Archived: د معتز محمد زين: هل نحن متطرفون؟؟

د معتز محمد زين: كلنا شركاء

يمكن تعريف التطرف على أنه الابتعاد كثيرا بالفكر أو السلوك عن حد الاعتدال والتوجه العام للمجتمع ، وواضح من تعريفه أنه نسبي ومرتبط بمكونات هذا المجتمع ومرتكزاته الثقافية والسياسية والدينية والتاريخية … يمكننا اعتمادا على هذا التعريف أن نقر بحدوث موجة من التطرف في المجتمع السوري .. بمعنى أن هناك العديد من الممارسات والخطابات التي انتشرت في سوريا هي بالفعل بعيدة عن التوجه العام السابق للمجتمع السوري ..ولكن من السذاجة الحديث عن التطرف دون الحديث عن أسبابه ومبررات ظهوره ، تماما كما أنه من العبث علاج المرض دون علاج سببه أو محاصرته وإضعافه .. هناك أسباب ثقافية واجتماعية وتاريخية ونفسية ومادية تساهم في تكون التطرف وتناميه ، لكن السبب الأهم  للتطرف لدى جهة ما هو خضوعها لحالة من التهميش والظلم والقهر المزمن والمتراكم إلى الحد الذي يفوق قدرتها على التحمل مع غياب أي جهة يمكن التقاضي إليها لرفع الظلم وتحقيق بعض من العدالة والإنصاف وإثبات الذات ووضع حد لعربدة الجهة المستبدة .. إن إغلاق جميع أبواب العدالة أمام المقهور سيقوده في النهاية إلى محاولة الانتصار على الظالم في خياله وفكره ، ومع الزمن تتبلور في داخله سيناريوهات الانتصاف والانتقام ممن يسلبه حقوقه ، ويصبح جاهزا على المستوى النفسي للانضمام إلى أي مجموعة قادرة على إنصافه أو على الأقل إيلام المستبد الظالم ..

من الصعب الحديث عن موضوع كبير بهذا الحجم في مقالة ، لكنني سأحاول أن أتناوله من زاوية معينة وضمن حدود الأرض السورية التي باتت بؤرة لتجمع ” المتطرفين الإسلاميين ” كما تقول معظم الأطراف ذات العلاقة بالأزمة السورية .. وللأسف فإن معظم الدول الغربية والكثير من الدول الإقليمية تتكلم عن التطرف الإسلامي بشقه السني فقط متناسية تماما الميليشيات الشيعية الموغلة – تاريخيا وإيديولوجيا وسلوكيا – في التطرف ، الأمر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام حول طرح مشكلة التطرف أصلا من قبل هذه الجهات ، ويدعو للاعتقاد أن هذا الطرح يخدم أهدافا إستراتيجية تسعى الدول الكبرى لتحقيقها في المنطقة .. مهما يكن فإنني سأحاول رسم صورة سريعة لتنامي هذه الظاهرة – الغريبة فعلا عن المجتمع السوري السني –  والبحث عن أسبابها ومبررات ظهورها ..

أربعة عقود من حكم أقلوي طائفي توغل خلالها في جميع مفاصل الدولة واستطاع أن يحكم قبضته على كل مكوناتها عبر أجهزة أمنية قمعية عانى منها الشعب السوري بجميع مكوناته .. امتدت أيادي الإخطبوط الأمني تدريجيا حتى باتت تتلاعب بكل مقومات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في سوريا .. فانتشر نتيجة لذلك الفساد والرشوة والمحسوبيات والوساطات ، وأصبحت العلاقة مع ضابط أمني كبير أكثر أهمية من أي وزير أو كفاءة علمية أو شخصية اعتبارية أو ثقافية ، وبات من غير الممكن لأي فعالية اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أن تنجح دون التحالف مع شخصيات أمنية وتقديم الأتاوات الشهرية لها.. توغل الإخطبوط الأمني في كل تفاصيل الحياة السورية جعل من مظاهر الفساد والقهر والتسلط والاستعباد مشهدا يوميا قد يواجه المواطن السوري في أي مكان داخل سوريا ، الأمر الذي أحدث في داخله حالة اشمئزاز من الوضع وغضب تفاقم وتنامى حتى تحول إلى غليان داخلي ينتظر الشرارة لكي يتحول إلى  ثورة في وجه الاستبداد والظلم .. وهذا ما حصل ..

