Archived: د. وليد البني: سوريا اليوم، واقع مؤلم هل نتعامل معه كما هو أم نسعى لتغييره؟؟؟

د. وليد البني: كلنا شركاء

في الأيام الأولى للتدخل الروسي في سوريا،  توقع الكثيرون أن هذا التدخل الذي سيغيِّر موازين القوى على الساحة السورية لن يبقى دون رد من قبل ما يسمى بأصدقاء الشعب السوري وخاصة بعد أن اتضح أن هدف القصف الروسي هو منع انهيار نظام بشار الأسد وضرب كل قوى المعارضة المسلحة التي تشتبك معه مباشرة، تلك القوى التي تضم الغالبية الساحقة من الفصائل المسلحة باستثناء داعش التي لم تتلق أية ضربات مؤثرة من قبل  الطائرات الروسية.

مرت الأيام ثم الأسابيع والآن دخلنا الشهر الثالث دون أية ردود فعل حقيقية ضد هذا التدخل من قبل القوى الإقليمية والدولية الداعمة للمعارضة السورية فيما خلا إسقاط تركيا لطائرة روسية اخترقت مجالها الجوي، والتي ومع الاسف أدت الى انكشاف ضعف التحالف المناهض لنظام الأسد، حيث لم تحظى تركيا بأي دعم حقيقي لا من قِبل حلفائها في الناتو ولا من قبل المحور الدولي الإقليمي الداعم للمعارضة السورية مما أعطى نتائج سلبية على المعارضة المسلحة،  حيث زادت روسيا من قواتها الموجودة في سوريا جويا وبرياً وبحرياً، وقامت بتقديم أسلحة أكثر تطوراً (دبابات ت٩٠) لقوات الأسد والمليشيات المتحالفة معها، وانتهى حلم المنطقة الآمنة التي طالما تحدث عنه أردوغان وحلم بهاللاجئون السوريون كمكان  يقيهم ذل اللجوء ويحميهم من الموت القادم من السماء.

إذا ما أخذنا كل ذلك بعين الإعتبار فإن روسيا وقوتها الجوية الضخمة أصبحت قوة أمر واقع في سوريا لايمكن تجاهلها ، كما أن  تحالفها الواضح والعضوي مع إيران ومليشياتها ونظام طاغية دمشق بقي ثابتاً دون أي تغيير ، رغم كل المراهنات من هنا وهناك على أن التدخل الروسي سيضعف الدور الإيراني في سوريا، إلاّ أن الإعتماد المتبادل بين الطرفين ( قوات برية إيرانية أو ميليشيوية مدعومة من إيران + قوات جوية وصاروخية متطورة روسية) لن يسمح بفك تحالفهما إلى أن تقرر روسيا ارسال قوات برية تقاتل الى جانب الأسد.   

اذا ما أخذنا كل هذه المعطيات بعين الإعتبار وخاصة بعد التقارب الواضح في النظرة الى الحل في سوريا بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وبين روسيا حول ضرورة استبعاد مناقشة مصير الأسد من أي مفاوضات قادمة والتركيز على أولوية مكافحة الإرهاب ، فما هي خيارات الشعب السوري المغيَٰب تماما عن دوائر القرار المتعلق بمصيره؟؟؟؟.

في الحقيقة هناك خيارين لا ثالث لهما :

١- القبول بالأمر الواقع والدخول في مفاوضات وفق الشروط الروسية المتوافق عليها مع إيران وغير المرفوضة من أمريكا والغرب على ما يبدو، والعمل بالتعاون مع الأصدقاء والأشقاء على تحسين شروطها ما أمكن، والتي وبحدها الأقصى ستكون بعيدة جداً عن توافقات مؤتمر الرياض الذي حاول أن يجمع ما لا يُجمع من خلال تشكيل هيئة تفاوض تضم كبار التشكيلات المقاتلة على الأرض ذات التوجه الإسلامي والسقوف المرتفعة جدا (جزء منهم سيصنف إرهابيا حسب التسريبات القادمة من موسكو وعمّان)  مع شخصيات دخلت المعارضة حديثاً ومع هيئة التنسيق وتيار بناء الدولة الذين قد يقبلون بما قد يطرحه الروس والأمريكيون عليهم دون تردد.  مما سيؤدي الى تفكك مجموعة الرياض وبالتالي تحُّول أي إتفاق ينتج عن  مفوضات فيينا عمليا الى إعلان حرب على هذه الفصائل ذات القوة والتأثير الكبير على الأرض ، أي عمليات عسكرية طويلة الأمد (للعلم تحالف دولي أكثر جدية لم يستطع القضاء على مثلها لا في العراق ولافي أفغانستان) ستجعل إمكانية الإستقرار وإعادة الإعمار في سوريا في المدى القريب والمتوسط غير متوفرة.

٢- عدم القبول بالأمر الواقع والدخول في تحدي للوجود الروسي والتحالف الاسدي الروسي الإيراني ومحاولة تحسين موازين القوى على الأرض لتحصيل نتائج أفضل في أي مفاوضات قادمة تجعل إمكانية استعادة الاستقرار والبدء بإعادة البناء في متناول الأيدي. وهذا يتطلب قراراً سوريا عربياً إقليمياً بالعمل على خلق قوى  معارضة مسلحة بعيدة عن التطرف والغلو تكون  أقدر على توحيد السوريين بمختلف مشاربهم وانتماءاتهم وتزويد هذه القوى بما يكفي من المال والسلاح حتى تتمكن من تعديل موازين القوى التي بدأت تميل بشكل ملموس لصالح المحور الروسي الإيراني . وهو أمر لن يكون من اليسير تحقيقه في المدى المنظور لكنه يبقى أحد الخيارات الممكنة.

لا أريد أن أبدو متشائماً لكننا كسوريين اليوم أمام خيارين أحلاهما سيبقينا سنوات في نفس هذه الدوامة القاتلة من الموت والدمار ، ما لم تبدأ حركة سياسية سورية عربية واعية وواقعية نحو  المجتمع الدولي لدفعه الى البحث عن حلول أخرى . فرغم مأساوية الواقع وتحول سورية الى ساحة حرب الكل يستخدمه لتحقيق استراتجيته الخاصة،  ما عدا السوريين الخاسر الأكبر والفاقدي القدرة تماما على التأثير فيما يجري، والعرب ودولهم التي لن تنجو  بالتأكيد من ارتدادات الزلزال السوري إذا لم يتحركوا وبسرعة لرص صفوفهم وتصفية خلافاتهم ووضع استراتيجة إنقاذ لأوطانهم تقي شعوبهم كارثة مشابهة لما يتعرض له الشعب السوري اليوم وخاصة مع استمرار السعي الإيراني لضرب استقرار المنطقة من خلال تغذية النعرات المذهبية داخل مجتمعاتها.

إن نجاح الروس والايرانيين في فرض شروطهم كما هي ستسبب الكثير من الإحباط والمرارة لشباب المنطقة وشعوبها والإحباط والمرارة وانعدام الخيارات تشكل الحاضنة الأكبر لنمو التنظيمات الإرهابية وتغذية الفكر المتطرف.