on
Archived: ما بين خلع الحجاب وارتدائه قصص لسوريات تمردن على المجتمع
| كانت تراودني كثيرا فكرة خلعه، وبدأت علاقتي به تنفصل تدريجيا ولم أعد أشعر بأي صلة دينية تربطني به، ولربما الثورة جعلتنا ليّنين أكثر في قراراتنا |
القدس العربي-
أسفرت الثورة السورية عن حركة تمرد كبيرة في المجتمع السوري الذي عرف بأنه مجتمع محافظ، واعتبر البعض هذا التمرد بمثابة خرق لتقاليد هذا المجتمع، بينما عدّه آخرون ثورة حقيقية باعتبار أن التغيير الحقيقي يبدأ من المجتمع، واحتج هؤلاء بأنه طالما استطاع الإنسان الخروج من قوقعة قيود المجتمع بات حرا حينها، ولعل من أشد المظاهر التي تجلى فيها التمرد هو ظاهرة «خلع الحجاب»، وفي نظر عابدة المؤيد العظم، وهي كاتبة ومستشارة أسرية «أن الثورة حين تبدأ تركز على فكرة، أو مجموعة من الأفكار المعقدة، لكنها لا تركز عليها تحديدا إذ سرعان ما تتسع دائرتها مع مرور الأيام، باعتبار أن كل تمرد يطالب بفك القيد الذي يليه، ومع المطالبة بالحريات بات الأمر يطال الحجاب وفك القيود عليه، وهكذا بدأت الثورة على الحكام ثم على التقاليد والموروثات، ولعل خروج الناس من ديارهم إلى مدن أخرى ساهم في تلوين ثورتهم، بعدما رأوا من عادات غريبة تاقوا لتجربتها وحاولوا جاهدين الانخراط بها ووجدوا في ذلك فرصة للتخلص من الأعباء التي لم يكونوا مقتنعين بها»، بحسب ما قالت خلال اتصال مع «القدس العربي».
غالية الطيبي (26 سنة) إعلامية ومذيعة أخبار، كانت من الفتيات اللواتي خلعن حجابهن، وتروي غالية تجربتها في هذا الصدد قائلة «ارتديت الحجاب من عمر 16 سنة وكنت حينها مقتنعة بأنه فرض ديني، لكنني حاولت جاهدة التعمق أكثر بالبحث لاكتشف أنه غير مفروض، بل هو جزء من التقاليد التي ورثناها، ولم يذكر في القرآن كباقي الفرائض، وكانت تراودني كثيرا فكرة خلعه، وبدأت علاقتي به تنفصل تدريجيا ولم أعد أشعر بأي صلة دينية تربطني به، ولربما الثورة جعلتنا ليّنين أكثر في قراراتنا، في البداية خشيت المواجهة، خاصة أنني إعلامية ولي عشرات النشرات وأنا محجبة، إضافة إلى كون وجودي في مجتمع محافظ جدا، بدأت أخبر الجميع بقراري وقوبلت بردود محبطة أسفرت عن اعتكافي في المنزل خمسة أيام لأخرج عليهم وقد خلعت حجابي فعلا. اليوم وبعد سنتين ما زال الكثير يرفض قراري لكنني استطعت أن أكون كما أنا وأتخلص من قيودي، أذعن والدي وعائلتي لقراري، لكن الكثيرين ممن ينظرون إلي من خلال حجابي فقط دون شخصيتي انقلبوا علي».
أما تسنيم صوان (21 سنة) فتروي لـ«القدس العربي» تجربة خلع حجابها المعقدة، خاصة أنها من مدينة المعضمية المعروفة بأنها مدينة محافظة جدا «فرض علي ارتداء الحجاب وأنا في الثانية عشرة من عمري، عندما منعني والدي من الذهاب إلى المدرسة بلا حجاب، وفعلا حرمت يومها من المدرسة من قبل الكثير من أفراد عائلتي، في اليوم الثاني كنت الوحيدة في الصف ممن يرتدين الحجاب، لكني كنت أحس بأنه غريب عني ورافقني هذا الشعور حتى خلعته، كنت دائما أردد أمام أهلي أنني سأخلعه، خاصة عندما سافرت لتركيا لكنني أقابل بصدود، إلى أن تمكنت من تحصيل عمل مناسب وبدخل جيد مكنني من الاستقلالية، وعندها أخبرت عائلتي بذلك حاولوا توجيه النصائح لي، لكنهم بالمقابل احترموا قراري واحتووني، المشكلة لم تكن في أسرتي بل كانت في نطاق العمل الذي أعمل فيه، حيث طلب مني مدير الشركة أن أرتدي الحجاب وقت العمل باعتبار أن وفودا عسكرية من الجيش الحر في زيارات دائمة لنا، أخبرته بأنني قد أرتديه في أوقات هذه الزيارات فقط وليس طوال النهار إلا أنهم استمروا بمضايقتي حتى قررت السفر إلى السويد هربا من جميع هذه المضايقات، العجيب اليوم وبعد مرور وقت طويل على خلعي الحجاب ما زلت أتعرض لتهديدات بالقتل والتصفية من أبناء مدينتي، أنا أؤمن بأنه فرض ديني وأرفض كل من يشكك في ذلك لكنني حاليا على الأقل غير مقتنعة بارتدائه».
