Archived: كيف سينتهي الاحتلال العسكري الروسي في سورية؟

دخلت المسألة السورية مُنعطفاً جديداً بعد الاحتلال العسكري الروسي في مجريات الأحداث هناك، حيث شنت القوات الروسية غارات جوية ضد أهداف مُعلنة في الأراضي السورية مع نهاية شهر سبتمبر 2015، وذلك بعد أن حصل بوتين على موافقة الكرملين لاستخدام القوة العسكرية خارج الحدود، تحت مبرر محاربة تنظيم الدولة، ودعم نظام الأسد في مواجهة “الجماعات الإرهابية” بحسب تعبير بوتين.

وفي سياق هذه التطورات الفارقة، وحدود أدوار الأطراف الفاعلة فيها، من الأهمية بمكان البحث في دوافع ذلك القرار الروسي، وتحديد المناطق التي ركزت عليها الضربات الجوية الروسية، مع مقارنة الاحتلال العسكري الروسي حالياً في سورية بالتجربة السابقة للاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وصولاً إلى الإجابة على تساؤل رئيس مفاده: متى وكيف ستخرج القوات الروسية من سورية؟   

إن القراءة الواقعية للمعطيات السائدة سواء في روسيا أو فيما يتعلق بمصالحها الاستراتيجية في سورية تحديداً وإقليم الشرق الأوسط بصفة عامة، تكشف عن أبعاد ودوافع تدخلها العسكري تقف وراء قرار بوتين بشن غارات جوية في الأراضي السورية، وتتمثل في الآتي:

–           تأهيل ميناء طرطوس ليكون قاعدة عسكرية روسية تنفيذاً للاتفاق الموقع بين الدولتين منذ عام 2008، فضلاً عن مساعدة النظام السوري في تأسيس مطار عسكري بالقرب من مطار اللاذقية المدني، وبدء العمل في إقامة قاعدة عسكرية روسية في مطار حميميم على بعد 22 كيلومتراً جنوب مدينة اللاذقية.

–          رغبة روسيا في مواجهة العزلة الغربية والضغوطات المفروضة عليه في السنوات الأخيرة، حيث أن تواجد روسيا مجدداً في سورية يعكس أنها ليست مجرد قوة إقليمية في أوروبا الشرقية ومنطقة القطب الشمالي فقط، ولكنها أيضاً فاعل دولي قادر على نشر قدراته العسكرية في مناطق أخرى بالعالم. وبالتالي، تحاول موسكو بهذه الخطوة تخفيف الضغوط التي تمارسها عليها الولايات المتحدة في مناطق الجوار الجغرافي الروسي المباشر ومنها أوكرانيا، وذلك عبر ضغط روسي مقابل في مناطق تمثل أهمية استراتيجية للإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، بما يُمكنها من فتح حوار مباشر تجاه جميع القضايا عبر التفاوض والمقايضة.

–           سعي موسكو إلى إعادة شبكة تحالفاتها الإقليمية في الشرق الأوسط والتي كانت قائمة إبان الحرب الباردة قبل أن تفقدها منذ عقود. كما أن ثمة مخاوف روسية من استبعادها عند إعادة رسم خريطة المصالح الاستراتيجية في هذه المنطقة الحيوية، لاسيما بعد الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب.

–           ممارسة ضغوط مباشرة على الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، وإقناعهم بالصيغة الروسية المتصورة لحل القضية السورية، ويدور مضمونها حول تأسيس حكومة انتقالية في سورية يكون بشار الأسد جزءاً منها لمواجهة مخاطر وتهديدات تنظيم الدولة.

–          منع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من القيام بأية خطوات من شأنها تحديد “مناطق محررة” في سورية وفرض حظر جوي عليها، حيث أكد نائب وزير الخارجية الروسي ومبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وأفريقيا بوغدانوف قبل أيام من الاحتلال العسكري في سورية أن بلاده ترفض إقامة منطقة حظر جوي فيها، بناءً على اقتراح تركيا، مُعللاً ذلك بضرورة احترام سيادة الدول.

