Archived: رزق العبي: في مثل هذا اليوم سقطت غرناطة

رزق العبي: كلنا شركاء

في مثل هذا اليوم من عام 1492م سقطت مدينة غرناطة والتي تعتبر آخر الممالك الإسلامية في الأندلس, سقطت بيد الاسبان، وجاء سقوطها نتيجة سقوط كافة الممالك الإسلامية خلال ما يقارب 200 عام، والسبب الرئيسي لذلك هو حالة الانقسام والخلافات بين أمراء هذه الممالك، حتى وصل ببعض هؤلاء الأمراء أن تحالفوا مع أعداء المسلمين ضد ممالك إسلامية أخرى.

مَنْ سلم غرناطة للاسبان؟

كان آخر ملك لغرناطة هو “أبو عبد الله الثاني عشر” الملقب بـأبي عبد الله الصغير، الذي اضطر للاستسلام في مواجهة الملك الإسباني “فرناندو” وتسليم غرناطة له سلمًا، بعد حصار طويل للمدينة وجوع أهلها وتهدم غالبية  قلاعها.

وكان أن احتفى العالم في عام 2011 بمدينة غرناطة الأندلسية الأثرية، الواقعة على بعد 267 ميلاً جنوب العاصمة الإسبانية مدريد، بذكرى مرور ألف عام على تأسيسها كمدينة إسلامية، بعد أن اتخذت (حكومة الحكم الذاتي في الأندلس, قرارًا بجعل هذه المناسبة فرصة لإحياء العلاقات العربية الإسلامية – الأوربية، واعتبار هذه الاحتفالية جسرًا للتواصل الحضاري بين المسلمين والعالم الغربي، وذلك قبل أربع سنوات من حلول ذكرى ألفية المدينة.

وشكّل هذا القرار ببعده السياسي والثقافي منعطفًا حقيقيًا في تاريخ غرناطة وإسبانيا بل وربما الغرب, لكونها تجعل من الحضارة العربية الإسلامية انطلاقتها التاريخية.

ألف عام إذًن مرَّ على ظهور وبزوغ هذه المدينة الفيحاء كحاضرة من الحواضر التاريخية، ومعقل من معاقل العلم والأدب والعمران والحضارة والازدهار في العصر الوسيط.

ووفقًا للمصادر التاريخية فإن مدينة غرناطة  من المدن العريقة في القدم، ويرجع تاريخها إلى ما قبل التقويم الميلادي، وتعاقبت عليها حضارات قديمة متعددة على امتداد التاريخ.

إلا أنّ المؤرخين الثقة يؤكّدون أنّها اكتسبت شخصيتها التاريخية، والحضارية الحقيقية الأصيلة منذ سنة 1013م خاصّة مع مملكة “بني زيري”، كما أنّها عرفت مرحلة أخرى من التأّلق والإشعاع والازدهار مع “بني الأحمر” بدءًا من عام 1238م، حيث طفق الإشعاع الحضاري للمدينة ينتشر في العالم أجمع.

يعدّ “قصر الحمراء” في غرناطة  معلمًا حضاريًا طبّقت شهرتها الآفاق، وهو منذ عام 1984 مدرج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونسكو” ويعدُّ أيضًا واحدًا من أروع القصور في تاريخ العمارة الإسلامية، ومن أعظم وأروع الآثار الأندلسية الباقية، كما أنه يعتبر من أبدع الآثار الإسلامية حتى اليوم بما حواه من بدائع الصنع والفن، وزيّن صنّاع غرناطة المهرة القصر بأبدع نماذج لا تستطيع البشرية الإتيان بمثله.

ويعود تاريخ بناء القصر إلى فترة حكم “بني الأحمر” بغرناطة (القرن الرابع الهجري – العاشر الميلادي)، حيث أخذوا يبحثون عن مكان مناسب يوفر لهم القوة والمنعة، فاستقر بهم المطاف عند موقع “الحمراء” في الشمال الشرقي من غرناطة، وفي هذا المكان المرتفع وُضع أساس حصنهم الجديد “قصبة الحمراء”، واتخذ “بني الأحمر” من هذا القصر مركزًا لملكهم، وأنشأوا فيه عددًا من الأبراج المنيعة، وأقاموا سورًا ضخمًا يمتد حتى مستوى الهضبة. ومن المرجح أن سبب تسمية “الحمراء” هو لون حجارتها الضارب للحمرة، و”الحمراء” عبارة عن مجموعة أبنية محاطة بأسوار تقع على ربوة عالية تسمى “السبيكة”، في الجانب الشمالي الشرقي من مدينة غرناطة.

كيف سقطت غرناطة؟

كان مقتل موسى بن أبي غسان وتسليم أبو عبد الله محمد الثاني عشر غرناطة إيذانًا بانتهاء عصر الدولة الإسلامية في غرناطة. أعطى أبو عبد الله محمد الثاني عشر أو محمد الصغير الموافقة بالتسليم للملكين فرناندو الخامس وإيزابيلا، ولم ينسَ أن يرسل إليهما بعضًا من الهدايا الخاصة وبعد التسليم بأيام يدخل الملكان في خيلاء قصر الحمراء الكبير ومعهما الرهبان، وفي أول عمل رسمي يقومون بتعليق صليب فضي كبير فوق برج القصر الأعلى، ويُعلن من فوق هذا البرج أن غرناطة أصبحت تابعة للملكين الكاثوليكيين وأن حكم المسلمين قد انتهى من بلاد الأندلس.

خروج آخر ملوك المسلمين من الأندلس

وفي نكسة كبيرة وفي ظلِّ الذل والصغار يخرج أبو عبد الله محمد بن الأحمر الصغير آخر ملوك المسلمين في غرناطة من القصر الملكي، ويسير بعيدًا في اتجاه بلدة أندرش حتى وصل إلى ربوة عالية تُطل على قصر الحمراء يتطلع منها إليه، وإلى ذاك المجد الذي قد ولَّى، وبحزن وأسى قد تبدَّى عليه لم يستطع فيه الصغير أن يتمالك نفسه، انطلق يبكي حتى بللت دموعه لحيته، حتى قالت له أمه «عائشة الحرة»: أجل؛ فلتبك كالنساء مُلْكًا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال.

وإلى هذه اللحظة ما زال هذا التل -الذي وقف عليه أبو عبد الله محمد الصغير- موجودًا في إسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه، يتأمَّلون موضع هذا المَلِك الذي أضاع مُلكًا أسسه الأجداد، ويُعرف (هذا التل) بـ زفرة العربي الأخيرة، وهو بكاء أبي عبد الله محمد الصغير حين ترك ملكه, وقد تم ذلك في الثاني من شهر ربيع الأول، سنة 897هـ= 2 من يناير سنة 1492م.

وقد هاجر بعدها أبو عبد الله محمد الصغير إلى بلاد المغرب ويذكر المقري أنه استقر بفاس، وبنى بها قصورًا على طراز الأندلس، وأن المقري نفسه قد تجوَّل في هذه القصور، ورأى ذريته في فاس سنة (1027م) يأخذون من أوقاف الفقراء والمساكين، ويعدون من جملة الشحاذين.

وما كان من أمر، فقد اندثرت حضارة ما عرفت أوربا مثلها من قبل؛ إنها حضارة الدنيا والدين، وقد انطوت صفحة عريضة خسر العالم أجمع بسببها الكثير والكثير، وقد ارتفع علم النصرانية فوق صرح الإسلام المغلوب، وأفل وإلى الآن نجم دولة الإسلام في بلاد الأندلس.

اقرأ:

رزق العبي: سورية غداً ابتسامة رغم الحرب