Archived: د. صالح درويش: مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا

د. صالح درويش: كلنا شركاء

قبل عقد من الزمن، عندما تم انتخاب انجيلا ميركل كمستشارة لألمانيا الاتحادية، تردد يومها صدى في قرارة نفسي، قائلا في رد فعل ذكوري: يظهر أن الألمان لم يبق لديهم “رجال” يختارونهم لمثل هذا المنصب الخطير، حتى يذهبوا إلى حد اختيار مثل هذه السيدة الوديعة لتشغله. منصب، طالما شغله رجال حديديون في تاريخ ألمانيا الحديثة، بدءا من بسمارك الذي صنع الوحدة الألمانية بالحديد والنار في نهاية القرن التاسع عشر، ومرورا بمجرم الحرب هتلر الذي تسبب في هزيمة ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

أما اليوم، عندما وقفت ميركل تدافع عن مبدأ استقبال اللاجئين الهاربين من الموت، والظلم، الحاصل في بلادهم، إلى ألمانيا، مطمئنة مواطنيها المترددين وقائلة لهم مشجعة: نحن لها. قالتها، كما قالها الحجاج يوم كان هناك رجال في الشام. عندها، عاد ذلك الصدى يتردد في اللاشعور عندي، قائلا هذه المرة: حقا لم يعد هناك “رجال” في ألمانيا…مثل ميركل!  مبديا بذلك، احترامي لهذه السيدة الشجاعة التي وقفت مؤخرا تذكر أعضاء حزبها في اجتماعهم السنوي، قائلة لهم هذه المرة: أنتم تنسون أن اسم حزبنا هو الاتحاد المسيحي الديمقراطي. أين انسانيتكم، أين الرحمة في قلوبكم؟  قالتها بنفس معنى ما هو وارد مثلها في الحديث الشريف: الراحمون يرحمهم الرحمن…

نعم، ألمانيا بلد حضاري وغني ،وعنده طاقة استيعابية كبيرة تفوق غيره من البلدان الأوروبية. لكن، تلك الطاقة تبقى محدودة في نهاية الأمر، لأسباب عدة لا مجال هنا لذكر سوى بعضها. على رأسها “نوعية المادة الخام” للبشر الذين يتدفقون على ألمانيا، هم وأولادهم، هربا من جحيم الوحشية المنفلتة من عقالها في بلد كان في يوم من الأيام وطنهم، إلى أن لم يعد كذلك عندما امتهنت الطغمة التي تحكمه كرامتهم، وقتلتهم، وشردتهم. في البدء، استقبلهم الألمان بترحاب تجاوز بمراحل ترحاب أبناء جلدتهم من بلاد العرب المحيطة ببلدهم سوريا، ناهيك عن تركيا التي تربطهم بها قواسم حضارية مشتركة.

في مرحلة تالية، لم تستغرق سوى أسابيع قليلة، سارعت السلطات الألمان بالتعامل مع ظاهرة الهجرة الوافدة إليهم اعتمادا على تجاربهم السابقة والغنية في هذا المجال، وعلى موروثهم كأبناء مجتمع صناعي متقدم يحاول أن يتعامل مع البشر والحجر، بتراتبية منطقية وخالية قدر الإمكان من العواطف، منعا من أن تنتشر الفوضى، ومن أن يسيطر الغث على السمين، ولأن تباشير انفلات في الأمر بدأت تظهر عندهم هنا وهناك، من اختناقات في تأمين أماكن سكن معقولة، وتليق ببشر، لاقوا الأمرين منذ مغادرتهم لوطنهم. خاصة، أن الشتاء بات على الأبواب، ناهيك عن التقصير الحادث لإيجاد أماكن عمل لجموع الشباب الوافدين الذين يشكلون غالبية اللاجئين، حتى لا يصبحوا عالة على أنفسهم، وعلى عائلاتهم، وعلى المجتمع نفسه الذي يستقبلهم، والملزم بموجب القانون بتقديم تعويضات مالية حد أدنى لهم، ولزملائهم العاطلين عن العمل من الألمان على حد سواء. من أجل ذلك، قامت السلطات الألمانية المختصة بإجراء دراسات، ومسوحات، للقادمين الجدد، بهدف استطلاع امكانية استيعاب، ودمج من طلب اللجوء منهم بقصد الإقامة الدائمة أو الطويلة في ألمانيا، وامكانية الاستفادة منهم في سوق العمل، كل بحسب كفاءته المهنية أو العلمية.

