Archived: أيهم البحش: الغوطة الشرقية وتفاقم الوضع الإنساني

أيهم البحش: كلنا شركاء

تفاقمت الأحداث وازدادت صروف الدهر المصحوبة بعهر عالمي يفوق الخيال، ولم تبق يد مدنّسة إلا وامتدت معلنة انتسابها للجوقة الموغلة في الجريمة ، وبين ضفة وأخرى من ضفاف سوريا المقطّعة هناك قِطع وأشلاء ، بفعل المجازر أو بفعل الأسباب المصاحبة لروّاد وعشّاق سفك الدم الحرام.

هنا الغوطة الشرقية وقد أصبحت قولاً على قول للذكرى والتذكير ، وقد امتهن البعض سرد محكياتها وقصصها على سبيل التأريخ ، ففي ظل الاتفاق العالمي لبلورة تاريخ جديد هناك من يؤرّخ للدم المصاحب لهذه الحركة غير الأخلاقية وغير الإنسانية التي تضع تاريخاً مكتوباً بدم الأطفال والنساء والشيوخ ، فتتصدّر الغوطة – باعتبارها قطعة من المقاطعات السورية – بوصفها أكبر جغرافياً من غيرها وتتسع للمزيد من الطيران الروسي والأسدي  … ومن يدري كم هو عدد وجنسيات الطائرات المشاركة في قتلنا ، فنحن لا نمتلك حواجز تفتيش في الفضاء لنعرف هويّات الطائرات التي تستبيح غوطتنا كل دقيقة كما هو الحال في سوريا كلّها.

قد يبدو الكلام عن مأساة العصر في سوريا مملاً ومكروراً كونه دوّامة مؤرقة تدور بالبشر والحجر والشجر ، إلا أن القهر المتواتر الذي أصبح زاداً يحتّم علينا إعادة ما تم الحديث عنه مضيفين أحياناً ومُعدّلين أو على الأقل مُذكّرين لعلَّ الذِكرى تنفع  وتلامس أوجاعَ بشرٍ محاصرين على قيدِ الحياة  ، ينتظرون موتاً طائشاً أهوج أرعن ، هكذا تقولُ نظرات الحزن في أعينهم الغائرة  قهراً من جرمانا أو من الزبلطاني … من الأوتستراد الدولي أو من مخيم الوافدين … هذه نكسةُ زمنٍ و فضيحة عَصر ، الغوطة الشرقية التي تضم ستين قرية و بلدة و مدينة ، أهمها دوما و حرستا و ناحية كفربطنا التي تضم بدورها سقبا و كفربطنا و حمورية و حزة و جسرين و بيت سوى ، بحسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان يوجد فيها حوالي ال 850 ألف إنسان يعانون من حصار فُرض عليهم منذ أكثر من ثلاثة أعوام ، حصار خانق يكادُ يطبق حتى على أنفاسهم ما زال مستمراً حتى اللحظة ، توقيتهم حربٌ لا تهدأ ، و نهارهم كابوس لا نهاية واضحةً له ، أمَّا الليلُ فمطبق على سنينهم بكلِّ ليليَّتهِ .الجريمةُ تدخل عامها الرابع ببداية تشرين الأول 2012 بدأ النظام بإغلاق المنافذ و الطرق المؤدية للغوطة الشرقية بشكل جزئي من جهة الدباغات و من المليحة و جرمانا و عدرا و زملكا ، بالتزامن مع توسيع عمليات القتل و التدمير و الاعتقال ، و في 19 تشرين الأول 2012 تم منع دخول أي شيء على الإطلاق ، لا مواد غذائية و لا طبية ، و لا حتى عن طريق الهلال الأحمر أو أي مؤسسة أخرى ، إضافة لقطع الكهرباء و الماء و الاتصالات بشكل كامل مما أدى لتفاقم الوضع الإنساني بشكل كبير ، لا عمل ، و لا مساعدات كافية تأتي من ما يسمى مؤسسات و قوى ثورة ، الأهالي في غالبيتهم يعتمدون على ما يرسل لهم من أقاربهم في الخارج ، نقول في الخارج تجاوزا ، فأقاربهم ممكن أن يكونوا في دمشق و بعيدين عنهم مسافة نصف ساعة بالسيارة فقط ، لكنها سجن ، و سجن كبير الداخل إليه مفقود و الخارج منه مولود . أحراراً لكن جِياع ، أحياءَ لكنْ بسجنٍ كَبير وقد أطلق مجموعة من الناشطين حملة تندد بالحصار و تطالب بممرات إنسانية عاجلة تحت عنوان “الغوطة السجن الكبير “  ثم  “الغوطة تنزف” ، و أعلنت المجالس المحلية و مجلس القضاء الموحد و المكتب الإعلامي الموحد أن الغوطة الشرقية منطقة منكوبة تماماً ، في حين لم تعلن أي هيئة أو منظمة دولية عن هذا ، و بكل البيانات التي صدرت اكتفت بتسميتها “مناطق يصعب الوصول إليها” ، في آخر تقرير لها أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد الشهداء من 1 كانون الثاني حتى 30 حزيران من العام الجاري يبلغ 776 شخص بينهم  155  طفلاً تتراوح أعمارهم بين السنة و العشر سنوات ، كما إرتكبت قوات النظام خلال هذه الفترة 25 مجزرة بالطيران الحربي غير القصف بالهاون و المدفعية الثقيلة ، 14 مجزرة في دوما ، 4 مجازر في عربين ، المرج 3 مجازر ، و مجزرة في كل من عين ترما و كفربطنا و سقبا و حرستا و حمورية ، أما ضحايا الحصار و نقص المواد الغذائية و الطبية فيبلغ عددهم 117  شخصا بينهم 67 طفلاً و 27 سيدة ، و في السياق نفسه أشارت الشبكة السورية أن 49  مركزاً حيوياً تعرضوا للاستهداف منهم 12 سوق ، و 11 مدرسة ، و 10 دور عبادة ، و 9  منشآت طبية .

