Archived: كاونتربنتش: من العراق إلى سورية.. تكرار الكارثة

جون وايت- كاونتربنتش: ترجمة عبد الرحمن الحسيني- الغد

جاء إثبات أن الطبقة السياسية البريطانية لم تتعلم أي شيء بعد غزو العراق بتأكيد ديفيد كاميرون المثير للضحك بأن هناك حوالي 70.000 ثائر معتدل يقاتلون في سورية. كان ذلك فبركة مباشرة ترقى إلى ملف بلير الملفق عن أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين، والتي أكد رئيس الوزراء البريطاني في حينه، أنها قد تُطلق على بريطانيا في غضون 45 دقيقة.
نحن نعرف أن ادعاء كاميرون لا يعدو كونه نسج خيال صرفاً، لأنه في وقت سابق هو العام 2012، أنتجت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية تقريراً استخبارياً سرياً عرّف أن “السلفيين والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة في العراق هم القوى الرئيسية التي تحرك التمرد في سورية”. كان هذا قبل عامين كاملين من انفجار مجموعة الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في عموم المنطقة عند بداية العام 2014.
جاء تأكيد رئيس الوزراء البريطاني كجزء من محاولة تصبح يائسة على نحو مطرد منه ومن مؤيديه لكسب الدعم لتوجيه ضربات جوية بريطانية في سورية، والتي يتفق كل خبير عسكري على أنه لن يكون لها تأثير يستحق التقدير، عندما يتعلق الأمر بإلحاق الهزيمة بمجموعة “داعش” في سورية.
ليس هناك أي شك في أن سحق هذا التهديد يجب أن يكون الأولوية لدى كل الناس الذين يفكرون تفكيراً سليماً، مع السؤال الوحيد حول كيف يتم ذلك وليس ما إذا كان يجب أن يتم. ويشكل ذلك أولوية تجعل من الابتعاد المدرك والتناقضات التي ميَّزت أعمال وسياسة الغرب إزاء النزاع في سورية أكثر إيلاماً، مؤكدين فقط أننا ساعدنا على إطالة أمد النزاع، ومعه تمكين “داعش” من العمل بدلاً من العكس. وفي هذا الصدد، فإن المساواة المتواصلة بين حكومة بشار الأسد العلمانية وبين عقيدة الموت من العصور الوسطى التي يعتنقها التنظيم ليست كاذبة وحسب، بل فاحشة جملة وتفصيلاً.
لا يمكن لكائن عاقل أن يعقد مقارنة بين الرئيس السوري وبين نيلسون مانديلا. لكن مقارنته بهتلر تظل أقل مصداقية. إنه يقود حكومة علمانية تُحفظ في ظلها حقوق الأقليات السورية وتتمتع بالحماية؛ حكومة ما تزال تتمتع بدعم غالبية السوريين ولا يمكن التفريق بين استدامتها في العام 2015 وبين استدامة البلد نفسه. والبديل عن الأسد في هذه النقطة -البديل الوحيد في الحقيقة- هو تحويل سورية إلى قبر جماعي للأقليات المذكورة، بينما ينحدر البلد إلى جنون القتل والذبح الجماعي الطائفي على نحو يجعل الوضع القائم يبدو مثل لعبة طفل مقارنة. يمكن التفاوض مع حكومة الأسد، بينما لا يمكن التفاوض مع “داعش”، وبقدر السوء الذي يراه فيه الجميع، فإن الأسد لا يفكر في زرع قنبلة على متن طائرة ركاب أو إرسال فرق إعدام لذبح السواح البريطانيين في تونس أو المدنيين في بيروت أو باريس أو أي مكان آخر.
إن نسبة أزمة اللاجئين للأسد أو الادعاء بأن أغلبية المدنيين الذين قتلوا إنما قتلوا على جيشه يأتي إلينا مباشرة من كتاب قواعد تغيير النظام. وقد سمعنا الدعاية نفسها خلال عملية التحضير للحرب على العراق في العام 2003، وأيضاً في عملية التحضير لتدخل قوات “الناتو” في ليبيا في العام 2013. ويعد البلدان راهناً دولتين فاشلتين نتيجة لتدخلنا العسكري.
