Archived: صلاح قيراطة: الأسدان ، الأب والآبن ، ذات المواصفات ونفس النهج …

صلاح قيراطة: كلنا شركاء

لقد امتلك حافظ الاسد قدرة مرعبة على تحديد ما هو وما هو غير ممكن ، وكان بارعاً بتحويل غير الممكن الى ما هو ممكن ، في الوقت الذي يتعاطى معه مع الممكن الحالي ، عاملاً على تحويل ما هو غير ممكن الى ممكن …

مهاراته هذه سواء اكانت ملكات شخصية تفرد بها الرجل ، او كان خلفه من ينير له دربه ، ويساعده في رسم خطواته ، مكنته وبدون ادنى مشاكل من ان ينقل السلطة لــ ( ابنه ) بسلاسة وهدوء ودون أي اعتراض سواء على الصعيد الداخلي ، او الخارجي …

فعلى الصعيد الداخلي نجح الرجل وخلال مرحلة حكمه ان يقصي على كل من يشكل خطراً على مشروعه المستقبلي والذي تجسد بتوريث الحك لأحد ابنائه سواء اكان هذا الخطر افراداً ام جماعات او قوى سياسية ، وحتى ضمن حزب البعث العربي الاشتراكي الذي اجاد الرجل قيادته ليحقق من خلاله نقل السلطة ليضعها في ابنائه …

من المعروف ان من كان يُعَدُّ لخلافته رئيساً للبلاد في اول جمهورية وراثية في المنطقة والثانية على مستوى العالم هو ( باسل ) الا ان القدر كانت له  ارادته  ، لك ن ( الأسد ) الأب تمكن وبقدرة خرافية وببراعة تسجل له ان يتحدى حتى القدر ويهزمه موصلاً السلطة لـ ( بشار ) فعلى الصعيد الدولي لاقى ما كان قد خطط له ( الأسد ) قبولاً كونه عرف كيف يربط نظام حكمه ويسوقه بمهنية ومهارة عالية من اقصى شرق العالم الى اقصى غربه ، فلم تكن هناك أي ملاحظة ولو على صعيد الصدفة من أي بلد في العالم ولا حتى زاوية في صحيفة منسية …

خلال مراسم تشييع الأب، فالضيف الوحيد الذي اختلى بـ ( بشار ) كانت ( مادلين اولبرايت ) وزير الخارجية الأمريكية ويبدو انها باركت توليه ( العرش ) وقد حدث معنا كسوريين ما يحدث مع اشقاءنا العرب عندما يرددون ( مات الملك ) ( عاش الملك ) لمرحلة اذكر معها اني قلت وعند وصولي عملي في اليوم التالي لرحيل ( الأسد ) العجوز ، وقد كنت رأيت في طريقي مجموعات من الصبية وقد رفعوا صور الدكتور ( بشار ) وهم يهتفون الهتاف المعروف لدى السوريين خلال الحقبة ( الأسدية ) بالروح بالدم نفديك يا بشار، قلت وقتها لمن دخل مكتبي مباركاً ومعزياً في آن معاً ( تمنيت لو منحتمونا بعض الوقت  نحزن  خلالها على حافظ الأسد ) كل شيء كان محبوكاً ومدروسا وسيقطع لسام من يقول لا وتبتر يد من يعترض ويطير رأس من يتجاسر ويتمرد …

نقل الرجل السلطة لولده  ، عن طريق نقل ( النظام ) بكل اجهزته وجبروته وقدراته الخرافية على التحكم بالشارع بابتكار طرائق واساليب تضمن استمرار ( الولاء ) ولو كان هذا عند كثيرين من السوريين على حساب ( الانتماء ) فقد كنا عشنا بقصد او بدونه مرحلة تماهٍ غريبة عجيبة بين السلطة والنظام والوطن ، فلم يعد بمقدور المرء في سورية ان يميز ، وان ميز واراد ان ينتصر للوطن ضمن هذه الثلاثية ، يمكن ان ( يخّون ) فآثر السوريون في غالبيتهم الصمت سواء بقناعة ، او برسم الخوف ، وكله كان يعيش الحاضر  مرتاباً من المستقبل …

