Archived: عارف حمزة: مع عائلة حمصية في هامبورغ المحتلة

عارف حمزة: فيسبوك

من سوء حظ أحدنا أن يذهب إلى مطعم “باطمان” التركي / الكردي في هامبورغ ؛ لكثرة رواده من جهة ، ولأن طعامه “حلال” من جهة أخرى . و أنا ذهبت اليوم في وقت الذروة لتناول سندويشة مع كأس عيران.
كانت الطاولات مشغولة . وكان هناك الكثير ممن يأكلون على الواقف . المهم . رأيت طاولة يجلس إليها رجل و زوجته المحجبة و ثلاث صبايا ، واحدة منهن محجبة ، و شاب يقترب من العشرين بخطى متعثرة . وكان يوجد كرسي فارغ عند طاولتهم . ذهبت إليهم و سألت الرجل بالألمانية و أنا أضع يدي على الكرسي و أحمل باليد الأخرى الصحن الذي عليه السندويشة و كأس العبران :
Ist frei ?
بمعنى هل هذا فارغ . أي لا يوجد له جليس أو صاحب . فتأتأ الرجل بكلمات لم تبدو مفهومة . فقلت له شكرا بالألمانية ” Danke” وجلست . و صرت آكل دون أن أنظر إليهم .
الأتراك كثيرون في ألمانيا . و الكثير من نسائهم محجبات . لذلك ظننتهم أتراكا” . ولكن بعد لحظات قال الرجل لعائلته: شفتو ؟ لو كنا نعرف ألماني كان قلنالو هذا الكرسي محجوز منشان ما يقعد معنا . وعندها عرفت من لهجتهم ، التي جعلت الطعام شهيا” أكثر ، أنهم سوريون ومن حمص .
بعد كلام الرجل بلحظات جاءني اتصال من صديقي الألماني غيرهارد فتحدثت معه بالألمانية طلعا” و أنهينا المكالمة و العائلة تنصت لتحطم آلات ميكانيكية بسبب ثقل تلك اللغة .
الفتاة المحجبة قالت للتي بجانبها : لعمش . عم ياكلوا متلنا ؟ فردت الأخرى : طبعا . هنن بشر متلنا . كيف بدك ياهن ياكلوا يعني ؟ . فقالت المحجبة: لك مش قصدي هيك . قصدي انو ياكلوا لحم حلال متلنا !! . فقالت الأم : لك خلاص رح تفضحونا. خلو الزلمة يأكل و يحل عن سمانا ! . قالت الفتاة الثالثة : ملاحظبن كيف سنديشتو معبايي كتير لحمة ؟ هذا لإنو ألماني ها لهيك داعمينو.
في هذه اللحظة أنا مثلت عليهم أنني غصيت بلقمة الأكل ، و كحيت بقوة . و شربت عيران . قالت المحجبة : يا ويلاه من عيونك . كنت رح تقتليه للزلمة.
نظر الرجل إلى الفتيات و قال لهن : لك شبكون؟ حاج تحكوا . رح يخلص لقمتو و ينقلع من هون . الله ياخذوا !! وأنا طبعا ابتسمت في وجهه دون أن أتكلم كأي ألماني سينقلع بعد قليل …
جاء صاحب المطعم الكردي و سلم علي و تحدثنا قليلا بالكردية قبل أن يتركني مبتسما ويذهب إلى عمله . هنا قال الرجل لعائلته : لك شو هالللغة هاي ؟ بحياتنا ما رح نتعلم ألماني . بحياتنا ها .
نظرت إلى الرجل و قلت له : عمو . هاي اللغة اللي حكينا فيها أنا والزلمة كردي مو ألماني . انصعقت العائلة و أنا أحدثها بالعربي . و لم أسمع سوى صوت الأم وهي تقول بصوت خفيض: ولي ولي ولي . أما الفتيات و الشاب العشريني الصامت فدفنوا عيونهم في الوجبات التي بردت بسرعة غريبة ..
وضع الرجل يده على ركبتي و قال بتضرع: منشان الله لا تواخذنا عمي . قلت له : أنا خلصت عمي و خلص رح انقلع! ! . فانهار الرجل وصار يقول : لك أخي يستر على حريماتك لا تواخذنا . والله فكرناك ألماني أصلي ….
وذهبت مثلا”
بس شبعت بشكل غريب … كنت أريد أن أقول لهم : ورك قربان ولاد البلد … باللهجة المردلية القاتلة … ومضيت …