on
Archived: د. حبيب حداد: هل هناك نهاية قريبة للمأساة السورية
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
المجتمع الدولي هذه الأيام ,بأطرافه المؤثرة في منطقتنا ,أصبح معنيا واكثر من اي وقت مضى,بضرورة وضع حد للمأساة السورية . هذه مسألة لا يمكن ان يجادل فيها اثنان اذا ماتفقنا على ان استمرار الوضع السوري في التدهور والتعقيد انما تحمل انعكاساته اشد المخاطر واوخم العواقب على اوضاع المنطقة كلها هذا من جهة ,كما ان امتداد نيران الارهاب الذي لم يعد يستثني اي بلد في عالمنا ,قد جعل مواجهة هذا الخطر الداهم تحظى بالأولوية في اهتمامات المجتمع الدولي من جهة أخرى.
الشعب السوري بلا شك يتابع باهتمام بالغ الجهود الدولية المتواصلة في هذه الفترة التي وضعت المسألة السورية في مقدمة اولوياتها وخاصة لقاء فيينا الأخير,الذي شاركت فيه جميع الدول المعنية بالشأن السوري, والنقاط التسع التي توافق عليها والتي تشكل من وجهة نظرنا الاطار العام للحل السياسي التفاوضي ,هذا الاطار الذي لا بد من استكمال توضيح مضمونه وتحديد طبيعة مهامه الانتقالية استنادا الى بنود وثيقة جنيف1 والذي يؤمل ان يتحقق ذالك في لقاء هذه الدول القادم في نيويورك في الثامن عشر من هذا الشهر. و بين هذين اللقاءين كما اصبح معلوما تستعد اطراف عديدة من المعارضات السورية المدنية والعسكرية لعقد مؤتمر لها في الرياض بهدف التوافق على رؤية موحدة من الحل السياسي التفاوضي واختيار هيئة تمثلها في التفاوض مع وفد النظام اذا ما تهيأت الظروف المناسبة لانعقاد جنيف 3 في المستقبل القريب.
كيف ينظر المواطن السوري الى مثل هذه التحركات والمبادرات بعد انقضاء خمس سنوات على انطلاقة ثورته التي جسدت اهدافه المشروعة في الحرية والكرامة والحياة الديمقراطية السليمه ؟ وما أعقب ذلك من انحراف مسار هذه الثورة بفعل عوامل محلية واقليمية ودولية اصبحت معروفة للجميع,لتأخذ اليوم في طابعها العام ابعاد حرب اهلية عبثية تهدد في حال استمرارها تدميرما تبقى من سورية الدولة والمجتمع والتاريخ ؟؟؟ المواطن السوري في الداخل وفي بلدان اللجوء والشتات يتابع هذه التحركات والمبادرات بأمل كبير آملا ان تتمخض عن خطوات واجراءات عملية على ارض الواقع تضع حدا للمحنة التي يعيشها شعبه منذ سنوات وتضع في الأن نفسه قطار الحل السياسي الوطني التفاوضي على السكة الصحيحة .