خريطة التدخل الروسي 

في إطار تعزيز الوجود العسكري الروسي داخل الأراضي السورية، تدفقت العديد من الأسلحة من موسكو باتجاه دمشق، حيث تشير التقديرات إلى مشاركة أكثر من خمسين طائرة روسية في غاراتها الجوية بسورية، وتشمل طائرات مقاتلة وطائرات متعددة الأغراض ومروحيات. ومن أبرزها 28 طائرة من طراز “سوخوي سو 30 إس إم”، و12 مقاتلة من نوع “سوخوي 24″، و6 طائرات “ميغ 31″، بالإضافة إلى “صواريخ أي إس 22″، و”طائرات أي إن 124″، و”الصاروخ إكس 29″، و”المروحية مي 24″، فضلاً عن “دبابات تي 90” المتطورة.

وبتتع خريطة الغارات الروسية في الأراضي السورية منذ بدئها نهاية سبتمبر الماضي، يُلاحظ أن هذه الهجمات تتركز على ثلاث مناطق، هي:

–           محافظة إدلب الشمالية، بجوار المعقل الساحلي للنظام حول اللاذقية، حيث يبرز فيها نفوذ جبهة النصرة.

–           جنوب شرق اللاذقية في سهل الغاب ومناطق أخرى في محافظة حماة، لمنع المتمردين من الضغط على الساحل بشكل أكبر.

–          المناطق حول حلب، أكبر مدن سورية، حيث يتواجد تنظيم الدولة ومجموعات متنوعة من جماعات المعارضة والقوات الحكومية، حيث يبدو كاستعداد لهجوم كبير من النظام.

هل من أفغانستان أخرى؟

ثمة محددات تُرجح استبعاد سيناريو شبح تحوّل سورية إلى مستنقع أفغاني آخر. وتتمثل هذه المحددات في الآتي:

1.       تأكيد الرئيس الروسي بوتين على أن تدخل بلاده العسكري في سورية سيكون قاصراً على الضربات الجوية فقط دون أية عمليات برية، حيث قد تعتمد موسكو في الحروب البرية هناك على القوات النظامية السورية أو مليشيات تابعة لإيران و”حزب الله” دون توريط الجنود الروس في هذا الفخ، وتفادياً لما حدث في أفغانستان.

2.      اختلاف الطبيعة الجغرافية والطرق الممهدة في سورية عن التضاريس الحادة والجبال الوعرة في أفغانستان، وهي الظروف التي سهلت من استهداف القوات السوفيتية هناك.

3.      اعتماد روسيا على أسلحة ومعدات عسكرية ومقاتلات وصواريخ حربية ذات تقنية عالية في سورية، بما يضمن حسم الكثير من المعارك مع الجماعات المسلحة، وذلك على عكس المدرعات والمروحيات الأقل تطوراً والتي كان يسهل استهدافها في أفغانستان.

4.      تعد القاعدة الجوية الروسية المؤقتة في اللاذقية، ونقطة الدعم الفني والإسناد للبحرية الروسية في طرطوس، عاملان يسمحان لموسكو بإنشاء منطقة مغلقة فوق سورية والعراق وشرق البحر الأبيض المتوسط ليس على الإرهابيين فحسب، بل وأمام قوات الولايات المتحدة والناتو الجوية.

5.      صعوبة استمرار روسيا في حرب طويلة قد تنهكها في سورية مثلما حدث في أفغانستان، فموسكو تواجه أزمة اقتصادية عميقة في ظل هبوط أسعار النفط والعقوبات الغربية المفروضة عليها، كما أن نفقاتها العسكرية الحالية غير قابلة للاستمرار، ولا يمكن لروسيا أن تخوض حرباً ممتدة في كل من أوكرانيا وسورية في آن واحدة. 