حصلت الشرارة في درعا ، وانفجر خزان الغضب والقهر  دفعة واحدة .. حرص السوريون في البدء على أن تكون ثورتهم سلمية تماما لأنهم لا يريدون لبلدهم أن تدخل في دوامة الحرب الأهلية ولمعرفتهم بطبيعة النظام الدموي الذي يحكم سوريا .. ستة أشهر باعتراف رأس النظام وسلاح الشعب السوري الوحيد هو هتافاته ومظاهراته ولافتاته .. ليس لدى النظام الذي لم يتعود سماع صوت معارض داخل سوريا سوى الرصاص للتعامل مع هذا الحراك .. لم ينجح النظام باحتواء الحراك السلمي رغم الترهيب والرصاص والاعتقالات .. فرفع مستوى العنف في تعامله مع المتظاهرين ومناطقهم .. الأمر الذي دفع الناس إلى حمل السلاح  كردة فعل طبيعية في محاولة للدفاع عن النفس والعرض .. نزل الجيش لساحات المدن ونزلت معه كل الآليات الثقيلة  .. تلك الآليات التي استهلكت لعقود القسم الأكبر من ميزانية سوريا بدعوى الاستعداد الدائم للرد على أي اعتداء صهيوني .. تركزت كل  عمليات القصف والتدمير في مناطق السوريين السنة .. حاولت جامعة الدول العربية أكثر من مرة حل المشكلة دون فائدة .. أربع مرات يستخدم الفيتو في مجلس الأمن للسماح للنظام السوري بالاستمرار في تدمير تلك المناطق وقتل أهلها وتشريدهم ..لم ينجح النظام بكسر إرادة الشعب الغاضب المنتفض  فاستدعى وعلى مرأى من العالم شذاذ الأرض على خلفية طائفية للمشاركة بقتل شعبه .. تدخلت إيران وحزب الله ومن ثم روسيا  والهدف واحد .. تدمير مناطق السنة وتهجير أهلها وكسر إرادتهم وإعادتهم لبيت الطاعة الأسدية … لم يترك السوريون بابا لم يطرقوه بحثا عن حل مقبول لمشكلتهم .. مضادات الطيران والتي تعطي نوعا من الأمان للمناطق المحررة ممنوعة تماما بفيتو أمريكي هذه المرة .. تبين للسوريين أن الكثير من الدول التي تدعي صداقتها للشعب السوري متواطئة عليه وموافقة على تدميره وتهجيره لمصلحتها الخاصة أو لمصلحة حليفتها اسرائيل .. لا يكاد يخلو بيت في تلك المناطق من شهيد أو معتقل أو مهجر أو معاق  .. هذه صورة عامة وسريعة للوضع في سوريا وفي التفاصيل أهوال تشيب لها الولدان  .. ولا أدري إن كان  – مصادفة أو قدرا – أنني أكتب هذه الكلمات وأنا أشاهد تقريرا حول موت الناس جوعا في بلدة مضايا التي يحاصرها حزب الله اللبناني الشيعي الطائفي في مشهد لا تكاد العين تطيق إطالة النظر إليه وذلك في القرن الواحد والعشرين وعلى مرأى وسمع العالم المتحضر والأمم المتحدة وأصدقاء سوريا وهيئات حقوق الإنسان !!!!!