الأمانة والموضوعية تقول ان ( بشار الأسد ) وفي البدايات حاول ان يخرج عن النهج المرسوم ، وكانت سورية اول من شهد ( ربيعاً ) لم تينع ثماره ، سمي ( بربيع دمشق ) ، الا ان النظام الموروث كان اكبر من قدرة ( الرئيس ) فكان ما كان من عودة ذات الطرائق والأساليب التي كان رسخها ( الأسد ) الأب لممارسة الحكم ، والتحكم بالسلطة …

الثابت وبما لا يقبل الشك ان ( النظام ) هو من تولى ادارة دفة الحكم خلال ( ازمة ) البلد التي انطلقت مع ما يسمى ( ربيعاً عربياً ) في العام 2011 الذ كان لا يعتقد انه سيمر على  سورية ، والثابت ايضاً ان ( النظام العتيق ) كان قادراً على مسك كافة الخيوط الضامنة لاستمراره ومنها قيادة حملة علاقات عامة على طريقة يمكنني معها تسميتها ( ديبلوماسية المصالح ) هذا بشكل علني ، اما بشكل سري وغالباً عبر الأجهزة المخابراتية التي نمت وترعرعت بظل قيادة ( الأسد ) الأب ضمنت استمرار القيام في إجراء اتصالات سرية مع أطراف فاعلة على الساحة العالمية وهنا اقصد تحديداً ( الولايات المتحدة الأمريكية ) …

تضافر الجهد الديبلوماسي ، مع استمرار التواصل المخا براتي بما فيه من ضمان استمرار تدفق المعلومات ربما كان له دور بارز كان يمكن السلطات المعنية في سورية من الالتفاف وبشكل مبكر على أي تصدع في ( النظام ) حتى لا تتمكن أي جهة من استغلاله والبناء عليه ، لذا نلاحظ ان معظم العسكريين الرافضين لسياسات ( النظام ) آثروا الانشقاق ، دون التفكير بأن ينقلبوا عليه مثلاً …

كل المؤشرات تفيد ان الأجهزة في ( دمشق ) كانت تختار موقعها الملائم في أي اتصالات مع أي جهاز من نظرائها العالميين ، وبقيت ممسكة بخيوط اللعبة ، فقد عملت على ان تكون هناك اتصالات لكن بشكل متقطع وغالباً ما كانت حول موضوعات محددة  موظفة  في مصلحة ( النظام ) وربما كان هناك رسائل عبر وسطاء، مثل الحلفاء الرئيسيين للأسد، روسيا وإيران…

وكمهتم وحريص وعرف بالشؤون السياسية السورية اكاد اصل لمرحلة القناعة ان الأجهزة السورية حاولت وفي أوقات مختلفة  التواصل مع   إدارة أوباما ليعرض عليها توحيد الجهود معه لمحاربة الإرهاب …

وهنا لا افشي سراً ان قلت من خلال ما عرفت ان ( واشنطن ) حاولت مع بداية الأزمة استمالة بعض الضباط من  الطائفة  العلوية الكريمة علّها تتمكن من خلالهم الاطاحة  بالنظام فقد كانت سياسة البيت الأبيض في عام 2011 تتركز حول  الوصول إلى نقطة التحول في سوريا من خلال إيجاد تصدعات في  بنية ( النظام ) عن طريق تقديم حوافز لأشخاص محددين  حتى يتخلوا عن ( الأسد )، كما صرح مسؤول كبير سابق في الإدارة الأمريكية  ولكنَ النظام كان متماسكاً اكثر مما كان يتوقعه الأمريكان …

المتابع كان يلاحظ انه وبالتوازي مع دعوات ( اوباما ) ( الأسد ) للتنحي ، كان   يزداد تمسكاً وهذا يؤكد ما ذهبت اليه، في ان الإدارة الأمريكية كانت تُسِرُ غير ما تعلن فاستمرار   الاتصالات السرية كانت تعزز  إحساس ( النظام )  بالشرعية وان كل ما يقال من الأمريكان لا يتعدى ان يكون كلام ( علاقات عامة ) …