استراتيجية الخروج العسكري 

لا شك أن روسيا تدرك تماماً أن إطالة وجودها العسكري في سورية ليس في صالحها، حتى لا تغرق في هذا المستنقع كما يتمنى خصومها. وفي ضوء الحسابات المُسبقة لبوتين وتقديراته الاستراتيجية لتداعيات ونتائج الخطوة التي اتخذها في سورية نهاية سبتمبر الماضي، من المرجح أن يكون لدى موسكو خطة للخروج عسكرياً من سورية في الوقت المناسب وبأقل الخسائر البشرية، وبما يحقق أكبر المكاسب السياسية والاستراتيجية التي تعكس دوافع وأهداف هذا الاحتلال العسكري. 

ووفقاً للمعطيات المتاحة، يمكن رسم ملامح الاستراتيجية الروسية المتوقعة في سورية على المدى القصير، كالتالي:

1.      محور الاستراتيجية الروسية: تتلخص استراتيجية الخروج العسكري الروسي من سورية وفقاً لأهدافها المحددة، في التوصل إلى حل سياسي للقضية السورية مع الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، حيث تراهن موسكو من خلال عملياتها العسكرية في سورية على فرض وقائع معينة في سياق المسألة السورية، ومن ثم التفاوض بشأنها، حتى لو أدت المفاوضات إلى تنازلات مشتركة من قِبلها وقِبل الأطراف المواجهة لها، لكن حينها تكون قد فرضت نفسها لاعباً مُؤثراً ليس في سورية فقط، وبل على مستوى المنطقة كلها في ظل تشابك الملفات بها.

وبناءً عليه، يمكن توصيف الضربات الجوية الروسية الحالية في سورية بأنها عملية محددة الزمان وتستهدف مناطق بعينها، لتحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، وفي مقدمتها إمساك موسكو بدفة إدارة الصراع في سورية وتوجيهه بما يناسب المصالح الروسية، ودون توريطها في صراعات بعيدة المدى على شاكلة تجربتها المريرة في أفغانستان.

2.      متطلبات التنفيذ: من الواضح – سواء من حجم الاستعدادات اللوجستية أو الاستعجال الروسي في شن الضربات الجوية – أن عامل الوقت مهم لدى القيادة الروسية، حيث أنها تدرك أن طول الوقت قد يؤدي بالأطراف الدولية والقوى الإقليمية إلى إنتاج استراتيجيات مواجهة تؤدي إلى إغراق روسيا في و”حل” القضية واستنزافها، وهو ما لا ترغب فيه موسكو.

ولذلك، يتعين على روسيا التحضير للحل السياسي بموازاة حملتها العسكرية. وفي هذا الصدد، ثمة أنباء عن أن موسكو تجري بالفعل لقاءات بعيدة من الأضواء مع المعارضة السورية، على الرغم من موقفها العلني السلبي من الائتلاف الوطني السوري المعارض، تحضيراً لصيغة هذا الحل. كما حرص الرئيس بوتين على لقاء القادة الخليجيين، حيث استقبل في شهر أكتوبر كلاً من ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد في مدينة سوتشي الروسية، بهدف تطمين القادة الخليجيين أنه لا يخوض حرباً ضد السنة في سورية، والبحث أيضاً عن مخرج لهذه المسألة.

3.       التوقيت المتوقع للخروج: وفقاً لتوقعات “مؤسسة ستراتفور” الأمريكية المتخصصة في الاستخبارات، فإن روسيا لن تتحمل نفقات العمليات العسكرية لقواتها في سورية لأكثر من أربعة شهور، لافتةً إلى أن تكلفة الغارات الجوية العسكرية تبلغ نحو مليوني دولار يومياً على الأقل، كما أن إطلاق صواريخ كروز من السفن الروسية في بحر قزوين إلى أهداف في سورية يُعد أمراً مكلفاً، إذ تبلغ تكلفة إطلاق الصاروخ 30 مليون دولار على الأقل. ويُضاف إلى ذلك، أن روسيا بحاجة إلى إنفاق 500 مليون دولار على الأقل للتأسيس اللوجيستي لقاعدتها العسكرية في سورية.

