Archived: سلام كواكبي: الروس (يتدربون) على الأهداف السورية

سلام كواكبي: هنا صوتك

تناقلت الوكالات الإعلامية تصريحاً للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يمكن اعتبار أنه يدخل في إطار “الحرب النفسية”. وفي معرض تبريره للمصاريف العالية التي تنفقها الدولة الروسية على عملية تدخلها العسكري في سوريا، فقد اشار إلى أن ما تقوم به قواته ليس إلا إتاحة فرصة تدريبية على أسلحة جديدة وتكتيكات مستحدثة في الحرب.

وقد عزّز خبراؤه العسكريون هذا التصريح باستعراض عديد من التقنيات الحديثة المستخدمة في الحرب في سوريا من أسلحة يجري التحكم بها عن بعد أو قنابل ذكية مُحكمة الإصابة أو وسائل اختراق للشبكات التي يستخدمها الطرف الآخر في التواصل وفي الاتصال.

في المقابل، يحلو لبعض السوريين أن يتندروا، مع شرائط مصورة للتأكيد، بالمستوى الضعيف جداً لهذه التقنيات المُدّعاة، معززين حكمهم هذا بالأخطاء العديدة التي نجمت عن قصف وحدات موالية من قبل الطيران الروسي أو مستعرضين أيضاً عدد الضحايا المدنيين الذين أصيبوا في مواقع بعيدة جداً عن أي هدفٍ عسكريٍ محتمل.

بين الافتخار “البوتيني” المصطنع والتسفيه المُقابل المبالغ به، هناك حقيقة تكمن في التفاصيل. فمن البديهي أن يكون للسلاح الفتّاك المستخدم روسياً دقة يُعتدّ بها، وذلك يعود إلى خبرة في القتل وفي القتال تمتد لعشرات السنين. وليس لمؤسسة الفساد المتجّذرة روسياً ولا للأوليغارشيا المافيوية القائمة على مفاصل الدولة، أية مصلحة في أن يتراجع مستوى “أداء” السلاح الروسي الذي يُعتبر من أهم سلع التصدير الجالب للدخل لموسكو. فإن كان يمكن للفساد أن يتلاعب بالأرقام وبالنوعيات وبالأحجام ليُعزّز من مداخيله وعائداته أفقياً وشاقولياً، لكنه لا ينفك يحرص على أن يكون مستوى الأداء في القتل وفي التخريب فعّالاً، وذلك في ظلّ منافسة حامية الوطيس في الأسواق الدولية بين مصنّعي ومصدري السلاح الفتاك والفعّال شرقاً وغرباً.

موسكو لا “تلعب” في هذا المجال، بل تتلاعب. فهي عندما “تُخطئ” أهدافاً داعشية لتُصيب أهدافاً للمعارضة المعتدلة أو أهدافاً مدنية، وهو غالب نتاج أدائها  حتى الآن، فهي تفعل ذلك عن سابق إصرار وترصد. وهي تسعى، رغم أن الغرب والبعض من العرب لا يريد أن يُصدّق، بأن تصل إلى مرحلة تحتوي خلالها الخريطة السورية قطبين أساسيين منفردين باستخدام آلة الموت يكون الاختيار فيما بينهما ليس صعباً على الغرب والبعض من العرب : النظام و داعش.

وفي هذا الإطار “المدروس”، جاءت تصفية زهران علوش، قائد “جيش الإسلام”، الموقّع على اتفاقية الرياض، التي سعى إليها نظرياً جزءٌ لا بأس به من “المجتمع الدولي” المعني بالمقتلة السورية، والعضو في الهيئة العليا التفاوضية التي انبثقت عنها، كرسالة واضحة إلى من يهمه الأمر. كما أن نقل المئات من مسلحي التنظيم الإرهابي “داعش” من محيط دمشق بسلام وأمان، مع أسلحتهم الفردية، إلى معقل التنظيم في الرقة، يمكن اعتباره أيضا رسالة جليّة لا تحتاج لعباقرة في فك طلاسمها.

بالمقابل، يبدو أن من يهمهم الأمر، جمعأ أو فرادا، بإرادتهم أو بدونها، مساهمون في تنفيذ هذه الخطة التي تتوضّح معالمها تباعاً، والتي بالتالي، إن تحققت، ستُسهّل من اجتراع الحلول التوافقية. فقرار مجلس الأمن الدولي الأخير 2254، جاء مطابقاً للإرادة الروسية في فرض “السلام” الروسي عسكرياً ودبلوماسياً. وحمل القرار من اللف والدوران والإبهام ما يجعله بلا طعم وبلا رائحة. لكن الإجماع الإقليمي والدولي دعم هذا الحلم المنظّم. وككل القرارات التي لا يُراد منها حلّ القضايا إلا جزئياً، حملت عباراته المعنى ونقيضه. وتركت لبراعة الدبلوماسية الاجتهاد في التفسيرات المتعارضة التي بدأت فور إعلانه.

موسكو تسعى إذاً بكل وضوح إلى هدف شديد الجلاء. من لا يرغب برؤية هذا الهدف والتعرّف عليه سورياً وعربياً وغربياً، هو المسؤول، وليس الروس، صريحو الالتزام بتنفيذ ما يهدفون إليه. إن العودة إلى نقطة الصفر في ادعاءات النظام السوري في أنه لا يحارب إلا الإرهاب، ستتحقق إن تحقق الهدف الروسي بمساعدةٍ أو تغاضٍ دوليين.

هذا وفي موازاة تنفيذ المخطط الروسي بعناية كاملة وراحة نسبية، بدأت صفوف المعارضة، التي توحّدت رمزياً في الرياض، بالتفكك نتيجة الضربات الروسية الموجعة ونتيجة الرؤوس الحامية لدى هذا الطرف أو ذاك. حتى أن التخبط السياسي قد وصل بأحد المشاركين في هيئة التفاوض إلى جانب “جيش الإسلام”، إلى التنديد بالنعي الذي صدر عن رئيس هذه الهيئة غداة اغتيال قائد هذا الجيش.