وهنا كانت قناعات الأمريكان تزداد بان سورية وبنظامها ( الحديدي ) ليست كما كوبا وإيران  لجهة امكانية النفاذ الى حل  المشكلة في مفاوضات ثنائية سرية…

ثقة ( النظام ) بنفسه المبنية على معرفته الوثيقة بماذا يعني لأصدقائه، مكنته من تجاهل استراتيجية إدارة أوباما تجاهه،  والتي اعتمدت الضغط السياسي والعسكري على دمشق، مما دفعها إلى التحولات المتكررة في الأساليب ، فبدى ( النظام ) مرن جدا على الصعيد السياسي لكن بذكاء يمكنني توصيفه بالخارق ، حيث تميز بقدرته الدائمة حتى في احلك الظروف التي شهدتها دمشق على اختبار نقاط الضعف في كل من يظهر عداءً ولو كان ظاهرياً لــ ( دمشق )

وحتى عندما تم القصف بالأسلحة الكيميائية في  آب 2012. ورغم التحذيرات، وبدلا من الرد العسكري، كما هدد أوباما، تمكن ( النظام ) من التخلص مما هو عليه من خلال عقد صفقة  للتخلص من مخزونه من الأسلحة الكيميائية ، ولعله لم يتخلى عنها  الا بعد ما اخذ الضمانات الكافية،  ومن هذه الضمانات واشدها باساً ( الاسناد الجوي الروسي ) ونشر منظومات صواريخ متطورة  ضمن  الجغرافية السورية ، واقصد هنا انه تم تخلي عن السلاح ، مقابل الحماية  ولم يعد بحاجة لأسلحة ردع ، فهناك من سيردع له ، لابل يقتل له كل من يتجرا ويشق عصى الطاعة عليه  …

والثابت من خلال راحة الطيران المعادي التي تمكنه من تنفيذ ضربات له مخترقاً الاجواء السورية ،  ان ( اسرائيل ) غير داخلة في هذا ( التوازن ) فروسية اتت لتحمي ( سورية )من ( سورية ) لا من ( اسرائيل ) وهي المستفيد الأوحد من احراق سورية ، طبعاً كان الاسناد الروسي  بذريعة محاربة ( تنظيم الدولة ) الذي لم توجه له اكثر من 20% من الضربات حسب كيري في مجلس الأمن مؤخراً …

لقد وجد ( النظام ) في صعود ( تنظيم الدولة )   في عام 2013 فرصة مناسبة لفرض نفسه  كشريك في مكافحة الإرهاب الذي أشعل المنطقة وامتد إلى الغرب…

ولعل من اشكال براعة ( النظام ) هو قدرته على قراءة التصرفات الأمريكية ، حتى ( انذارات )  البيت الأبيض  وتقديره مدى جديتها من عدم ذلك واستخدامها  في مصلحته من خلال استقرائها وتحليها ومعرفة النوايا التي تقف خلف الدفع بها الى دمشق، وهنا تقول امريكا انها وبما كانت تقوم به مع دمشق لم يكن شكل من اشكال التعاون …

وفي النهاية لابد من القول انه من  الواضح لتاريخه ان كل المحادثات غير المعلنة بين ( دمشق ) و ( واشنطن ) سيما المخابراتية منها ، لم تثن القيادة في سورية عن ما انتهجته من اساليب لمواجهة التمرد الذي ضرب البلاد ، وان ( الأسد ) كان عندما يرد على ( انذارات ) البيت الأبيض سواء ( المكتوب) منها او عبر مبعوثين كان  يبدي بعض  الانفتاح متمسكاً بان معركة الحكومة السورية ومن يواليها الأساسية هي مع الارهاب ، وانها ميالة أي ( الحكومة السورية ) الى وقف اطلاق النار لكن بشروط دمشق ، فدمشق جادة  باعتقادها انه لن يملى على دمشق الا رغبتها … 

اقرأ:

صلاح قيراطة: وجهـــــة نظـــــر… المعارضة السورية، مالها، وما عليها