Archived: من الصحافة التركية: (بوتين) والصفعة التركية

هشام شعبانلي أوغلو: ترك برس

نزلت حادثة إسقاط سلاح الجو التركي، مقاتلة روسية انتهكت الأجواء التركية في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، كالصاعقة على قصر الكرملين، وأدخلته في نفق من التخبط، فبدأ يصدر حُزمًا من “العقوبات الاقتصادية” وهو في أشد الحاجة لـ “السنت”، ويشن حروبًا إعلامية وفبركات، ذكَّرتنا بأساليب أنظمة أكل عليها الدهر وشرب.

إن المطلعين على شخصية “قيصر الكرملين الجديد” فلاديمير بوتين، التي تشكلت في رحم الاستخبارات السوفياتية (كاي جي بي)، تفاجؤوا من ردة فعله “الهستيرية” على حادثة إسقاط المقاتلة الروسية التي انتهكت الأجواء التركية، حيث لم يتمالك القيصر نفسه من شدة الصفعة، وبدأ بإطلاق تصريحات نارية، تهدف لاحتواء الرأي العام الداخلي والتنفيس عن وقع الصدمة.

وقع الصدمة، دفع بالقيصر نحو إلقاء عباءة الشخصية الاستخباراتية التي تعوُّد صاحبها على رباطة الجأش وبرودة الدم، وانحلت عقدة لسانه ليعبر عن خفايا قلبه، متّهمًا القيادة التركية الحالية بالسعي “لأسلمة بلادها” علمًا أن الشعب التركي مسلم بنسبة 99 % منذ 1400 عام!، ونسي أو تناسى أنه هو من أخذ “بركة” الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قبل توجيه ضرباته إلى الشعب السوري، في الوقت الذي أعلنت فيه كنيسته تلك الضربات أنها “حرب مقدّسة”.

لا شك، أن حادثة إسقاط تركيا (إحدى الدول الرئيسية في حلف الناتو) للمقاتلة الروسية، شكلت منعطفًا مهمًا في التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة والعالم، ووضعت حدًا لأحلام القيصر الروسي في الشرق الأوسط، سيما وأن الحادثة تعد الأولى من نوعها منذ 60 عامًا.

لذا، فقد أعقب الحادثة صراخ وعويل روسيٌ شديد، عبر بالضرورة عن شدّة الألم الذي قض مضجع قيادة “مافوية” طالما حاولت إقناع العالم بأنها عادت إلى الساحة الدولية كدولة عظمى، لكن ليس من باب الإصلاح والتنمية ونشر السلام وإصلاح ذات البين كطرف نزيه، بل من شباك إذكاء الحروب لبيع أكبر قدر من الأسلحة، واللعب في المناطق التي تشهد “مشاكل سياسية” أو “فراغًا في السلطة”.

شرع القيصر الجريح الرازح تحت وطأة العقوبات الاقتصادية الغربية على بلاده، باحتواء الرأي العام الروسي، من خلال فرض عقوبات صادرة من جهة لا تملك على جهة لا تستحق، فشملت طلاب الجامعات والسياح والتجار والمواطنين وأبناء السبيل، دون أن تستثني الخضار والأشجاء ما عدا “الليمون الحامض”!. جاء ذلك بالتزامن مع توقيع تركيا والاتحاد الأوروبي اتفاقية تقضي بإلغاء تأشيرة الدخول بينهما، تبعها إلغاء تأشيرات الخروج بين تركيا ودولة قطر، ومجموعة اتفاقيات طويلة الأمد لتوريد الغاز الطبيعي القطري المسال إلى تركيا. كما وقعت تركيا وآذربيجان في الفترة نفسها اتفاقات لزيادة نسبة الغاز الطبيعي الآذري المصدَّر إلى تركيا، واتفاقًا آخرًا للإسراع في إنجاز مشروع “تاناب” الذي يهدف لنقل الغاز الأذري إلى أوروبا عبر تركيا. كما أنها بصدد التوقيع على مذكرات تفاهم مماثلة مع تركمانستان (تمتلك رابع أكبر مخزون من الغاز الطبيعي في العالم)، والإدارة الكردية في شمال العراق.

كما سعت “روسيا بوتين”، إلى إذكاء وتعميق عدد من الأزمات الدولية من أجل تغطية فشل سياساتها الخارجية التي تتسم بـ “ازدواجية المعايير”، وخصوصًا فيما يتعلق بالملفين الأوكراني والسوري. حيث دعمت الانفصاليين شرقي أوكرانيا، وألحقت شبه جزيرة القرم من جانب واحد بأراضيها، في الوقت الذي تقصف فيه المعارضين للنظام السوري من بُعد آلاف الكيلومترات، وتقتل بقوتها الغاشة آلاف المدنيين الأبرياء، وتتبنى خطابًا قوميًا في مؤيدًا للانفصاليين في أوكرانيا تارة، فيما تتبنى خطابًا دينيًا ثيوقراطيًا تارة، وخطابًا تقدميًا يساريًا تارة أخرى في الشرق الأوسط وفق ما تقتضيه مصالحها.

