Archived: د. حبيب حداد: القضية السورية بين الحل السياسي والحل العسكري (3-3)

د. حبيب حداد: كلنا شركاء

اليوم ونحن نستعرض الحال التي وصلت اليها بلادنا في ضوء ماقدمناه في الحلقتين السابقتين من هذا الموضوع وخاصة ما يتعلق بأوضاع المعارضات السورية  المأزومة والتي تعتبر العنصر الأضعف والأكثر قصورا في عملية المواجهة والاعداد المطلوبة للتعامل مع خيارات المستقبل القريب ونعني بذلك  نهاية هذا الشهر اذا قدر لعملية التفاوض برعاية الأمم المتحدة أن تدشن أولى خطواتها . لقد كان ما يميز معارك شعبنا في الماضي هو وضوح الرؤية وجلاء الحدود والتخوم  بين جبهة الأعداء وجبهة الأصدقاء والأهم من ذلك كله توفر وحدة وطنية منيعة تتكسر على صخرتها الصلدة  كل محاولات الاختراق والتفتيت واذكاء الفتن والحروب الداخلية ,.

لكن ومع الأسف ومع اختلاط الحابل بالنابل والتباس شعارات الحق بشعارات الباطل , بعد ان انحرفت مسارات انتفاضات ما عرف بالربيع العربي عن طريقها السوي , فغابت الرؤية السديدة واصبح العدو صديقا والصديق عدوا بل والأدهى والأمر من ذلك فقد اصبحت اقسام واسعة من مكونات الشعب وطوائفه أعداء بعضها البعض وانجرفت في غمار صراع وحشي مرير ,ينذر في حال استمراره  بتدميرحاضرها وانهاء وجودها . فكيف نفسر اذن تحالفات المعارضات السورية الخارجية مع الدول الإقليمية ومحاولاتها المترامية لكي تلعب في الآن نفسه دور الواجهات للمجموعات الارهابية المسلحة في الداخل التي عملت وتعمل على استكمال تدمير سورية مجتمعا وكيانا ووحدة وطنية . وهل تستقيم ادعاءات تلك المعارضات الخارجية  بشأن مواقفها وممارساتها التي ترى انه  لا يرقى اليها الشك , من حيث صوابها وصدق وطنيتها ,مع حملات التهجم السافرالمتواصلة على معارضات الداخل , واتهامها لها بأنها حليفة للنظام , بسبب ان هذه المعارضات بصورة عامة قد صمدت وظلت في احضان شعبها تقاسمه كل ألوان  المتاعب والمعاناة القاسية وكل اشكال القهر وشظف العيش وتتعرض مثل ابناء شعبها لمخاطر القذائف والبراميل المتفجرة التي تجعل منها في كل وقت مشروع ضحايا محتملة ؟؟؟ أم هل ان المبرر لهذه الحملات المستمرة ان معارضات الداخل في مجملها قد طرحت وتبنت الصيغ العملية  لانقاذ وطنها من المأساة التي يعيشها , وتحقيق مطالب شعبها في انهاء نظام الاستبداد والانتقال الى الحياة الديمقراطية السليمة ,دون اية مزاودات خلبية ودون أي تفريط أو مساومة على الحقوق والمطالب الأساسية ؟؟؟

اليوم ونحن على ابواب مرحلة جديدة من التفاوض وبرعاية دولية بين وفد النظام من جهة ووفد المعارضة السورية من جهة ثانية ,  فاننا نعتقد ان نجاح هذه المفاوضات يعتمد على الدور الذي يضطلع به الطرفان اللذان يتوقف عليهما اساسا مصير تلك المفاوضات وهما الطرف الدولي الذي اصبح يمتلك الى حد كبيرسلطة  فرض الحل , والطرف الآخر وهو العامل الذاتي ونعني به وفد المعارضة ,انطلاقا من انه يفترض فينا مسبقا ان نعي مواقف النظام واساليبه المتوقعة لعرقلة تلك المفاوضات وافشالها ان استطاع ذلك ,.

أما بصدد المجتمع الدولي فاننا نعتقد ان هناك بداية جدية لوضع قاطرة الحل السياسي على السكة الصحيحة وذلك استنادا الى مصالحه بالدرجة الأولى بعد ان توسع خطر الارهاب وانتشرالى عقر دياره .وبعد ان اصبحت تبعات مواجهة موجات النزوح التي لا تتوقف تهدد استقراره وتضيف لأوضاعه متاعب اقتصادية اضافية . اننا نعتقد ان التوافق الروسي الأمريكي قد بلغ مستوى معينا يمكن البناء عليه  في المراهنة على امكانية تنفيذ مراحل الحل السياسي التفاوضي وفق وثيقة جنيف 1 والقرار الأممي 2254  في حال كان العامل الذاتي على مستوى تحمل المسؤولية .ذلك اننا نعتقد ان الولايات المتحدة الا مريكية ستسعى الى لجم  حلفائها ونعني بذلك المحور السعودي القطري التركي والتوقف عن امداد وتسليح المجموعات المسلحة الارهابية التابعة لها .وستسعى روسيا بدورها الى لجم ايران والنظام السوري والمجموعات الطائفية التي تقاتل الى جانبه وذلك من اجل تحقيق الخطوة الأولى والملحة وهي اصدار قرار اممي يلزم بوقف هذه الحرب الوحشية المدمرة تمهيدا للخطوات اللاحقة وفي مقدمتها اخراج جميع هذه الميليسشيات الغريبة والمجموعات الارهابية من الأرض السورية.

وأما العامل الآخر الذي يتحمل بلا ريب قسطا كبيرا في مسؤولية انجاح او فشل عملية التفاوض المنتظرة ,فهوالعامل الذاتي ونعني به هنا طبيعة وهوية الوفد الذي سيشارك في هذه المفاوضات والذي ينبغي ان يكون سلاحه الأمضى في هذه المعركة السياسية والدبلوماسية الشرسة تمثيله لارادة شعبه والتعبير عن وحدته الوطنية والالتزام التام بمطالبه التي اعلنتها ثورته . ولكي يستطيع هذا الوفد القيام بمهمته على افضل وجه  ممكن يفترض فيه ان يكون موحدا في رؤيته , منسجما في ادائه , متكاملا في خبراته , واثقا من قدرته وكفاءته ,وقبل ذلك ان لا يغيب عن باله ان مرجعيته الأساس هي سماع صوت شعبه و الاستجابة المخلصة لتطلعاته المشروعة . لقد دفعنا نحن السوريين اثمان باهظة من اجل نيل استقلالنا وقدمنا خلال السنوات الماضية التضحيات الجسام من اجل استكمال تحررنا .اننا لنشعر في كل لحظة وندرك جيدا ان بلادنا تمرالآن  في مفترق طرق وتواجه اشد الأعاصير والتحديات التي تهدد كياننا الوطني ووجودنا الإنساني  ,وعلى الرغم من هذا الواقع المظلم  واستعادة لوعينا وثقتنا بأنفسنا فاننا سنظل محكومين بالأمل في أن يكون غدنا خيرا من يومنا هذا .     

اقرأ:

د. حبيب حداد: القضية السورية بين الحل السياسي والحل العسكري (2-3)