Archived: الواشنطن بوست: تحديات هيلاري كلينتون في قضية مكافحة الإرهاب

فريد هيات – الواشنطن بوست: ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الأردنية

بينما كان الرئيس باراك أوباما يجري تجربته قليلة الحظ في تقليص القيادة الأميركية العالمية، فإنه استطاع صد هجمات النقاد بما وصفه الكثيرون بأنه حجة رجل القشة: أن البديل الوحيد لنهجه هو ممارسة العدوانية الطائشة التي لا تحسب حساباً للعواقب.
ثم جاء تيد كروس -وتبين أنه هو رجل القشة. فعندما قال السيناتور الجمهوري من تكساس عن “الدولة الإسلامية” إنه كان ليقوم “بقصفهم بكثافة حتى يلقي بهم في غياهب النسيان”، ثم يرى ما “إذا كانت الرمال يمكن أن توهج في الظلام”، بدا وكأنه أراد إثبات أن العدوانية الطائشة ليست مجرد فكرة من نسج خيال أوباما.
لكن هناك خيطاً مشتركاً بين ما يعرضه أوباما وما يعرضه كروز: الوعد الزائف بوجود طريقة سهلة أمام الولايات المتحدة في قتالها ضد الإرهاب.
لقد أراد أوباما من الأميركيين أن يصدقوا -وربما صدقوه فعلاً- أن “موجة الحرب تنحسر”، كما قال لهم في العام 2011. ثم تبين أنه يستطيع إنهاء حروب الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يعني أن الحروب تكون قد انتهت -وقبل مضي طويل وقت، أُجبر الرئيس على إعادة الأميركيين إلى المعركة.
أما كروز -مثله مثل دونالد ترامب، الذي يعد بأن “يقصف بسرعة وبحزم ليخرج الجحيم”، من “الدولة الإسلامية”- فيريد من الأميركيين تصديق أن بالوسع إلحاق الهزيمة بالأشرار بسرعة وسهولة، من دون تضحيات يقدمها الأميركيون، ومن دون إلحاق أي ضرر بالقيم الأميركية.
لكن القصف الكثيف يقتل المدنيين، وليس الإرهابيين. كما يحتاج الطيارون إلى معلومات لا يستطيع تقديمها سوى أناس موجودين على الأرض، وتنجح القوة الجوية فقط بوصفها جزءا من استراتيجية عسكرية وسياسية أوسع إطاراً. وبالنسبة للولايات المتحدة، ليس هناك، في واقع الأمر، أي بديل عن التزام مستدام وعلى مدى سنوات بالانخراط في أكثر مناطق العالم فوضى واضطراباً. ولا يعني ذلك شن غزو بمئات الآلاف من الجنود، ولكنه يتطلب حقاً انخراطاً استخباراتياً ودبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً.
وليس هذا شيئاً شعبياً ليقوله أي سياسي. لكن هناك، لحسن الطالع، مرشح واحد يقوله على الأقل. ولعل من المفارقات أن يكون هذا المرشح هو وزيرة خارجية أوباما السابقة.
في خطاب لها أمام مجلس العلاقات الخارجية في تشرين الثاني (نوفمبر)، قالت هيلاري كلينتون إن الولايات المتحدة تحتاج إلى شن كل من “حرب فورية ضد عدو طارئ”، و”صراع على مدى أجيال ضد إيديولوجية ذات جذور عميقة”.
وأضافت كلينتون: “سوف يتطلب ذلك التزاماً مستداماً من كل ركن من أركان القوة الأميركية. إنه قتال على امتداد رقعة العالم. ويجب على أميركا أن تقوده”.
وكان هناك المزيد، حيث قالت كلينتون أيضاً: “يجب أن نكون صادقين إزاء حقيقة أننا حتى ننجح، فإن الضربات الجوية يجب أن تترافق مع وجود قوات برية تستعيد فعلياً مزيداً من الأرض من مجموعة الدولة الإسلامية”. واستشهدت كلينتون بالصحوة السنية في العراق في العام 2007 كنموذج ناجح، وقالت: “إننا نحتاج إلى إرساء الأسس لقيام صحوة سنية ثانية”. ودعت إلى إقامة منطقة حظر للطيران في سورية، وهو الأمر الذي عارضه أوباما بثبات.
ربما يكون الأمر الأكثر كشفاً هو وعدها بإعادة إلزام الولايات المتحدة بنوع الانخراط المستدام والقائم على المبادئ، وهو الأمر الذي كان أوباما قد أكده (على الرغم من أنها لم تقل ذلك)، والذي سيرفضه كروز وترامب حتماً، بمزيجهما الغريب من المشاكسة والانعزالية.
وقالت كلينتون: “علينا أن ننضم إلى شركائنا في القيام بالعمل الصبور والمستمر من أجل تمكين المعتدلين وتهميش المتطرفين؛ ودعم المؤسسات الديمقراطية وحكم القانون؛ وخلق تنمية اقتصادية تدعم الاستقرار؛ والعمل على استئصال الفساد؛ والمساعدة على تدريب أجهزة فعالة ومسؤولة لإنفاذ القانون، والاستخبارات ومكافحة الإرهاب”.
لن يكون الحفاظ على وجهات النظر هذه أمراً يسيراً في حملة رئاسية. ويفضل الناخبون، على نحو مفهوم، أن يقال لهم إن البلد يمكن أن يركز -كما قال لهم أوباما- على “بناء الأمة هنا في الوطن”.
بل إن من الأكثر جاذبية ترويج الاعتقاد بأن بالإمكان جعلنا آمنين بالقضاء على الأشرار كما لو في إحدى ألعاب الفيديو.
لا يبيع كل جمهوري زيت الثعابين الذي لدى كروز-ترامب. لكن تحدي كلينتون السياسي صعب بشكل خاص، بما أن عليها النأي بنفسها عن سجل كانت قد ساعدت على تكوينه -وأن تفعل ذلك من دون تنفير المؤيدين الأشد حماسة لرئيس كانت قد عملت معه. ويجسد تنصلها غير المقنع من صفقة تجارة المحيط الهادي، والتي كانت قد ساعدت بنفسها على تصميمها، حجم الضغوط. كما أن السياسات التي تروج لها كلينتون ليست سهلة، كما يشير النقاد -محقين. فليست هناك وصفة جاهزة لدعم المؤسسات الديمقراطية، والتي يمكن أن تعمل دائماً.
لكن كلينتون تبدو غير ميالة إلى تقديم تنازلات حول القضايا المتعلقة بالقيادة الأميركية، على الرغم من الضغط الذي تمارسه الدوائر الانتخابية حمائمية الطابع في الانتخابات التمهيدية. وربما يعكس ذلك عملية حسابية للشيء الذي يمكن تسويقه أفضل ما يكون في الانتخابات العامة، لكنه يبدو أنه يعكس أيضاً تلك المبادئ الأساسية -المبادئ كانت كلينتون قد دافعت عنها، بغير نجاح أحياناً، كوزيرة للخارجية، والمبادئ التي سوف تحكم على أساسها بشكل شبه مؤكد كرئيسة للبلاد.
لكن وجهات نظر كلينتون أضافت إليها فضيلة كون المرء على حق. فالآن، يستطيع الأميركيون رؤية أن سياسة أوباما الخاصة بفك الارتباط السابق لأوانه لم تعمل في ليبيا والعراق وسورية، أو أفغانستان. فهل سيتأملون أيضاً بديل كروز الزائف؟ هذا واحد من الأسئلة الرئيسية التي سوف تتعين الإجابة عنها في العام 2016.