سيرقى إلى مرتبة الجريمة التي لن يغفرها التاريخ ارتكاب الخطأ الكارثي نفسه مرة أخرى.
بينما قد يدغدغ اندفاعنا إلى داخل البلد العربي الثالث منذ 11/9 المشاعر التشرشيلية لدى الطبقة الحاكمة البريطانية، فإنه سيفعل القليل عندما يتعلق الأمر بإلحاق الهزيمة بمجموعة “داعش” ووضع حد للنزاع. وفي الحقيقة، وفي ضوء الحادثة الأخيرة المتمثلة إسقاط طائرتي “ف-16” التركيتين للمقاتلة الروسية، فإن المخاطر التي ينطوي عليها إلقاء الطائرات البريطانية في داخل ذلك الأتون واضحة تماماً. وإذا فشل الأميركيون، الذين ما فتئوا يقصفون “داعش” (هذا ما يداومون على قوله لنا على الأقل) في سورية للجزء الأكبر من العام في إحداث فارق يعتد به، فما الذي يجعل ديفيد كاميرون وداعميه من حزب العمال يعتقدون بأن قبضة من القاذفات المقاتلة البريطانية ستفعل أو تستطيع أن تفعل ذلك.
هناك حاجة واضحة لأن ينسق الغرب جهوده مع الروس والسوريين المنخرطين في الحملة الجوية والبرية المشتركة، التي يوافق كل خبير عسكري على أنها تعد الطريقة الوحيدة لتدمير “داعش”. ومع ذلك، فإن العمل العسكري ليس كافياً وحده. فمواجهة العلاقة الغامضة القائمة بين “داعش” وحلفاء الغرب في المنطقة هو أيضاً شأن غير قابل للمساومة.
ما تزال تركيا والعربية السعودية بشكل خاص في قلب دعم النزعات المتشددة القديمة التي تفجرت مؤخراً في شوارع باريس. وفي حالة تركيا، ومن دون أن تكون حدود تركيا السورية أشبه بباب دوار يعبره مقاتلو “داعش” ويستخدمه التنظيم لتمرير مواده وأسلحته، ما كنا لنصل إلى النقطة التي نوجد فيها راهناً. كما أنه لم يعد من باب الزعم الغريب القول إن تركيا وعناصر في داخل تركيا قد سهلوا بفعالية مسألة الاتجار بالنفط العراقي والسوري المسروق، والذي موّل به “داعش” عملياته وما تدعى خلافته. وهنا، يجب علينا إثارة السؤال عما إذا كان الدافع الفعلي لإسقاط تركيا النفاثة الروسية هو أن الضربات الجوية الروسية كانت قد بدأت استهداف قوافل الشاحنات التي تنقل هذا النفط باتجاه الحدود مع تركيا؟
بالنسبة للسعوديين، فإن التشددية ونزعة العصور الوسطى التي تميز “داعش” في العراق وسورية لا تفترقان كثيراً عن نسخة العقيدة السنية التي تشكل دين الدولة. ولعل المسألة الرئيسية في هذا الموضوع هي أن نسخة الإسلام السني هناك أفضت إلى تطبيع وشرعنة الطائفية. وقد استخدمت دول في الخليج أموالها النفطية لتمويل بناء مساجد ومشاريع أخرى في عموم العالم الإسلامي، كل ذلك كان بهدف تأكيد هيمنة هذا الشكل المتطرف الحرفي من الإسلام السني بشكل خاص. ويجب الآن تحدي هذا النفوذ.
إلى أن تبدي بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما من الحكومات الغربية رغبة في التعامل مع دور كل من تركيا والدول السنية المتشددة في تكريس هذه الأزمة، فإنها لن تكون جادة عندما يتعلق الأمر بإلحاق الهزيمة بمجموعة “داعش” والموضوع الأوسع المتعلق بالإيديولوجية التي تحركها.
أما بالنسبة للمعتدلين الـ70.000 الذين يقاتلون في سورية، فإن المكان الوحيد الذي يمكن إيجادهم فيه هو في أوساط الجيش العربي السوري غير الطائفي، والمكون من علويين وسنيين ودروز ومسيحيين يقاتلون دفاعاً عن منازلهم وشعبهم وبلدهم.

اقرأ:

من الصحافة الإيطالية: المليشيات والسياسة الدولية تضيع العراق وسوريا