on
Archived: عمر قدور: درس زهران علوش
عمر قدور: الحياة
لم يكن اغتيال زهران علوش “قائد جيش الإسلام” مفاجئاً، بل يخطئ من لا يتوقع وجوده في أولوية مستهدَفي الغارات الروسية. فالرجل أنشأ جيشاً في منطقة لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن قصر بشار الأسد، وظهر في العديد من المناسبات يخرّج أفواجاً من مقاتليه في استعراض عسكري منظّم على طريقة الرؤساء، وقبل نحو ثلاثة أشهر ظهر في تسجيل لتخريج دفعة من “الضفادع البشرية”، مع أن أماكن انتشار جيشه بعيدة جداً عن الساحل السوري، فضلاً عن أن المعركة المفترضة الفاصلة في سوريا، لو حدثت، ستكون في دمشق.
في شهر نيسان الفائت، عندما بث جيش الإسلام تخريج ما يسمى “دورة الإعداد الجهادي رقم 17″، عُدّ ذلك الشريط رسالة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن جيش الإسلام جاهز لضمان أمن العاصمة فيما لو سُمح بسقوط بشار. وكما هو معلوم كان زهران علوش قد غادر الغوطة عدة مرات للقاء مسؤولين دوليين، ومنها مغادرته الغوطة إلى تركيا في الشهر ذاته الذي حضر فيه تخريج الدورة الجهادية المذكورة سابقاً، وحينها ثارت تساؤلات عديدة عن كيفية خروجه وعودته إلى الغوطة سالماً، على رغم الحصار المشدد المضروب عليه من قوات النظام. بعد تلك الرحلة إلى تركيا سرت أخبار عن اتصالات بين علوش والبريطانيين، ما أوحى باعتراف غربي به، وبأن الرجل يستعد حقاً للعب دور سياسي في المستقبل.
إذاً، يكاد زهران علوش وجيش الإسلام أن ينفردا عن بقية الفصائل المقاتلة في سوريا بأمرين، أولهما هيكلية جيش الإسلام كجيش فعلي، وعدم تسميته هكذا اعتباطاً كما نرى لدى العديد من الفصائل التي تستخدم تسميات مثل “لواء” أو “فرقة” من دون وجود هيكلية عسكرية مطابقة للتسمية، وكما هو معلوم لدى جيش الإسلام مخزون من الأسلحة المتنوعة التي تجعله جديراً بلقب الجيش، وإن بإمكانيات غير متطورة جداً. فهو يمتلك منظومة صواريخ حرارية مضادة للطائرات ذات جدوى محدودة، ويمتلك العديد من الدبابات والعربات المصفحة، ويمتلك أيضاً مخزوناً لا بأس به من الصواريخ المضادة للدروع، وجزء كبير من مخزونه غنمه من مستودعات النظام في الغوطة والقلمون. الأمر الثاني الذي ينفرد به جيش الإسلام هو شخصية الراحل زهران علوش الذي كان يجمع بين العمل العسكري ومتطلبات العمل السياسي، وهو ما لم يكن بارزاً لدى العديد من قادة الفصائل الكبرى الأخرى، فحركة أحرار الشام مثلاً لم تتقدم إلى الواجهة السياسية إلا مؤخراً، وهناك انقسام داخلها حول مسألة الانفتاح السياسي.
ويصحّ القول بأن زهران علوش، بعيداً عن الاعتبارات العقائدية التي تحكم الفصائل الإسلامية، كان رجل سلطة في المقام الأول، فهو لم يكن يتساهل مع الآخرين في أماكن سيطرته. اتهامه باختطاف نشطاء مركز توثيق الانتهاكات ليس النقطة الوحيدة في سجله السلطوي، فلديه معتقلات تسمى بسجون “التوبة”. وعندما شن حرب “التطهير” على “جيش الأمة” في الغوطة الشرقية كانت حرباً استئصالية بالكامل، ورصد مكافآت مالية قيّمة لمن يسلّم الفارين من قادته. أما إعدام “أبو علي خبية” قائد جيش الأمة فأتى على منوال المعهود من السلطات، إذ أُظهر خبية في تسجيل يعترف فيه ذليلاً بكافة الموبقات المنسوبة إليه بما في ذلك “الشذوذ” الجنسي، ما يذكّر بتسجيلات واتهامات مماثلة يفبركها النظام لمعارضيه.
وزهران علوش في حديث شهير له يحط من شأن الديمقراطية، وعندما حاول تبرير قوله لصحيفة أميركية أتى التبرير بأنه قال ذلك للاستهلاك المحلي، موحياً بأنه يتوجه بالحديث إلى قاعدة شعبية لا تريد الديمقراطية. لكن هذه المواصفات جميعاً، بما فيها سلطويته، جعلت منه محطّ أنظار الذين يفكّرون في تسوية سورية، بصرف النظر عما تحمله الأخيرة من علامات التحول الديمقراطي. فالأساس هو ما يُشاع عن اعتدال علوش قياساً إلى المتطرفين، وقتاله داعش بصرف النظر عما إذا أتى ذلك للحفاظ على أماكن سيطرته أو ضمن قناعات مبدئية عميقة. إلى جانب الاعتدال، يبرز عامل شديد الأهمية، فعلوش لم يتورط في معارك غير محسوبة ضد النظام، على غرار ما فعلت فصائل أخرى منيت بنكسات كبيرة. ولعل وعود قائد جيش الأمة “خبية” النموذج الأكثر سخرية، إذ أعلن مراراً “ساعة الصفر” والاقتراب من تحرير دمشق.
إلا أن ما يبدو متوازناً وسياسياً من جهة قد لا يكون كذلك من جهة أخرى، فالاحتفاظ بجيش ضخم ضمن منطقة محاصرة عنى التفرّغ لمزاولة شؤون السلطة في داخلها. ومع مرور الوقت بدا أن هناك نوعا من التسليم المبني على حسابات سياسية خارجية بأن جيش الإسلام لن يتعدى مواقعه باتجاه العاصمة، وأن ذلك لن يحدث على أية حال ما لم تكن هناك موافقة دولية على إسقاط النظام. ولأن المجتمع الدولي قال كلمته، مصراً على عدم إسقاط النظام عسكرياً، بات أقصى ما يمكن لجيش الإسلام فعله أن يدافع عن وجوده في الغوطة الشرقية، حيث يحاول النظام قضمها بالتدريج. وإذا كانت الحسابات الدولية والإقليمية معروفة للجميع، فما ينبغي قوله أن زهران علوش سلّم بها تماماً، ولم يحاول توريط الخارج في أبعد مما هو مقرر سلفاً، وهذا مأخذ يتقاسمه مع العديد من الفصائل الأخرى التي تحابي رعاتها ومموليها، ولو على حساب المتطلبات الميدانية.
بهذا المعنى، وقع زهران علوش ضحية واقع مفروض دولياً وطموحات تتعلق بتسوية لا أحد يضمن حدوثها. وما كان لعلاقاته الإقليمية والدولية أن تحميه، بل على العكس ستكون أهم الدوافع وراء استهدافه، مثلما لم يكن للإشادة باعتداله سوى أن تكون نقمة عليه في مخطط يستهدف المعتدلين قبل المتطرفين. الخطأ الذي دفع ثمنه علوش، وسيدفع آخرون ثمنه في الأشهر القادمة، أنهم توقفوا عن التقدم عندما كان النظام في أضعف حالاته وضمن وعود خارجية بالتسوية، وربما سيندم العديد من قادة الفصائل على تفويت تلك الفرصة.
اقرأ:
عمر قدور: أوباما يغادر… بشار يبقى