Archived: باسل العودات: جنيف أم فيينا؟

باسل العودات: المدن

اتفق المجتمع الدولي قبل أكثر من ثلاث سنوات على أسس حل الأزمة السورية، وأصدرت الدول الخمس الكبرى في 30 حزيران/ يونيو 2012 بياناً مشتركاً عُرف باسم (بيان جنيف) حددت فيه أسس الحل السياسي للأزمة السورية، وخلال ثلاث سنوات لم يستطع المجتمع الدولي تطبيق بنود البيان المُعتمد دولياً كخريطة طريق لإنهاء الحرب السورية، فعادت لتجتمع من جديد للاتفاق على أسس جديدة أكثر مرونة وقابلية للتطبيق، فأصدرت في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بياناً مشتركاً جديداً عُرف باسم (بيان فيينا) يستند في معظمه إلى (بيان جنيف) السابق مع تعديل طال بعض البنود.

دعا (بيان جنيف) جميع الأطراف لوقف العنف ووقف إطلاق النار، وإطلاق سراح جميع المعتقلين لدى الطرفين، والبدء فوراً بوضع جدول زمني لمرحلة انتقالية تستند إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية، من المعارضة والموالاة، تمتلك كامل الصلاحيات التنفيذية وتحظى بقبول متبادل، تقوم باستعادة الأمن وتغيير القوانين والدستور وصولاً إلى انتخابات رئاسية، لكن السوريين لم يخطوا ولا خطوة في هذا الطريق بسبب غموض البيان الذي لم يحدد دور ومصير الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية وبعدها، ولم يُحدد مصير الأجهزة الأمنية التي ثار السوريون ضد قمعها، ولم يضع أولوية وتسلسل لتنفيذ البنود، وهو ما أدى لاختلاف كل الأطراف السورية والدولية على تفسير بنود البيان.

يتقاطع (بيان فيينا) في معظمه مع (بيان جنيف)، فقد دعا إلى كل ما سبق تقريباً، وأضاف أو غير أربعة بنود: الأول حدد فيه موعداً واضحاً لبدء المفاوضات (كانون الثاني/ يناير 2015) وموعداً لتشكيل الحكومة الانتقالية (خلال ستة اشهر) وثالثاً للانتخابات الرئاسية (خلال 18 شهراً)، والبند الثاني هو دعوته لتصنيف القوى المسلحة في سورية بين معتدلة وإرهابية، أما الثالث فهو إرسال قوات دولية لمراقبة وقف إطلاق النار ومراقبين للانتخابات، والرابع والأخير أنه غيّر تسمية (هيئة الحكم) بـ (حكومة توافقية)، وكسابقه لم يتطرق لمصير الرئيس السوري ولا لمصير الجيش والأمن.

لم تكن المعارضة السورية مسرورة تماماً ببيان فيينا، واختلفت في تقييمه، وأصرّت على أن يبقى بيان جنيف هو مرجعيتها، لأنه دعا لتشكيل (هيئة حكم كاملة الصلاحيات)، ما يعني أن الصلاحيات كلها ستُسحب من الرئيس السوري لصالح هذه الهيئة التي ستكون بيدها كل القرارات السياسية والأمنية والعسكرية، وهو برأي المعارضة الطريقة الوحيدة التي تضمن تغيير النظام بشكل حقيقي حتى لو تدريجياً.

نتيجة الضغوط الإقليمية والدولية، وافقت المعارضة السورية على بيان فيينا رغم قصوره، واجتمعت في السعودية لتوحيد برامجها واختيار وفد تفاوضي وفق ما دعا إليه هذا البيان تمهيداً لبدء مفاوضات مع النظام مطلع العام المقبل، لكنّها ظلّت مصرّة على أن الحل لن يكون إلا إذا بقي بيان جنيف مرجعية وبيان فيينا جزءاً لا يتجزأ منه.

بعض المعارضين اعتبروا بيان فيينا “اختراقاً مهماً” لأنه حدد جدولا ًزمنياً لبدء المفاوضات وللتحول السياسي وإنهاء الحرب، وتشكيل حكومة انتقالية شاملة وغير طائفية تضع جدولاً زمنياً لكتابة دستور جديد، ولهذا فإن بيان فيينا يُعتبر بديلاً صالحاً عن بيان جنيف، ودعوا السوريين لعدم تفويت الفرصة التي يتيحها، فيما أكّد البعض الآخر أن بيان فيينا رخو أكثر من جنيف لأنه لم يتحدث صراحة عن هيئة حكم بصلاحيات كاملة، وذكر ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة بما فيها العسكرية والأمنية، ويعتقدون أن هذا الخيار كفيل بإجهاض كل أهداف الثورة.

تعتقد بعض المعارضة السورية أنها تمتلك رفاهية اختيار البيان الذي تُفضّل أو تُحب، وأنها قادرة بمواقفها وعنادها أو تصريحات (عتاولتها) أن تغيّر من المسار العسير والبطيء والمتعثر للتوافق الدولي حول الأزمة السورية، أو أن تُقنع روسيا أو الولايات المتحدة أو حتى تركيا والسعودية وإيران باعتماد البيان المُفضّل، وتتناسى أنه لا هي ولا النظام نفسه قادرون اليوم على أن يؤثروا بحل الأزمة وأنهم جميعاً باتوا مجرّد مُتلقين للقرارات التي ستتخذها القوى الدولية والإقليمية حول أزمتهم ومُنفّذين مُطيعين لها.

بغض النظر عن الجدل البيزنطي حول أيهما أصلح وأفضل للمعارضة السورية، بيان جنيف أم فيينا، يمكن الجزم بأن أول خطوة عملية في أي بيان منهما سيعني حُكماً بداية نهاية النظام السوري، لأن أي خطوة نحو دولة ديمقراطية أو تشاركية أو تعددية أو لا طائفية أو رشيدة يعني أن كبار رموز النظام مستثنين منها لأنهم لا يملكون من هذه المواصفات شيئاً ولا قدرة لديهم على تحمّلها.

يبدو أن على المعارضة السورية التركيز على أمرين: الأول تحديد متى تُسحب صلاحيات الرئيس للحكومة أو للهيئة الحاكمة الانتقالية، والثاني متى تبدأ عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والجيش وتحت وصاية من ستكون هذه المؤسسات إلى حين موعد هيكلتها.

إن ضمنت المعارضة السورية تحديد هاتين النقطتين، فإن أي مفاوضات وفق أي بيان سيؤدي حُكماً إلى تغيير النظام ونقل السلطة، بغض النظر عن موعد تغييب الأسد، لأن خروجه من السلطة مسألة وقت، وربما محاكمته أيضاً ستصبح مسألة وقت ليس إلا.

اقرأ:

باسل العودات: قدرة الاحتمال الروسي