on
Archived: د. عاصم قبطان: السلطة في واد و الشعب في واد
د. عاصم قبطان: كلنا شركاء
أصبح من الواضح بدون لبس أننا نحن الشعوب و أولئك الحكام و رغم كل الادعاءات و المواقف تائهون و نائمون و ضائعون ، كنا نصفق للإنقلابات المتوالية التي انطلقت جميعها و في كامل العالم الثالث كردة فعل على الاستعمار الذي كان عليه أن يحمل عصاه و يرحل إلى غير رجعة ، و لم ندرك أنه رحل من الباب ليدخل من الشباك ، و في منطقتنا كنا نصفق للإنقلابات التي كانت تنطلق من أجل الثأر و محاسبة المتسببين بضياع فلسطين و الخيانانات و الأسلحة الفاسدة و ماكو أوامر إلخ ، لنتعلق بالقادم الجديد من حكم العسكر ، إلى المرحلة التي وصلت الصفاقة ببعض رموز المجتمع إلى الدعوة لتقبيل البوط باعتباره علامة التحرر و الانعتاق .
نعم في الظاهر جميع الانقلابات التي تواترت على المجتمعات المختلفة في العالم الثالث جائت لتقضي على أحلام الديمقراطية و المواطنة الحقيقية التي كان يحلم بها البسطاء ، هؤلاء الذين كانوا يلهثون وراء كل انقلاب آملين في تحقيق أحلامهم في الرخاء و العيش الحسن لينتهوا بعد ذلك إلى سراب يعقبه إنقلاب آخر ينتقم لأمانيهم التي سرقت و كرامتهم التي أهدرت و حريتهم التي سلبت ، لتتكرر المأساة من جديدة ، و تحدث انطلاقة جديدة تملئ فيها الجيوب و يزداد من نتائجها و يترسخ الفقرو الجهل و الفساد أكثر من ذي قبل ، لم يكن أحد من البسطاء ليدري أن القوى الخارجية ، هي التي كانت تخطط و تنفذ و تخلق الأبطال و الملهمين و الحماة و الكماة الذين تعقد على سواعدهم الآمال .
البسطاء من هذه الشعوب لم يكونوا على وعي و دراية بأن ما كان يخطط لهم و لأوطانهم هو إيجاد شرخ حقيقي لا بل إيجاد عداءٍ حقيقي خلال المستقبل المنظور لا يمكن التئامه ما بينهم و بين العسكر الملهمين الذين سيحققون آمالهم الضائعة في متاهات الأفكار الثورية و النظريات العقائدية و الانتماءات الدينية و على هذا الصعيد كانت الولادات المتوالية لهذه التجمعات و التيارات و الأحزاب ، كان دائما من متطلبات البقاء لمتربعي السلطة و ما زال الإكثار لا بل التشجيع على تفريخ هذه البنى و ضربها ببعضها البعض و أحياناً العمل على اختراقها و تصنيع قيادات جديدة ، و الذي لا يقبل ليس أمامه سوى القتل أو التغييب أو ركوب البحر إلى المجهول .
قد يكون الاسترسال في الحديث دون جدوى إلى درجة الملل ، و لكن أين كانت النتيجة ، أن غالبية الذين تصدوا لقيادة المسيرة في هذا العالم الثالث من خلال الانقلابات التي قاموا بها انتصاراً لإحساسهم بالمعاناة التي كانوا يعيشونها مع شعوبهم من الجوع و القهر و الاستلاب ، كانوا خلال فترات قصيرة في عمر الزمن يتيهون دون أن يعلموا في مراكز تأهيل افتراضية هيأتها لهم القوى الخارجية ، لتفصلهم عن التربة التي انطلقوا منها ، و تؤجج فيهم الشعور بالفوقية بأنهم فوق مستوى البشر و أن بإمكانهم صياغة النظريات لحل مشاكل العالم كما تفضل علينا الراحل معمر القذافي في كتابه الأخضر و أنهم وحدهم القادرون على قيادة المسيرة و حل المشاكل المستعصية في الداخل و الخارج و أنهم أصحاب قرار و لم يدروا أنهم كانوا بقصدٍ أو بدون قصد يقعون في مناطق النفوذ و يفقدون استقلاليتهم و إرادتهم ليصيحوا أداة في يد القوى الدولية و الاقليمية .
لقد استطاعت القوى العاتية الخارجية أن تدجن تلك الزعامات التي صُوِرَت على أنها وطنية في العالم الثالث بمواقفها المعلنة و تجعلها تنفذ أهدافها و تسير في ركابها بشكل مباشرٍ أو غير مباشر ، و كان لابد لهذه الزعامات من اعتماد القوة و القمع و حتى القتل للتمكن من بناء الوطن الذي تريده بمنظارها ، و لو كان ذلك على حساب الحريات و المواطنة ، و الأمثلة كثيرة في العالم الثالث من إندونيسيا إلى الباكستان و بنغلادش و العراق و ليبيا و الجزائر و تونس و غيرها كثير قد يضيق المجال عن تعدادها .
إلى أين وصلت الشعوب و الحكومات في النهاية وهو ما خُطِطَ له ؟ ، وصلت إلى الافتراق الكامل لقد أصبحت السلطة و المستفيدين في واد و الشعب في واد و فقدت المصداقية إلى الأبد بعد أن تشوهت و أزهقت النظرية التي تؤكد أن السلطة في خدمة الشعب إلى النظرية الحقيقية الواقعية وهي أن الشعب في خدمة السلطة .
اقرأ:
د. عاصم قبطان: مراجعات حقيقية و تغليب المصلحة الوطنية