on
Archived: د. حبيب حداد: القضية السورية بين الحل السياسي والحل العسكري (2-3)
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
كما اسلفنا تباينت مواقف أطراف المعارضات االسورية من الحل السياسي الدولي المطروح وفقا لوثيقة جنيف1 ومخرجات مؤتمري فيينا وقرار مجلس الأمن 2254 , وترجع أسباب هذا التباين في رأينا الى سوء الفهم من جهة والى المزايدة المتعمدة من جهة أخرى . من وجهة نظر موضوعية وكما تعلمنا دروس التاريخ القريب والبعيد وخاصة في هذه المرحلة بالذات التي انتقلت فيها معظم دول القارات الثلاث الى انظمة ديمقراطية حديثة , ليست هناك حلول عسكرية تكفل تحول تلك المجتمعات الى الحياة الديمقراطية السليمة ,اذ أن الأعمال العسكرية في هذه الحالة اما أن تتحول الى حروب اهلية ممزقة لتلك المجتمعات نتيجة هيمنة واحياء هوياتها وروابطها ما قبل الوطنية ,واما أن تنتهي بتحقيق الغلبة وممارسة القهرمن قبل أقسام ومكونات من هذا الشعب على اقسام ومكونات أخرى وتكون الحصيلة ضياع وحدة تلك المجتمعات وتجزؤ كياناتها وتهديد مصائرها ,ولعل ما نشهده الآن في عدد من الدول العربية كالعراق وليبيا واليمن…خير دليل على ذلك .
قبل ان تستكمل الثورة السورية عامها الأول كان واضحا لكل من يملك الحد الأدنى من الوعي وسداد البصيرة وفي ضوء المخاطر والتحديات التي واجهتها أن ليس هناك من حل عسكري يضمن وصول الحراك الشعبي الى شاطئ الأمان ,بل ان عملية التغيير والتحول الديمقراطي ينبغي لها ان تتواصل وتنجز اهدافها بالأسلوب الشعبي السلمي مهما كلف ذلك من تضحيات ,. واذا حتمت الظروف فيمكن ان يكون هناك عمل عسكري مناسب في خدمة الحل السياسي .عمل عسكري يتولاه العسكريون المنشقون عن الجيش النظامي ويكون تحت اشراف القيادة السياسية المسؤولة والمعبرة عن ارادة الشعب السوري . و من الملفت للنظر, وما يدعو الى المزيد من الإستغراب والحذر ان العديد من المعارضين السوريين , ومن الذين شاركوا في مؤتمر الرياض الأخير ما زالوا يواصلون اطلاق تصريحاتهم غير المسؤولة من خلال وسائل الأعلام المكرسة لنشاطاتهم , بأن الأمل في نجاح الحل السياسي المطروح لا يتجاوز عندهم نسبة الخمسة او العشرة بالمئة ,وان مواقفهم الحالية في المراهنة على امكانية محدودة للحل السياسي التفاوضي انما تعود الى المأزق الحالي الذي تواجهه المجموعات المسلحة على الأرض بسبب عدم تزويدها بالعتاد الكافي في حربها المفتوحة على النظام وحلفائه ,بل وعلى المجتمع كله , وبخاصة بعد التدخل الروسي المباشر الذي احدث خللا واضحا في ميزان القوى على الأرض ؟؟؟ هذا هو موقف طيف واسع من معارضاتنا وهذه هي حقيقة مواقفها من مسؤلية الانقاذ الوطني ومن واجبها في اعادة الثقة الى شعبنا في ضرورة انهاء محنته المتواصلة وحتمية انتصار ارادته في بناء المستقبل الأفضل .
ان اشكالية الصراع بين جدوى الحل السياسي أو الحل العسكري في تحقيق مطالب شعبنا المشروعة انما تدعونا هنا الى الافادة من دروس وعبرالماضي وذلك باسترجاع التجارب التي مر بها في منعطفات مصيرية في تاريخه القريب . فمن المعروف انه في اعقاب حرب وهزيمة الخامس من حزيران عام 1967التي انتهت باحتلال سيناء والضفة الغربية والجولان ,اتخذ مجلس الأمن الدولي قراره الشهير رقم 242 والذي نص في احدى فقراته على عدم جواز احتلال الأرض بالقوة كما نص في فقرة اخرى على انسحاب اسرائيل من اراض احتلتها . ,رفضنا نحن في سورية هذا القرار مباشرة وقبلته مصر والأردن . وبغض النظر عن طبيعة اطراف الصراع في تلك الحرب وعدم تشبيهها او ربطها بما نواجهه في وقتنا الحاضر, فان مانقصد اليه اساسا هو الحكم على جدوى الأسلوب الذي واجهنا به متطلبات تلك المرحلة من قبيل التقييم الموضوعي لتلك التطورات ونتائجها ,والمواقف والممارسات التي اتخذت حيالها . لقد رفضنا بقوة قرار مجلس الأمن هذا لأنه يعالج قضية فلسطين كقضية حقوق لاجئين ليس الا , كما اعلنا رفضنا له لأنه يطرح الحل السياسي سبيلا لتحرير ما احتل من اراض تخص البلدان الثلاثة .وكنا في سورية وبدافع من حماس وطني لا شك فيه نكرر في كل مناسبة ان الحل السياسي يعتبر تواطؤا دوليا على حقوقنا وان السبيل الوحيد لاسترجاع تلك الحقوق هو الكفاح المسلح ,اما العمل السياسي والدببلوماسي على الصعيد الدولي فهو كما كنا نراه تمييع لقضيتنا العادلة واهدار لحقوقنا المشروعة . وقف الاتحاد السوفيتي أنذاك, وهو الصديق المخلص للشعوب العربية , بكل قوة الى جانب مصر وسورية وامدهما بالإمكانات والخبرات اللازمة لاستعادة قدراتهما العسكرية .
