on
Archived: إيلاف قداح : لماذا دوما دوماً؟
إيلاف قداح :كلنا شركاء
يتساءل زملائنا الصحفيين العرب المهتمين و المتابعين للثورة السورية منذ قرابة السنتين وحتى يومنا هذا عن أمور عدة لازالت غير مفهومة أو موضحة بما فيه الكفاية بالنسبة للرأي العام العربي, ومن ضمن تلك الأسئلة التي وجهت لي شخصيا ذات يوم لماذا مدينة دوما الواقعة على أطلال دمشق ترتكب فيها المجازر اليومية والمتكررة ضد المدنيين؟
الحيرة التي شغلت زملائنا العرب اعتقد أنها تشغل عقول الكثير من السوريين في جلساتهم اليومية مرددين مثل هذه الجمل التعجبية “إذا قصفت الطائرات الاسرائيلية مواقع لحزب الله في القنيطرة أو ألوية الصواريخ التابعة لقوات الأسد في القلمون أمر بشار طياريه بقصف دوما, وإذا قررت تركيا إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري رفع الأسد الابن هاتفه ليخبر أحد جنرالاته بحتمية اسقاط عشرات البراميل على رؤوس سكان دوما, وإذا الغت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التعامل باتفاقية “دابلن” وسمحت لألاف اللاجئين السوريين بدخول المانيا و الإقامة فيها استشاط غضب رأس النظام و دعا مرتزقته الطائفيين لنهش لحم أطفال دوما, وإذا تقدم الثوار في سهل الغاب أو ريف اللاذقية أو بقايا قرى ادلب أصدر الأسد قرار بإبادة دوما , واذا أوقعت تركيا طائرة روسية رد بوتين بحرق دوما و إذا تبنت داعش تفجيرات الضاحية الجنوبية لبيروت اوعز نصر الله لميليشياته بضرورة إطباق الحصار على دوما وإذا …. و إذا….. !!!!!!!!”
وللأهمية بمكان شرح بعض التفاصيل التي قد تغيب عن أذهان المتابعين لعل أبرزها أن أحياء مدينة درعا المحررة (( درعا البلد – طريق السد – المخيم)) و مدينة دوما هي أكثر مناطق تعرضت للقصف منذ بداية الثورة السورية حيث لا يكاد يخلو يوم واحد من قصفها بشتى أنواع الأسلحة المحرمة دوليا.
ولرمزية أحياء مدينة درعا باعتبارها “مهد الثورة السورية” فلن أدخل في أسباب قصفها اليومي فهو أمر شبه واضح لأي سوري أوعربي, أما بالنسبة لكم الحقد اللامتناهي على دوما فهناك سلسلة من الدوافع أفصّلها وفقا لما لدي وما جمعته من معلومات .
بداية تعتبر دوما مركز ثقل غوطة دمشق الشرقية باعتبارها أكبر مدنها (كان يقطنها قرابة 800 ألف نسمة) , كما أنها تعد أول المناطق التي دعمت متظاهري مدينة درعا وحولت أنظار العالم من احتجاجات بسيطة يقوم بها بعض شبان حوران إلى ثورة شعبية لكل السوريين على امتداد الجغرافية السورية.
وكانت دوما مركز لكبرى تجمعات المظاهرات السليمة في دمشق وريفها و خرجت من مسجدها الكبير أكبر مظاهرة للاعتصام داخل ساحة العباسيين بقلب دمشق,الأمر الذي هزّ عرش الأسد وجعله يشعر بخطورة عدم السيطرة على العاصمة, فيما ساهمت المدينة أيضا في تعرية جرائم النظام ونقلها للعالم من خلال ضمها لعشرات الصحفيين والاعلاميين والناشطين واستقبالها لعشرات المنظمات ولجان التحقيق الدولية ووسائل الإعلام العالمية .
خلال انتقال الثورة من السلمية إلى المسلحة شكلت دوما نقطة تجمع للجيش الحر والثوار والمنشقين عن جيش الأسد نظرا للتعاطف الكبير من قبل الحاضنة الشعبية ورفضها لتسليمهم أو الاستسلام أو عقد الهدن , ما جعل المدينة عصية على اقتحامات قوات النظام وميليشياته, ومن جانب آخر عمد النظام إلى إطباق الحصار على المدينة لتواجد كبار تجار دمشق داخلها وتأييدهم لثورة ودعمهم للكتائب الاسلامية بالكثير من الأموال وخاصة جيش الاسلام الذي يقوده زهران علوش.
ومن الدوافع غير المعلنة أيضا أن جميع سكان مدينة دوما مسلمون سنة وهو ما يعكر صفو ملالي طهران, الذين يسعون يوميا لتهجير سكان المدينة و المناطق المجاورة في الغوطة الشرقية ما يسمح بتطبيق المشروع الإيراني “سورية الصغرى” و جلب سكان شيعة بدلا عنهم لتأمين أطراف العاصمة واحداث التغيير الديمغرافي المطلوب.
ما يجري في مدينة دوما هذه الأسابيع من تصعيد غير مسبوق واستشهاد نحو 700 مدني خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وما رافقه من صمت دولي مطبق ليس وليد الصدفة, انما هو استكمال مشروع تقسيمي يسعى لإفراغ دوما و مدن الغوطة الشرقية من قاطنيها بالتزامن مع خطة مشابهة في الغوطة الغربية وخاصة داريا والمناطق المحيطة بها لجعل ما تفوه به الأسد في أحد خطاباته عن “سوريا المفيدة” أمرا واقعا و تقسيم سوريا الى خمس دويلات ليس بالشيء المستبعد.