on
Archived: باسل العودات: هيئة التفاوض والسير مع التيار
باسل العودات: المدن
خرجت المعارضة السورية بعد مؤتمر الرياض بورقة تفاهمات وشروط لإنهاء الحرب ورفعت بموجبها المطالب والشروط إلى الحد الذي يُرضي جمهور الثورة، ووضعت عدة شروط للحل، أهمها عدم وجود أي دور للأسد أو رجالاته لا في المرحلة الانتقالية ولا بعدها، وكذلك ضرورة إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية، وسرعان ما أعلن مجلس الأمن بعد أيام بالإجماع عن قرار أممي لا يحوي شروط المعارضة الأساسية، وتجاهلها كلياً، وأدانت المعارضة ضعف القرار، لكنها بالنهاية سارت مع التيار وقبلت به كرغبة دولية شاملة للحل.
بعيد القرار الدولي صعّدت روسيا عملياتها العسكرية ضد المعارضة السورية المسلحة، واستهدفت بغارات جوية قائد جيش الإسلام المشارك في هيئة المفاوضات العليا، وشنت هجمات غير مسبوقة كماً ونوعاً على الجيش الحر في جنوب سورية المشارك بدوره بالهيئة، ورفعت من حدة خطابها السياسي المستهين بقدرة المعارضة على تشكيل وفد مُفاوض.
حاولت المعارضة السورية ممثلة بهيئة المفاوضات العليا الاحتجاج على التصعيد الروسي، وقالت إن الموقف الروسي يُعقّد الوضع بل إن الوقت غير مناسب للمفاوضات، واشترطت أن تتوقف العمليات العسكرية الروسية لبدئها، لكن أحداً لم يستمع لها، فسرعان ما أعلن المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا عن تحديد 25 كانون الثاني/ يناير موعداً لبدء المفاوضات.
رغم تجاهل المبعوث الأممي لاعتراضات المعارضة السورية وشروطها، قررت هيئة المفاوضات تجاوز اعتراضاتها وسارت مع الرغبة الدولية، وبدأ أعضاء الهيئة معركة تشكيل الوفد المفاوض، وقالوا إنهم لن يسمحوا لأحد بالتدخل بتركيبته أو باختيار شخوصه، وأنهم سيُعلنون خلال أيام التشكيلة التي ستكون ممثلاً وحيداً وشرعياً للسوريين في المفاوضات، لكن كل المؤشرات تؤكد على أنهم سيتجاوزون شرطهم هذا وسيسيرون مع تيار المبعوث الأممي الذي سيقرر شخوص الوفد المفاوض وحصص كل طرف، وسيزِن بميزان الذهب مصالح روسيا والولايات المتحدة وغيرهما، وسيُعلن عن وفد فيه من هذا الطرف وذاك.
تضغط روسيا لإشراك مجموعة من التيارات والشخصيات السورية المعارضة التي تُشكك هيئة المفاوضات بصدقية معارضة البعض منها، وتشتكي من ضبابية مواقف بعضها الآخر، وتتهم بعضاً منها بأنه أقرب للنظام منه للمعارضة، والبعض الآخر بأنه جزء من النظام، وأعلنت الهيئة أنها لن تسمح لروسيا بأن تضغط لفرض أي شخص بعيداً عن رغبتها، لكن في الواقع كل هذه التصنيفات لن تفيد مع روسيا، وما من شك بأن المعارضة التي لن تجد من يسند ظهرها ستتجاوز شروطها وستضطر للسير مع التيار الروسي الضاغط.
تتعامل روسيا مع المفاوضات وكأنها طرف رئيسي فيها، وتعتبر أنها بقوتها العسكرية (الطيارة) فوق سورية باتت حامي الحمى وصاحبة القرار الأول والأخير في سورية، وهي تريد ترتيب وتركيب الوفود المُفاوضة وفقاً لهواها، وتسعى لتطعيمه بشخوص تثق بهم، وهي تُفكّر اليوم بأن يكون وفد المعارضة متعدد الأطراف، أو أن يكون هناك أكثر من وفد يُمثل المعارضة في المفاوضات، وهناك قسم من المعارضة يرغب بهذا المقترح على أن تكون الوفود المشاركة متساوية، وأن يجري دي مستورا جولات مكوكية بين الغرف الثلاث، وإن تم ذلك فهذا يعني أن الهيئة العليا للمفاوضات باتت أقلية ولن تملك الثلث المُعطّل، ورغم هذا هناك قناعة على نطاق واسع بأنها ستقبل ذلك على مضض وستسير مع التيار، خاصة مع ورود مؤشرات على توافق روسي أمريكي حول ذلك.
الخشية أن تشارك هيئة المفاوضات في هذه الاجتماعات الطويلة المرتقبة، وأن يعجز شخوصها في فرض شروطهم، أو بالأصح شروط الثورة، وأن يضطروا للسير مع تيار الضغوط الدولية أو الإقليمية للموافقة على نتائج قاصرة عقيمة، نتائج تُضيّع حق نصف مليون ضحية، ومليون من المُعاقين، وأربعة أضعافهم من اللاجئين، وثمانية أضعافهم من النازحين. صحيح أن السياسة تحتاج لمرونة وقدرة على المناورة، وأن السياسي يجب أن يكون قادراً على الانحناء مع الريح القوية ليحقق هدفه دون أن ينكسر، وأن يسبح ضد التيار تارة ومعه تارة أخرى، لكن في حالة الحل السياسي السوري لا يصح هذا المنطق، فالثورة بتعريفها هي تمرد على الواقع المرير القاسي والظالم، تمرد سببه هدر الكرامة والخوف والرعب، وفي الغالب سيسمح السوريون من أهل الثورة لهيئة المفاوضات أن تفعل كل ما تريد لإنجاح المفاوضات إلا السير مع التيار ونسيان الحق والحرية والكرامة.