أقول قبل الاسترسال، بأن النتائج الأولية لعملية المسح التي ظهرت في بعض الصحف والدوريات الألمانية جاءت غير مشجعة. لكن، ليتأكد القارئ على أني لن أذكر هذه التفاصيل بهدف احباط مسعى آخرين للهجرة، أو لتحفيز من قدم منهم للعودة بأقرب فرصة. لن أبيعكم كلاما معسولا، ولن استخدم تعابير التشدق بشعارات الوطنية الفارغة التي أتخمونا بها طوال نصف قرن، وترديد ما يتكلم به النظام عن إعادة الاعمار، بل ومباشرته في لم الضرائب من أجل ذلك نفاقا، ومن أنه في حاجة لجهود الشباب لإعادة إعمار ما خربه النظام بنفسه، بينما هو ما زال مسترسلا في قتل البشر، وإرسال ما تبقى من الشباب إلى المحرقة، وتدمير ما لم يدمر بعد من بلدنا الحزين، ونهب ما لم ينهبه حتى الآن.

انطلقت الاستطلاعات الألمانية من نتائج دراسة صادرة عام 2011، أي عن فترة ما قبل الثورة، أجرتها المنظمة العالمية للتعاون الاقتصادي والتنمية، ضمن البرنامج الدولي لتقييم المستوى التعليمي للطلبة في العالم. يقول التقرير، أن 65% من التلاميذ والطلاب في سوريا لم تكن تتوفر لديهم ما تدعوه المنظمة بالمهارات الأساسية، مقابل نسبة 16% لدى زملائهم الألمان. ماذا يعني ذلك تحديدا؟

هذا يعني، أن ثلثي من تعلم في مدارس سوريا، أيام “باني سوريا الحديثة”، لم يكن في مقدورهم الكتابة والقراءة إلا في حدهما الأدنى، ومن أنه لم يكن باستطاعتهم إجراء سوى العمليات الحسابية الأبسط. هذا يعني أيضا، انه إذا قدموا إلى ألمانيا، فلن يكون بمقدورهم، حتى ولو تعلموا مبادئ اللغة الألمانية، سوى أن يتابعوا بصعوبة بالغة البرامج المهنية، والتعليمية المطلوبة منهم، كشرط للحصول على أماكن عمل في مجتمع متقدم كألمانيا. هذا، إذا كان هؤلاء ما زالوا محافظين على مستواهم “التعليمي” الذي كانوا عليه قبل انطلاقة الثورة، ولم يحضروا من معسكرات اللاجئين في بلاد الجوار السوري، ومن المحافظات النامية في شرق سوريا، ومن المناطق الداخلية حيث تدور المعارك، وحيث هناك لا دراسة ولا تدريس منذ أربعة أعوام.

بالمقابل، تذكر المصادر الألمانية من أن أعمار أكثر من نصف اللاجئين السوريين في ألمانيا الذين بلغ عددهم مؤخرا ما يقارب النصف مليون، هم دون الخامسة وعشرين عاما. أي، أنهم نظريا على الأقل، في عمر يسمح لهم بالاشتراك بدورات تدريبية تؤهلهم للالتحاق بسوق العمل. إلا أن هذه الدورات التدريبية تستغرق ثلاث سنوات، وقسم كبير منها هو عبارة عن دروس نظرية لن يكون بمقدور أغلب الشباب السوريين متابعتها. نشير بهذا الخصوص، إلى ما ذكرته غرف التجارة الألمانية في مقاطعة بافاريا الألمانية، من أن 70% من المتدربين الذين قدموا من سوريا، والعراق، وأفغانستان، خلال السنتين الأخيرتين ما لبثوا أن انفكوا عن متابعة الدورات المذكورة، لتدني مستوياتهم التعليمية، وعدم توفر المهارات الأساسية لديهم. هذا يعني، أنه لن يكون أمامهم سوى القبول بمزاولة أعمال لا تلبي رغباتهم، كعمال في ورش البناء، وكمساعدي ممرضين في المستشفيات، والعمل في المطاعم، والفنادق، وكعمال بلدية، وأن يقبلوا بأجور متدنية في أحيان كثيرة قياسا بزملائهم الألمان. وتزداد هذه الصورة سوءا لدى الفئات العمرية التي يتجاوز أصحابها الخمسة وعشرين عاما. تبقى هناك فئة الجامعيين من اللاجئين السوريين التي تقدر السلطات الألمانية أن نسبتهم تبلغ ال10% من مجموع اللاجئين. بعضهم يحسن أكثر من لغة أجنبية غير العربية، وكان يعمل في مجال اختصاصه قبل مغادرته للبلد. لكن، هنا أيضا يتعارض الواقع مع التدبير. إذ هم أيضا مطلوب منهم أن يتعلموا الألمانية، قبل أن يجدوا عملا، وأن لا يكونوا متقدمين كثيرا في السن فوق الحد الذي أشرنا إليه، وان لا يكونوا قد انقطعوا بسبب الأحداث عن العمل مددا تعتبر طويلة في ألمانيا، وتعيق من توظيفهم. خاصة، إذا نافسهم على الوظيفة المعروضة طالب عمل ألماني من نفس الاختصاص، أو من رعايا الاتحاد الأوروبي، فتعطى عندها الأولوية لهؤلاء بحسب القانون. هذا يدفع الكثير من السوريين الجامعيين إلى القبول بمزاولة أعمال ما كانوا ليقبلوا القيام بها في السابق.

