Archived: نورالدين رضائي: طاجيكستان.. تحت عباءة دكتاتور

نورالدين رضائي: كلنا شركاء

إمام علي رحمانوف، اسمٌ قد يبدو للوهلة الأولى في أذهان الناس بأنه ملكا أو نبيا نزل من السماء لنجاة العباد وهدايتهم من الظلمات إلى النور، من العبودية إلى الحرية، من الظلم إلى العدالة، من اليأس إلى الأمل.

فليس الماء كالسراب وليس كل ما يلمع ذهبا وليس كل الكلام الجميل صادقا، لذلك لا تخدعوا بالمظاهر ولا بالأسماء والألقاب!!

في هذا المقال نحاول كشف الستار عن طاغية طاجيكستان والتي ربما يجهل عنه الكثيرون وسنلقي لمحة سريعة في سيرته وكيفية وصوله إلى سدة الحكم التي سيأخذها التاريخ إلى مزبلته ونستعرض بما قام به من “إنجازات” خلال حكمه طيلة الأربعة والعشرون سنة الماضية.

فكما ظهر في العالم العربي صدفةً بأن يكون مدمر ليبيا معمرها وجبان سوريا أسدها وقبيح تونس زينها ومفسد اليمن صالحها وملعون مصر مباركها كذلك ظهر لدينا من الصدفة بأن يكون قاس وجائر طاجيكستان “رحمانها”.

فآخر ما توصل إليه الديكتاتور الطاجيكي من اختراع في ثقافة عبادة الشخصية والتي ربما تسجله موسوعة غينيس للأرقام القياسية بأنه لقب نفسه “بقائد الأمة” حيث يضمن هذا اللقب الفخري حصانة قانونية مؤبدة له ولعائلته ومكانة رفيعة وصلاحية واسعة بعد انتهاء مدته الرئاسية ويتيح إقامة متحف ومكتبة مخصصان لتراثه.

الوصول إلى السلطة:

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الكتلة الشيوعية أمام الكتلة الرأسمالية في العالم أصبحت افكار هذه المدرسة غير قابلة للتنفيذ أو التطبيق، وتيقن القادة الشيوعيون بأن مبادئ الماركسية لم تعد تواكب متطلبات الشعوب في العصور الحديثة، وبحكمة من الخالق أصبحوا في يوم وليلة “الديمقراطيين الجدد”.

ومن بين هذه القادة المتحولون الرئيس الطاجيكي الحالي إمام علي رحمانوف (أحد زعماء الحزب الشيوعي سابقا) ممن ولدوا من رحم الشيوعية وتربوا وترعرعوا في أكنافه والذين كانوا يحاربون جميع الأديان حيث كانت شعارهم نؤمن بثلاث: ماركس ولينين وستالين ونكفر بثلاثة: الله، الدين، الملكيَّة الخاصَّة.

وهكذا مع تغير الظروف تغير الحال والأحوال وكما تتغير الأجواء تغير هذا الرجل وخلع ملابسه اللينينية مجبرا بذلك وغيرهم بملابس شعبية وطنية ينادي بالديموقراطية بادئاً مرحلة جديدة في حياته ناسيا أو ناكرا لماضيه.

وقد سجل التاريخ بأن الرجل أتى على ظهر دبابات روسية وأوزبكية أطاحت بحكومة منبثقة من إرادة شعبية بعد مظاهرات عديدة مناهضة للشيوعية شهدتها البلاد بعد الاستقلال، الأمر الذي كان من شأنه أن يخل بالتوازن الجيوسياسي في المنطقة حيث سارعت دول الجوار بدعم بقايا الشيوعيين وأدخلوا البلاد في اتون حرب أهلية دامت 5 سنوات أسفرت عن قتل ما يربو على 100 ألف وتشريد مئات الآلاف، كل ذلك بحجة الحيلولة دون أسلمة البلاد وصعود العناصر الإسلامية إلى السلطة.

انتهت الحرب بعد أن سالت فيها دماء كثيرة، إلى أن توصل الطرفان (حزب النهضة الإسلامية و حكومة رحمانوف) إلى “اتفاقية المصالحة والوحدة الوطنية” عام 1997، ومنذ وصول رحمانوف إلى السلطة عام 1992 حاول جاهدا طمس الهوية الإسلامية لدى الشعب الطاجيكي (البالغ عددهم 8 ملايين نسمة 98% منهم مسلمون)، بحيث لم يستمر إخفاء أسراره وما يحمله من الكراهية للأديان في أعماقه طويلا، فبعد وقت قصير اشتد معاداته وحربه على الدين، وتطورت الحرب بصورة علانية على جميع المظاهر الإسلامية بعد أحداث سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، مستفيدا من ظهور فكرة “الحرب على الإرهاب” وانشغال العالم في هذا الموضوع.