اذكر في هذا المجال وتأكيدا لما كنا نعلقه على اهمية تمتين العلاقة بيننا أن القيادة السوفييتية آنذاك اعتمدت شخصيتين مميزتين كسفيرين لها في مصر وسورية حيث عين السيد فينو غرادوف عضو اللحنة المركية للحزب الشيوعي السوفييتي سفيرا في مصر كما عين السيد نور الدين محي الدينوف سفيرا في سورية . كان السيد محي الدينوف عضوا في اللجنة المركزية للحزب آنذاك ,كما كانت هذه الشخصية البارزة عضوا في المكتب السياسي للحزب زمن خروتشوف لكنه ونتيجة عارض صحي اصابه طلب اعفاءه من عضوية المكتب السياسي واكتفى بعضوية اللجنة المركزية . ما نقصده من هذا الكلام هو اظهار متانة العلاقة ونوعية الصداقة التي ربطت بيننا وبين الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة من خلال ابرازأهمية ووزن هذا الرجل الذي كان على ما أذكر يتصل بخط مباشر مع قيادته , اذ لايقتصر الأمر على غروميكو وزير الخارجية آنذاك, وانما مع نيكولاي بودغورني رئيس الدولة واليكسي كوسيغين رئيس مجلس الوزراء و حتى مع ليونيد بريجنيف الأمين العام للحزب ومن ثم رئيس الدولة ,اذا اقتضى الأمر.
كان محي الدينوف اضافة لمهمته الرسمية شخصية محببة وصديقا محترما لمعظم أعضاء القيادة السياسية , واذكر أنني شخصيا قد امضيت الساعات الطوال معه في الحديث عن نجاعة وجدوى كل من الحلول السياسية اوالعسكرية في استرداد كرامتنا وتحرير ارضنا المغتصبة. وكنا متفقين في الرأي على ان الموافقة على قرار مجلس الأمن المطروح لايعني ان اسرائيل ستنصاع وتلتزم بتنفيذ هذا القرار . لأن القبول بمبدأ الحل السياسي وفق قرارات الشرعية الدولية يعني ويتطلب الدخول في حرب حقيقية ,حرب من نوع آخر تقوم على تنفيذ استراتيجية كفاحية شاملة تستهدف تصليب الوحدة الوطنية قبل اي شيئ أخر, والعمل الجاد في الوقت نفسه على الإعداد الشامل لكل جوانب المجتمع :الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية والعسكرية والدبلوماسية , الاعداد المقتدر المطلوب, .
هذا ما سارت عليه قيادة عبد الناصر في مصر وهذا ما بدأنا قطع خطوات هامة في طريق انجازه في سورية . لكن الظروف الذاتية والخارجية التي واجهت هذين النظامين التقدميين وهاتين التجربتين اللتين قادتهما البورجوازية الوطنية والصغيرة كما يرى سمير امين واللتين من وجهة نظره كانتا تمثلان ذروة صعود التيار العربي التحرري حتى نهاية الستينات , قد أدت الى اجهاضهما بفعل ارتداد الأجنحة اليمينية داخلهما وهذا ما حدث في مصر بعد رحيل عبد الناصر وانقلاب السادات على كل ميراثه . وهذا عينه ماحدث في سورية بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد وارتداده على سياسات النظام الوطنية الذي كان جزءا منه , وعلى مبادئ وقيم الحزب الذي ظل يرفع رايته وشعاراته ويرتكب باسمها الانحرافات والجرائم التي قادت سورية الى الأوضاع المأساوية التي هي عليها الآن.
يتبع
اقرأ:
د. حبيب حداد: القضية السورية بين الحل السياسي والحل العسكري (1-3)