السوريون اليوم بعد رحلة المعاناة المصيرية التي قطعوها طوال السنوات الخمس الماضية يدركون بحسهم العفوي ويقيمون بوعيهم العقلاني طبيعة وجدوى مختلف التطورات والخطوات التي تتخذ على الأصعدة المحلية والاقليمية والدولية فيما يتصل بقضيتهم الوطنية ويحكمون على ما قد يتمخض عنها من نتائج ايجابية أو سلبية . هكذا يسترجع السوريون اليوم تجارب المعارضات الوطنية في الداخل والخارج التي فشلت في توحيد رؤيتها وبرنامج عملها خلال المرحلة الانتقالية كما فشلت حتى الآن في توحيد مواقفها تجاه طبيعة الدولة التي تسعى لتاسيسها والتي تستجيب لارادة الشعب السوري في مواكبة مسار العصر .هذا هو السبب الأساس من وجهة نظرنا في دفع الثورة خارج مسارها الشعبي السلمي وتشويه هويتها واجهاض مطالها وجعلها عرضة لهيمنة الأجندات الخارجية عليها ووصول الأوضاع في الاقليم كله الى ما هي عليه الآن . لقد اتسمت المرحلة الماضية فيما يتعلق بالمعارضات الوطنية الديمقراطية السورية باستمرار حالة التشرذم والانقسام والتناحر والتسابق على الانخراط في أجندات الدول الخارجية ,وكانت نتيجة ذلك كما هو متوقع تغليب التناقضات والخلافت الثانوية على التناقض الرئيسي الذي يستوجب توحيد مواقفها وجهودها تجاه مهمة الانقاذ والخلاص الوطني . تلك كانت الحصيلة التي لا يمكن ان نغفل , ونحن نقر بها , التذكير بتلك الخطوات الايجابية التي انجزتها المعارضات السورية سابقا في مجال توحيد رؤيتها وارادتها في العمل المشترك ويأتي على رأس تلك الخطوات الايجابية انعقاد المؤتمر الأول للمعارضة السورية في القاهرة بداية شهر تموز من عام 2012 وانعقاد مؤتمر القاهرة للمعارضة والشخصيات الوطنية من اجل الحل السياسي الوطني التفاوضي مطلع شهر حزيران من هذا العام ,وما نرجوه ونتطلع اليه ان يكون مؤتمر الرياض القادم استكمالا وتتويجا لهذين المؤتمرين السابقين من اجل توحيد قوى المعارضة الوطنية الديمقراطية السورية الحقيقية من جهة ومن اجل استعادة القرار الوطني المستقل من جهة ثانية ومن اجل التعامل مع مختلف اطراف المجتمع الدولي ,التي اصبح الحل بيدها ,بكل كفاءة واقتدار بما يستجيب مرحليا لمطالب الشعب السوري من جهة ثالثة .
نعم اذا كان حل الأزمة السورية في الوقت الراهن قد اضحى بيد المجتمع الدولي ,فهذا لا يعني امكانية تمرير وفرض أي نوع من الحلول لا يرضى عنها الشعب السوري الذي ابكمت قعقعة الصراع المسلح المدمر صوته وغيبت الأجندات الدولية المتنافسة ارادته الحرة . والغريب والأدهى من ذلك كله ان تقاطع المصالح والاستراتجيات الدولية في منطقتنا, وفي المركز منها المسألة السورية, قد ادى الى توافقات يمكن الاستناد اليها لمصلحة شعبنا في انهاء نظام الاستبداد والإنتقال الى نظام ديمقراطي علماني بديل .تلك التوافقات التي جسدها لقاء فيينا الأخير والتي شكلت قاعدة التقارب بين الدول المعنية حول خطوات الحل السياسي الانتقالي والتي ينبغي ان تبدأ بالمطلب الملح والعاجل الذي يوقف عملية استكمال تدمير سورية وهو الوقف العاجل والشامل لهذه الحرب المجنونة التي باتت تشكل خطرا وجوديا على سورية والمنطقة كلها وعلى السلم والاستقرار العالمي . فهل تستطيع المعارضات السورية التي ستلتقي في الرياض بعد ايام ان ترتفع الى مستوى مسؤولياتها الوطنية وتكون عند حسن ظن شعبها فتتجاوز واقعها المتناحر والمتشرذم وتستوعب دروس الماضي ومعطيات الحاضر فتبدأ الخطوة الأولى الصحيحة على طريق الخلاص الوطني ,كي تعود سورية وطن الأباء والأجداد وحلم اجيال الحاضر والمستقبل دولة الكرامة والعزة والمساواة لجميع ابنائها وجميع مكوناتها أي تمييز .وتعود كما عرفها تاريخ الانسانية القريب والبعيد مثالا حيا ورمزا ملهما لكل قيم الحضارة والتجدد والتقدم ولكل ما يعزز كرامة الإنسان .
اقرأ:
د. حبيب حداد: هل سيتحكم ميزان القوى الغاشمة بمصير سورية