ولعبت الحدود المشتركة بين أفغانستان و طاجيكستان (البالغ 1350 كيلو متر تقريبا) دورا مهما في دعم وتأييد أمريكا لرحمانوف في مجال مكافحة الإرهاب، حيث كانت الأمر مقتصرا على اهتمام روسيا قبل ذلك في مجال مكافحة المخدرات.

يمكن القول بأن فكرة “الحرب على الإرهاب” المزعومة كانت بمثابة جرعة انعاش لرحمانوف لإبقائه على قيد الحياة وتكريس سلطته، وقد استغل هذه الفرصة لمحاربة الأنشطة الإسلامية عموما وأنشطة حزب النهضة أكبر الأحزاب المعارضة خصوصا، إلى أن انتهى الأمر بحظر الحزب وإدراجه في قائمة المنظمات الإرهابية في سبتمبر عام 2015 بعد إتهام الحزب -الذي يعد معتدلا- بالوقوف وراء اضطرابات شهدتها البلاد والتي مازالت تفاصيلها غامضة بقيادة نائب وزير الدفاع كما تزعم الحكومة.

وبهذا يتم نقض اتفاقية المصالحة عمليا من قبل رحمانوف بعيدا عن الوفاء بمقتضياتها وتعهداته، وتم الكشف على أقنعتهم المزيفة التي لبسوها طيلة 15 سنة الماضية.

ومما لا شك فيه بأن هذه التجربة ستكون درسا جيدا وعبرة للجيل الجديد الصاعد ، ومن الملفت للنظر في الآونة الأخيرة يطالب هذا الجيل بالتغيير وأن الوثوق بنظام رحمانوف يعتبر مجرد ضحك على الذقون.

أهم “الإنجازات” خلال حكمه:

قبل الورود في تفاصيل هذه النقطة يجب التذكير بأن كل ما اقترفته أيدي رحمانوف ونظامه من ظلم وإجحاف واستبداد بحق الشعب الطاجيكي طوال السنوات الماضية وخاصة الإجراءات التعسفية وسياساته الانتقامية لمعارضيه التي قام بها بالإضافة إلى الأعمال القمعية المخالفة للقانون والأخلاق والدين ترجع إلى الأسباب التالية:

أولا: معرفة الشعب بطبيعة النظام الدموي وتحملهم كل أنواع المضايقات تجنباً للحروب وإراقة الدماء من جديد.

ثانيا: ضعف الاتصال الإعلامي وانقطاع طاجيكستان عن العالم الخارجي.

ثالثا: الدعم الخارجي اللامحدود وتغميض العيون وسكوت المجتمع الدولي.

وفيما يلي النتائج المترتبة على ما تم ذكره آنفا ونخص هنا بالذكر حربه على الإسلام:

1- قرار الحكومة منعت بموجبه ارتداء الحجاب في الأماكن العامة والمدارس والجامعات والدوائر الحكومية، وعلى إثرها ابتلعت طالبة صغيرة إبرة (دبوس) حجابها خوفا من معلمتها، فضلا عن فصل العديد من طالبات الجامعات.

2- إصدار قرار بحظر إطلاق اللحى للرجال ممن هم دون سن الخمسين كما فرضت قيودًا على من كان فوق الخمسين بألا تتجاوز لحاهم 3سم، وعلى إثر هذا القرار تم مطاردة الشباب في الشوارع وحلق لحاهم من قبل الشرطة، وقد تم سحل وضرب شاب حتى الموت بهذا السبب.

3- حظر التعليم الديني لمن هم دون الثامنة عشرة، وقد شهدت البلاد إثر ذلك إعتقالات واسعة.

4- منع الوالدين من تدريس أولادهم شيئا من القرآن، ومن يفعل ذلك يتعرض للتغريم (قانون مسؤولية الوالدين).

5- إصدار قانون حظر الصلاة في المساجد لمن هم دون الثامنة عشرة وتشمل ذلك الكنائس وغيرها من دور العبادة.

6- تحديد أماكن محددة لإقامة الصلاة والتي لا يمكن تجاوزها.

7- منع أداء الصلاة أثناء فترة العمل.

8- إعادة الطلاب الذين يدرسون العلوم الدينية خارج طاجيكستان، في باكستان، إيران (الجامعات والمدارس السنية) جمهورية مصر العربية، وبعض طلبة الجامعات في المملكة العربية السعودية، وجاءت هذه التحركات عقب تأكيد الرئيس الطاجيكي رحمانوف على خطورة تلقي الطلاب للعلوم الشرعية مدعيا بأن الطلبة سيرجعون “إرهابيين” من تلك البلدان.

9- منع ترشيح امرأة محجبة للانتخابات.

10- إصدار قانون حظر الأسماء العربية والإسلامية على المواليد الجدد.

11- منْع استيراد وبيع الملابس التي لا تتصل بالحضارة الطاجيكية، وخاصةً الملابس التي ترتديها المسلمات، حيث صرح رحمانوف في هذا الخصوص بأنه يشعر بالقلق إزاء العدد المتزايد من النساء اللاتي يَظهرنَ على الملأ بالزي الأسود الإسلامي.