وهناك معبر للموتِ يهرع إليه الأهالي طلباً للحياة وهو مخيم الوافدين ، يعد المعبر الوحيد للدخول إلى الغوطة و الخروج منها ، فيه سوق كبير يحاول المواطنون الوصول إليه تحت الخطر لشراء مستلزماتهم ، بلغ عدد القتلى بسبب محاولة وصولهم إلى مخيم الوافدين ما يقارب 200  شخص أغلبهم يافعون و نساء قنصوا بدم بارد أو تم استهداف تجمعاتهم بقصف عشوائي يحصدهم بالعشرات .

حصارٌ يتزامن مع قتل ، و قتلٌ يترافق مع حصار ، هكذا تمرُّ أيامهم كما يصفها  د.عروة نجيب مسؤول إحدى النقاط الطبية ، مضيفاً أن الوقوف بعجز أمام نتائج الحصار هو أشدّ وطأة ، فالكادر الطبّي أو أي كادر آخر أصبح ألم قلّة الحيلة لازمة يوميّة له مع دقائق وساعات العمل المتواصل ، فليس أكثر إيلاماً من وقوفك أمام حالة إنسانية جاءت إليك وتحمل معها قهراً ودماً ووجعاً وخراباً وفقراً وجوعاً وخذلاناً حمّلتهم إياه كل دول العالم المتمدّن والمتحجّر على حدٍّ سواء.  أما الناشط  زيد الذي  يعمل في مجال النشاط الإنساني يضيف ويعقّب بنفس الألم معبّراً عن سأمنا من  العبث بدمائنا  وأرواحنا ، لقد سئمنا الشعارات و الكلام الفارغ الذي لا يحمي طفلاً من قذيفة و لا يسد رمق آخر  من جوع . وكـ عروة وزيد وعمرو  و…. ستجد إضافات لا تضيف إلا مفردات جديدة في توصيف الحالة، إذ الألم هو نفسه ينخر بالأضلع، ألمٌ نستطيع التحدّث عنه والشعور به بكل مانحمله من إنسانية ، إلا أننا لا نستطيع وصفه بشكل دقيق وإظهاره للعالم سيما أنه اعتمد سياسة ” التطنيش ” والتصلّب والتعفن الأخلاقي والانهيار إلى أسفل مستويات انحدرت لها البشرية يوماً. هؤلاء و غيرهم كثيرون ، ينتظرون منا أن نمدَّ يد العون لهم ، فالبكاء وحده لايكفي ، كما قصائد الشعر والرثاء ، ففي الغوطة أصبحنا نرثي بعضنا ، وتحوّلت الحياة إلى مراثٍ يومية ، وكلّ من يشارك في رثائنا هو جزء منّا بكل تأكيد ، إلا أن الجزء يبحث عن كلّه ويلتصق به ولا ينفصل عنه لا بالقول ولا بالفعل ، علينا التحوّل من رثاء بعضنا لبعضنا وإدراك خطورة المرحلة التي تفتك بأهل الغوطة ، فالحديث عن المجازر اليومية سيبدو مكروراً لدى البعض ومثيراً للملل ، إذاً لا طائل من البقاء في إطار التوصيف والتأريخ مالم ندرك حقيقة مايجري ونبحث عن حلول جذرية للنصر ونسلك الطرقات السليمة لبلوغ أدنى حدّ على الأقل من إيقاف هذه المأساة اليومية ، علينا جميعاً الاضطلاع بالمسؤولية ومدّ يد العون بعيداً عن المراثي والشعر والمسرحيات والروايات ، على كل ضمير حيّ أن يدرك جيداً مايجري وأن يكون صوتاً يصدح لإجراء العمل والأفعال ، والقضايا المأساوية ذات الالتفات المهمّ كثيرة وكثيرة جداً ، هناك أيتام نسيهم الزمن ومستقبلهم التعليمي مهدّد بالضياع ، هناك زاد يومي من القتل والدمار يتجاهله العالم ، ونقص حاد في المواد ، هناك شعب حرّ يموت بآلة قتلٍ جبانة ، شعب على أرض كلاهما يستحق الحياة ، وكلاهما يستطيع صناعة الحياة إن مُنحت أسبابها له ، فلنكن من مانحي أسباب الحياة.