المشهد باختصار .. ظلم متراكم فاق حد التحمل .. جرائم موثقة بالصور لم يشهد العصر الحديث مثيلا لها .. تواطؤ من معظم الأطراف على استمرار الفيلم الدموي .. شعب مقهور مظلوم فاق صبره حمل الجبال .. استنجد هذا الشعب بكل القوى القادرة على إنهاء مأساته دون أي استجابة .. صرخ هذا الشعب من الألم وتوعد بالانتقام حفاظا على كرامته واحتراما لذاته واضطر لقبول العون من جهات تحمل خطابا مغايرا للخطاب الذي اعتاده عموم الشعب السوري  .. نسي العالم كل الجرائم التي ارتكبت بحق هذا الشعب واعتبر صراخه غير المعتاد وتحالفه مع تلك الجهات تطرفا ..

من الظلم الحديث عن التطرف والصمت عن أسبابه .. ومن الظلم رفض التطرف مع القبول بأسبابه وعوامل تكونه .. ومن الظلم محاربة التطرف دون محاربة أسبابه وعوامل نشوئه .. ومن الظلم أن تطالب الضحية بخطاب التسامح قبل وقف العدوان عليه .. ومن الظلم أن يلام المطعون على صراخه قبل نزع الخناجر من جسده وبلسمة جراحه ..

يقتل السوريون يوميا قصفا وطعنا وتجويعا وقهرا ، ويهجرون من مناطقهم ، وتدمر بيوتهم فوق رؤوسهم ، ويحاصرون حتى يضطرون لأكل الحشائش والقطط ، ويحرم أطفالهم من الحليب والغذاء والدواء حتى يتمنى بعضهم الموت رغبة بالطعام المتوفر بالجنة ، ثم يطلب منهم أن يحافظوا على الاعتدال والوسطية في الخطاب والسلوك ؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!

إن التطرف – الخطابي أو السلوكي – هو رد الفعل الوحيد المتوقع أمام هذا الواقع .. إنه صرخة المقهور في وجه المستبد عندما لا يجد من يطالب بحقوقه ويدافع عنه  .. إنه السلاح الوحيد الذي يمتلكه المظلوم في وجه الظالم عندما يحرم من امتلاك الأسلحة القادرة على رد المجرم وردعه .. إنه الملجأ الوحيد الذي يحتمي به عندما يهدم بيته فوق رؤوس أطفاله .. إنه الصفعة التي يحاول من خلالها الجريح أن يضرب بها قيم وشعارات المتفرجين على جراحه بشماتة أو لا مبالاة .. قد لا ينجح التطرف في استرداد كامل الحقوق وتحقيق الطموحات والانتصاف من الظالم بسبب التفاوت الكبير في ميزان القوى، لكنه على الأقل ينجح في رد الاعتبار للذات وإيلام العدو المجرم والذي يحقق درجة من العدالة عبر الشعور بوجود مساواة بالألم على الأقل ..

ربما يكون الحديث الإيجابي عن التطرف هو رد فعل غرائزي أكثر منه رد فعل عقلاني ، ولكن هل ترك العالم العاهر – الذي يرسم بدماء أهلنا خططه واستراتيجياته – مكانا للتروي والعقلانية .. هل للمنطق مكان عندما تشتد القبضة على الرقبة حتى تقارب حد الاختناق .. الغريزة وحدها من يتحرك في هذه اللحظة .. وإن خالطها قليل من التعقل وكثير من التسامح فهذا يحسب للجهة المعتدى عليها ومخزونها الكبير من الأخلاق والقيم التي استمدتها من ذات الدين الذي يوسم اليوم بكونه مصدرا للفكر المتطرف ..  

 أمام هذا الواقع فإنني أعتقد أنه من الخطأ ابتداء طرح السؤال بهذه الصيغة  ” هل نحن متطرفون ” ..  والسؤال الأكثر واقعية هو ” هل يعقل أن لا نكون متطرفين ؟؟ ” .. و ” هل لدينا خيار آخر سوى أن نكون متطرفين ؟؟ ” .. ولو مرحليا ..