12- قرار منْع كل مَن هو أقل من 35 عامًا من الذهاب لأداء فريضة الحج.

13- سن قانون “حرية الضمير والمؤسسات الدينية” كانت نتيجته إغلاق عشرات المساجد في البلاد بحجة عدم تسجيلها لدى الجهات الحكومية المختصة وأشهرها مسجد “المحمدية” التابع للداعية المشهور نورالدين جان بالإضافة إلى مسجد تابع لحزب النهضة الإسلامية.

14- اصدار السلطات أوامر بعدم استخدام المكبرات الخارجية بالمساجد لرفع الأذان؛ معللين ذلك بأن أصوات الأذان عبر المكبرات الخارجية قد تتسبب في حدوث اضطرابات والإضرار بالهدوء.

15- منع جميع أنشطة الحركات الإسلامية في طاجيكستان من “السلفية” و “حزب التحرير” و “جماعة التبليغ” وغيرهم…وزج العديد من أنصار هذه الحركات في السجون.

16- إصدار قرار يأمر بمنع تداول ونشر 13 كتاب إسلامي سبق أن ترجم إلى اللغة الطاجيكية من بينهم مؤلفات؛ الإمام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبدالوهاب، والشيخ بن باز، والشيخ ابن العثيمين، والشيخ صالح آل الشيخ، والشيخ الألباني (رحمهم الله).

الخلاصة:

لم يتفاجئ العالم عندما قام رئيس جامبيا يحيى جامع بإعلان بلاده رسميا جمهورية إسلامية نهاية العام الماضي، والذي يحكم بلاده منذ 22 عاما بقبضة من حديد، فقد يعلم المتابع الدوافع السياسية لذلك وأهما علاقاته المتدهورة مع الغرب في السنوات الأخيرة، ونستشهد لذلك تعليق  سيدي سانيه وهو وزير خارجية سابق وأصبح معارضا في المنفى بأن “جامع المتعطش لأموال التنمية بسبب سجله المؤسف فيما يتعلق بحقوق الإنسان وسوء الإدارة الاقتصادية يتطلع إلى العالم العربي كبديل وكمصدر لمساعدات التنمية”.

الوضع السياسي والاقتصادي للرئيس الطاجيكي رحمانوف لا يختلف كثيرا عن نظيرته الجامبي، فسجلهما السيئ ضد حقوق الإنسان معروف لدى المنظمات الدولية، والفساد في الدوائر الحكومية، ولهذا علق الاتحاد الأوروبي بعض أموال المساعدات لطاجيكستان العام الماضي بسبب سوء سجلها في مجال حقوق الإنسان، وتحتل طاجيكستان المركز 133 من بين 187 دولة في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية.

 كل هذا واقتصاد طاجيكستان مرتبط بروسيا حيث يعمل أكثر من مليون طاجيكي في روسيا، وتعتبر روسيا- الحليف الأساسي للنظام الطاجيكي-  المنهار اقتصاديا بالأساس بسبب العقوبات الغربية عليه بعد تدخله في الأزمة الأوكرانية هذا فضلا عن دخول روسيا المستنقع السوري والتي لها تكاليفها الباهظة، لذلك فلا عجب عندما يعلن السفير الطاجيكي لدى المملكة العربية السعودية بأن بلاده ستدرس اقتراح السعودية الخاص بالانضمام إلى التحالف الإسلامي، ولا نتفاجئ إذا يخرج رحمانوف علينا معلنا رسميا بأن طاجيكستان جمهورية إسلامية ويعلن نفسه خليفة للمسلمين.

والسؤال المطروح للسفير كيف ستقومون بالانضمام؟ وماذا تملكون أصلا لكي تنضموا؟

البلاد في أزمة اقتصادية وشيكة قابلة للانفجار في أي وقت، ولقد بدأ رحمانوف بالعمل على خياراته البديلة للحيلولة دون إفلاس نظامه، كتحويل مساره إلى الدول العربية وبالأخص دول الخليج.

فقد بدأ بالفعل أركان نظامه برحلات مكوكية إلى تلك الدول في الأيام القليلة المنصرمة، ويقوم هو بزيارة السعودية ومقابلة الملك سلمان بن عبد العزيز الان خلال كتابة هذه السطور.

لمن لم يتعامل مع النظام الطاجيكي قبل ذلك فيمكنه الاستعانة والإستشارة من دولة قطر الشقيقة، فلديهم تجربة مريرة مع الحكومة الطاجيكية في تمويل لبناء أكبر مسجد في آسيا الوسطى والتي بدأت مشروعه عام 2009 وكان من المقرر أن يتم الإنتهاء منه عام 2014، ولكنه مازال مجهول المصير.

ما سيترتب من نتائج لهذه الرحلات، وإلى أي مدى سيحقق رحمانوف طموحاته الماكرة لحفظ ما تبقى من ملكه وما سيتخذه قادة الدول الخليجية من قرارات، هذا ما سنشهده في الأيام القادمة.