وتأتي هذه التقديرات في الوقت الذي يتوقع فيه صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الروسي بنسبة 3.8% العام الجاري بسبب تدني أسعار النفط، والعقوبات الغربية على خلفية التدخلات في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم.

وبالتالي، فإن أية زيادة في حجم الإنفاق العسكري الروسي يُعمق جراح اقتصاد البلاد المُحمَّل أصلاً بنفقات دفاعية تتجاوز خُمس الموازنة على حساب التعليم والصحة وغيرها، علماً بأن حجم الإنفاق العسكري الروسي بلغ 84 مليار دولار في العام الماضي مقابل 610 مليارات في الولايات المتحدة، من دون حلفائها الإقليميين والدوليين. ولهذا فإن مرابطة القوات الروسية وتثبيت حضورها في سورية يُعد مكلف جداً، وليس في مقدور الكرملين الاستمرار في ذلك أكثر من أربعة شهور طبقاً للتقديرات.

تحديات إنهاء الاحتلال العسكري

لا شك أن الاستراتيجية الروسية المتوقعة للخروج العسكري من سورية بالكيفية والوقت المحددين من قِبل القيادة في موسكو، ستواجه تحديات قد تعوق تنفيذها وفقاً لما قد يكون مخططاً، منها:

–          عدم قدرة روسيا على إرغام الفصائل المعارضة السورية الاستسلام، بل قد تستطيع هذه الفصائل التكيَّف مع المُستجدات الميدانية وصد الهجمات الروسية، خاصةً في ظل الدعم العسكري المتوقع أن تحظى به الفصائل المعارضة المعتدلة عبر بعض الأطراف الإقليمية الرافضة للتدخل العسكري الروسي في هذه الأزمة، وأيضاً الراغبة في الإطاحة بنظام الأسد.

–          إمكانية توحد تنظيم الدولة وجبهة النصرة ضد الضربات الروسية، إعمالاً لمبدأ “عدو عدوي صديقي”. بل وقد يبث التنظيمان رسائل استنفار لجذب متطوعين من بلدان أخرى لقتال القوات الروسية، وذلك على غرار نموذج الحرب السوفيتية.

–          تعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين في سورية، وسط استقطاب الحرب هناك للعديد من الحركات والجهات للاقتتال بالوكالة على الأرض السورية، ما يُصعَّب من مُهمة القوات الروسية وخروجها بشكل آمن بعد تحقيقها للأهداف الموضوعة مُسبقاً.

وفي ضوء هذه التحديات، قد تتجنب الولايات المتحدة القيام بأي رد فعل مباشر وغير محسوب ضد الغارات الروسية، لكنها – عوضاً عن ذلك – قد تنتهج ما يُسمى “الصبر الاستراتيجي”، بمعنى إنهاك قوات بوتين في الحرب السورية الطاحنة، وتركها تتكبد الخسائر على غرار ما حدث في أفغانستان.

ختاماً، تبقى فرص نجاح الاستراتيجية الروسية في سورية متوقفة على مدى تطابق حسابات ورهانات موسكو في تحركاتها العسكرية مع الواقع، وقدرتها على بناء عملية تفاوضية في التوقيت الذي تعتقد فيه أن الظروف صارت ملائمة لذلك، فضلاً عن أهمية امتلاكها خيارات وبدائل أخرى في حال خرجت الأمور عن سياق تصوراتها لإدارة الحرب السورية. وهذا ما ستكشف عنه تطورات الأحداث في سورية خلال الشهور القليلة القادمة.

السورية نت

تاريخ النشر من المصدر:  13/ 12/ 2015 المصدر:  أحمد عاطف- المركز الإقليمي للدراسات