أمرهم شورى بينهم ) و ( شاورهم في الأمر) لا تصلح لأن تكون نصوصا دستورية أو قانونية فهل الشورى خاصة بالمسلمين أم جميع المواطنين؟ و هل الشورى ملزمة أو غير ملزمة و ما هي حدود الزامها؟ و من هم الذين يشاوروهم!.. الخ  إنّ عبارة ” و شاورهم في الأمر”  المُخاطب بها هو النبي محمد و ليس غيره , و هذا كامل سياقها  ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر”. آل عمران الآية  159 و قد جاءت الآية بمثابة نصائح عامة في السلوك الانساني و أخلاق بعينها.                                                                                         و كذلك عبارة ” و أمرهم شورى بينهم” فسياقها عقائدي ديني  يتحدث عن الصلاة و الصدقة …و هذا كامل سياقها ” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” الشورى الآية  28 , و قياسا على ذلك فيجب ألا يستغرب جماعة ” القرآن دستورنا ” أن يكون بيت الشعر المنسوب لبشار بن برد:                إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنْ                                                           برأي لبيبٍ أو مشورة  حازمِ                                                                 مادةً دستوريّة كذلك!                                                                         يمكن أن نتوقّع احد أنصار الاسلام السياسي  يجادل في أن الآية التالية ” وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” المائدة الآية 44  تفيد أن القرآن الكريم هو دستور! و لكن و بإلقاء نظرة سريعة على الآية السابقة لها 43 : ” كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ” نجد أن المُخاطب بها يهود يثرب و ليس جماعة المسلمين اصلا, و قد لا يحتمل هذا المقال الدخول في نقاش تفصيلي حول أمثلة أخرى.

القول بأنّ القرآن الكريم هو دستور, يعني فهم معيّن للقرآن , و كل فهم هو بشري تاريخي و نسبي, و قد نُسب إلى علي بن ابي طالب قديما  القول ” لا تخاصمهم بالقرآن , فإنّ القرآن حمّال أوجه ” و نسب له كذلك القول ” هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ و لا ينطق بل ينطق به الرجال” و مشهور ما حدث في قضيّة التحكيم بين علي و معاوية, و كلاهما يستندان الى ذات المرجعيّة القرآنية! فهل من داع لإدخال القرآن الكريم في سوق المزايدات السياسية, و اعادة انتاج معارك الجمل و صفّين !                                                       *إنّ شعار ” القرآن دستورنا ” هو شعار مُهدّد للسلم الأهلي , كلّ من يطرحهُ و يقوم باستخدامه سياسيا , هو يفترض نفسه الوصي على شؤون القرآن , و هو يحتكر كلمة الله سبحانه و تعالى و يستخدمها في صراعه مع الخصوم و لعبة السلطة, و الأمر أبعد ما يكون عن البراءة و التُقى. و لقد انتبه بعض الاسلاميين المنشقين عن التيار التقليدي للإسلام السياسي لخطورة هكذا شعار و امكانات استثماره سياسيا بشكل سلبي , فألّف السعودي علي الرباعي كتابا بعنوان  القرآن ليس دستورا[4] و رأى أنّ رفع شعار( القرآن دستورنا ) هو للمقايضة و المزايدة, فالدستور نتاج عمل بشري بينما القرآن هو كلام الله. و كذلك عبد المنعم ابو الفتوح المنشقّ عن جماعة الاخوان المسلمين ذكر أن «القرآن دستورنا» هو شعار عاطفي وأدبي لا يعبر عن منهجنا في العمل السياسي [5]

الهوامش:

[1] راجع كتاب حسن البنا الملهم الموهوب- عمر التلمساني- نسخة الكترونية على موقع ويكيبيديا الاخوان المسلمين.

[2] جريدة اليوم السابع- 13 مايو 2012

[3] جريدة الاقتصادية- العدد 4552 تاريخ 29 مارس 2006

[4] القرآن ليس دستورا- علي بن محمد الرباعي- منشورات رياض الريس-  2014

[5] الشرق الاوسط- العدد 9675 تاريخ 25 مايو 2005م