تبقى هناك الفئة العمرية التي يأمل الألمان من الاستفادة منها أكثر من غيرها، وحتى وإن طال انتظارهم، ألا وهي فئة الأطفال السوريين القادمين مع أهلهم والذين تتراوح أعمارهم ما بين الثلاث إلى عشرة سنوات. لهؤلاء، تعمل السلطات الألمانية جاهدة لتوفير الأماكن لهم في رياض الأطفال، وفي إلحاقهم على الفور في المدارس الابتدائية، آملين أن يندمج الصغار القادمين في المجتمع الألماني بسرعة، ومن أن يساعدوا على ردم جزء من الثغرة الديموغرافية الحاصلة بسبب تراجع الولادات في ألمانيا، وازدياد عدد الشيوخ فيها، نتيجة مستوى الرعاية الصحية المتقدم التي توفرها السلطات لهم. هنا أيضا، ظهرت مشكلة إضافية أمام هذه السلطات، وهي مشكلة لم شمل عائلات اللاجئين الذين تركوا وراءهم زوجاتهم وأطفالهم، ويأملوا أن تسمح السلطات لهم باستقدامهم بطرق شرعية في القريب العاجل. إلا أن ذلك يلقى معارضة، حتى من بعض أعضاء الحزبين الحاكمين، خوفا من ان يتجاوز عدد طالبي اللجوء إلى ألمانيا سقفا بدأوا يطالبون بعدم تجاوزه. خاصة، أن الدول الأوروبية الأخرى لا تبدي تعاونا أكبر في مجال استقبال اللاجئين.

ختاما. تحاول السلطات الألمانية حاليا، الحد من الهجرة السورية إليها عن طريق تقديم الدعم المادي لدول الجوار السوري، لكي لا يسمحوا للاجئين لديهم، من متابعة السفر إلى أوروبا، ولتسهيل اندماجهم في مجتمعات دول الشرق الأوسط، عن طريق المساعدة في تغطية قسم من نفقات إقامتهم في تلك الدول. هل ستنجح في ذلك؟ وهل ستؤدي التطورات الجارية حاليا، من محاولات لإيقاف إطلاق النار، وإقامة كيان سياسي انتقالي في سوريا كخطوة أولى نحو إعادة الاستقرار، في اقناع الكثيرين من اللاجئين السوريين للعودة؟ كل ذلك، يبقى رهنا أيضا بما يجري في أوروبا نفسها، وعودة ظهور اليمين المتطرف فيها المعادي للاجئين لأسباب عنصرية، ومذهبية، وأخرى اجتماعية. والحالة على ما هي عليه الآن، ستستمر إقامة اللاجئين السوريين في الشتات لمدد لن تكون بالقصيرة. خاصة، إذا بقي النظام الذي كان السبب في هجرتهم، أو حل بدلا عنه نظام قمعي آخر. سيذكر التاريخ عندها، أن أربعة ملايين أو أكثر من السوريين غادروا بلدهم نجاة بأرواحهم، ليس بسبب عدوان خارجي وقع عليهم في البدء. بل، نتيجة ظلم أهل القربى لهم، واستعانتهم بالأجنبي في محاربتهم، وفي تهجيرهم في أكبر هجرة جماعية حصلت في هذا القرن حتى الآن.