وفي الوقت الذي عارضت فيه روسيا “نظام فرض العقوبات الاقتصادية” أحادية الجانب على الدول، على خلفية قضايا سياسية، اعتبر بوتين مرارًا ذلك النوع من العقوبات بأنه “مخالف لميثاق منظمة التجارة الدولية والأمم المتحدة”، لكنه لم يتوانى عن اتخاذ أقسى ما يمكن اتخاذه من عقوبات اقتصادية ضد تركيا على خلفية إسقاطها مقاتلة روسية اخترقت أجوائها، كما لم يتوانى عن قصف السوريين من بحر قزوين، منتهكًا كافة القوانين الدولية الخاصة بقزوين، بغية استخدام الورقة السورية لكسب امتيازات سياسية.

وفي هذه الأثناء، اتسمت مواقف وسياسات القيادة التركية تجاه روسيا بالاتزان والحزم، سيما وأن الرد على الانتهاكات الروسية، جاءت بعد صبر على عدّة انتهاكات سابقة للأجواء التركية من قبل المقاتلات الروسية، التي دأبت على قصف المدنيين السوريين بما في ذلك التركمان (أبناء جلدة الأتراك)، بحجة محاربة داعش، في مناطق لا تعرف لداعش سبيلًا. كما أبلغ وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو”، نظيره الروسي، خلال لقاء جمعهما في العاصمة الصربية “بلغراد”، عن أمله في تخلي روسيا عن اتهاماتها التي وجهتها لبلاده دون تقديم أدلة ملموسة، وإعادة النظر في قراراتها المتسرعة، وقال “إن الجانبين لا يرغبان في تصعيد التوتر، وأنا واثق من أن العقل السليم سينتصر، وتعود علاقاتنا كما كانت سابقاً، بعد انقضاء مرحلة العواطف”.

عملت روسيا من خلال وسائل إعلامها على إلصاق تهمة دعم تنظيم داعش الإرهابي بتركيا، منذ ما قبل إسقاط مقاتلتها، واللعب بهذه الورقة من أجل خلق موطئ قدم لها في الشرق الأوسط، إلا أن تلك المزاعم التي خرجت إلى العلن بعد الحادثة، لقيت وابل من التهكمات على المستوى الدولي، خاصة وأن الفبركات الإعلامية الروسية ذكرت الجميع بـ “فضائح صحيفة برافدا” في الحقبة السوفياتية، وما أشبه اليوم بالبارحة.

وفي هذا الإطار، رفض بيان صادر عن الخارجية الأمريكية، المزاعم الروسية المتعلقة بـ”تعاون تركيا مع تنظيم داعش في تهريب النفط”، ونفى وجود أي دليل يؤيد تلك الاتهامات، داعيًا روسيا إلى “التفاوض مع رئيس النظام السوري بشار الأسد، إذا كانت تريد بالفعل تجفيف منابع تمويل داعش، فهو أكثر شخص يستطيع خدمة الروس في هذا المجال”. كذلك فنّد المتحدث باسم حكومة إقليم كردستان العراق، “صافين ديزائي”، تلك المزاعم، ودحض مزاعم وزارة الدفاع الروسية حول “استخدام تركيا لخط زاخو (داخل الإقليم)- سلوبي (داخل تركيا)، لنقل النفط من تنظيم داعش إلى أراضيها”، مؤكّدًا أنّ الادعاءات الروسية بهذا الصدد غير صحيحة، وأنّ الإقليم يعرب عن أسفه حيال تلك الاتهامات، ومطالبًا موسكو بـ “مراجعة معلوماتها”.

وعلى العموم، فإن بوتين المتجه نحو الغرق في صراعات أوكرانيا وسوريا، لم يخفي أبدًا امتعاضه من عودة تركيا إلى الساحة الدولية، وسعى دومًا لربط الإسلام (السني) بالإرهاب، لإبقاء مسلمي بلاده تحت نير الخوف، فيما تعهد وزير خارجيته “سيرغي لافروف” في حديث لإذاعة “كوميرسانت اف أم” الروسية بعدم السماح “للمسلمين للسنة” بالوصول إلى الحكم في سوريا!.

لا شك في أن “قيصر موسكو الجديد” الذي يعاني من الرهاب الإسلامي (الإسلاموفوبيا)، سيعمل على زعزعة الأمن الداخلي في تركيا، من خلال دعم بعض المنظمات ذات الصبغة اليسارية المتطرفة، التي ربيت وترعرعت في حضن روسيا الأمس واليوم، إلا أنه يعلم علم اليقين أيضًا – من خلال عمله السابق في جهاز الاستخبارات السوفياتي – أن مسلمي بلاده الذين لم ينسوا بعد المذابح وعمليات التهجير والإبعاد التي ارتكبت بحقهم في الحقبتين القيصرية والسوفياتية، ينتمون بغالبيتهم الساحقة للأرومة التركية، وأن مسلمي روسيا الذين يشكلون الآن حوالي 20 % من عدد السكان (كأكبر أقلية عرقية ودينية)، يتعاطفون مع تركيا لأسباب دينية وتاريخية وإثنية. فضلًا عن أنه يعلم أيضًا أن تركيا التي حاول أن يخلط بينها وبين أوكرانيا، قادرة على حماية سيادتها وإعطاء الجواب المناسب لكل من تسوغ له نفسه خرق سيادتها، لذا سيستخدم “الهرطقات الإعلامية” من أجل مساعدته على كسب شريحة أغرقت نفسها في دماء السوريين والعراقيين ومهدت لظهور إرهاب داعش، واحتواء الرأي العام الداخلي في بلاده، ومن ثم بلع الصفعة التركية.

اقرأ:

من الصحافة التركية: مخاطر الأمن القومي.. إيران وروسيا