Archived: سلام كواكبي: أن تعتذر متأخراً خير من ألا تعتذر أبداً

سلام كواكبي: هنا صوتك

بمعزلٍ عن فشلها في فهم خطورة وآلية ومسار العمل العسكري والعلاقة معه ومع القائمين عليه، فإن أخطاء المعارضات السياسية السورية لا تعد ولا تحصى.

من المؤكد أن كثيرا من المؤرخين والباحثين في العلوم الإنسانية، وحتى في التحليل النفسي، سينصرفون في مستقبلٍ قريب إلى كتابة المجلدات لسرد وقائعها المؤلمة وتفاصيلها المُحرِجة ونتائج أعمالها الوخيمة مراراً وتكراراً.

ليس لمقالة صحفية أن تُحيط بها ولا حتى بالجزء اليسير من تفاصيلها المتشعبة والمليئة بالمفاجآت غير السارة عموماً. بالمقابل، فمن المناسب، بل من الضروري، البدء بتصنيفها حسب الوقائع المرتبطة بها أو حسب التدرج الزمني لوقوعها أو حسب شخوصها ـ ولا أجرؤ على استخدام كلمة شخصياتها ـ أو حسب العلاقة الفردية أو المنظّمة التي استطاعت أو فشلت في إحلالها مع الآخر، حكومة كانت أم منظمة دولية أو مجموعات إقليمية.

في علم الاحتمالات، يُعتبر الخطأ في اتخاذ الموقف أو تبريره أو تعزيزه، أمراً شديد الورود، وكذا الاعتذار عنه وعن نتائجه أو، وعلى أقل تقدير، الاعتراف بوقوعه وتحمل مسؤولية ما يتأتى من نتائج مخفّفة أو جسيمة.

لكن أهم ما ميّز المعارضات السورية بكافة أجنحتها وأفخاذها وصدورها ورؤوسها، خلال السنوات الخمس الماضية، هو الابتعاد تماماً عن ممارسة أي فعل اعتراف بخطأ أو محاولة تصحيح ما ارتكبته عمداً أو سهواً من أخطاء مترامية الأبعاد ومأساوية الوقع. ويتشارك بهذه “الخصوصية” جمعٌ غفير من شخوصها أصحاب الأنا المتضخمة أو أصحاب المشاريع الإيديولوجية المتحجّرة أو أصحاب الادعاءات بليبرالية انتقائية أو إسلاموية طهرانية مشوّشة المرجعية والبنيان.

سنحت عديد من الفرص لكي تلعب المعارضات السورية لعبة ذكية سياسياً وانتهازياً على الأقل لتعترف بارتكاب خطأ أو أخطاء في بعض من الخيارات أو الخطوات أو الإجراءات أو العلاقات أو التصريحات أو الأفعال، ولكنها لم تفعل البتة.

وإن حصل واعترف بعض شخوصها، فهم يمارسون فعل الاعتراف، وليس الاعتذار، في مجالس خاصة مغلقة بعيداً عن أي موقف علني. فإضافة إلى أن ممارسة الاعتذار تعتبر وصمة عار في الثقافات الشرقية عموماً، فهي تصبح لدى شخوص المعارضات السورية فعلاً فاحشاً أينه من الخيانة العظمى.  

بحرية وترهيبٍ كاملين، يسرح إرهابيو جبهة النصرة، التي لا تخفي البتة ارتباطها بمنظمة القاعدة، ويتصرفون بحيوات ومصائر ومعيشة مئات الآلاف من السوريين والسوريات، وذلك منذ أن وضعوا اليد على الحراك في الشمال السوري، وخانوا كل الاعتبارات “الرفاقية والنضالية” وحتى العشائرية التي خُيّل للبعض يوماً بأنها تجمعهم مع بقية مكونات الحراك الثوري السياسي أو العسكري. وقد مارسوا القمع والاستبداد بلبوس ديني، منقادين بعقيدة مشوشة رسّخت التآخي غير المعلن مع تنظيم داعش الإرهابي هو الآخر، مع الادعاء الشكلي بمحاربته أو مواجهته أو الاعتدال عنه.

“قليلة هي الأصوات في الأجسام السياسية للمعارضات السورية قادرة اليوم على التصريح بالإدانة وبالتنديد تجاه هذه المجموعات المسيطرة بقوة العنف والإرهاب وغسل الأدمغة، كما بقوة المال العابر للحدود وللمطارات”.