وتحكي أم عمر قصة ابنتها 16 سنة في ألمانيا، التي تمردت على أهلها بقرارها فما كان من الشرطة الألمانية إلا أن أخذت الفتاة من أهلها ووضعتها عند عائلة ألمانية تشرف على تربيتها، ولم تعد الفتاة لأهلها إلا بموجب تعهدات منهم بعدم التدخل بها أو إيذائها نفسيا أو جسديا.
تعددت هذه القصص وبعضهن بتن يرين أنفسهن أجمل بلا حجاب وكان لديهن الحرية في ارتداء ما يحبذن، وبعضهن وجدن أن للحجاب قدسية على الفتاة أن تراعي شكلها بذلك وتحترمه، فالمباحات للفتيات أمام المجتمع وهن غير محجبات تختلف عنها وهن محجبات، بعضهن خلعنه ليجدن فرصة عمل أفضل، وأخريات آثرن الاندماج بالمجتمعات الجديدة التي عشن بها خاصة الأوروبية منها، وشعرن بنقص داخلهن إثر نظرة أي أوروبي لهن على أنهن محجبات، على أن لدى بيان العدوي (28 سنة) متطوعة في فريق ملهم التطوعي نظرة مغايرة لذلك حيث تقول: «من حق الفتاة التي وجدت نفسها في مجتمع أوروبي أن تدافع عن تمسكها بحجابها، كما تدافع عن تمسكها بخلعه من دون خلق أعذار لمجاراة المجتمع الذي تقيم به، أما من يوجهن التهم للفتيات بأنهن لم يقدرن على خلع حجابهن بسبب كونهن ضحايا الموروث والتقليد فهذه تهم مردودة على أصحابها إذ أنهن أنفسهن لم يخلعن الحجاب إلا في مجتمع جديد، أنا شخصيا أعمل ميدانيا ولا أجد عائقا إطلاقا في ارتدائي للحجاب لأنه جزء من شخصيتي ومعتقدي الديني واستطعت أن أثبت نفسي، كما أنا، بغض النظر عن شكلي».
وخلافا للقصص التي سبقت فإن راما (26 سنة) مترجمة سافرت إلى السويد لها تجربة مختلفة مع الحجاب تقول «انحدرت من بيئة متحررة وكنت لا أرتدي الحجاب وتزوجت وأنا غير محجبة، ورغم أن أهل زوجي أيضا من بيئة متحررة كثيرا، اتخذت قرارا بارتدائي الحجاب عندما وصلت السويد، ومنذ عامين أقيم فيها لم أتعرض يوما لمضايقة أو أحسست بأني غريبة عن المجتمع الذي أعيش فيه، أما على نطاق العائلة فالجميع احترم قراري وكان هذا القرار نقلة نوعية في حياتي».
ترى عابدة العظم أن «الأهل يتحملون جزءا كبيرا من قرار بناتهن، والغضب والمقاطعة لن يجديا نفعا مع فتاة ناضجة، بل لا بد من الاحتواء، وحين تخلع الفتاة حجابها يكون الخطأ مشتركا ولا يمكن لوم الفتاة وحدها، لأن هؤلاء الأبناء هم في النهاية حصيلة مجتمع متكامل، وأحيانا تكون النصيحة صحيحة، لكنها إن طرحت بطريقة خاطئة أعطت نتائج سلبية، فإذا قابلت الفتاة أهلها بهذا القرار عليهم تحمله في فترة معينة فيتركونها تفعل ما تشاء ويحاولون التوصل للأسباب لأن بداية معرفة الأسباب هي مفتاح الحل، وإن كلموا فيها عواطفها وتقواها وعقلها ستعود يوما لما هي عليه». وتضيف: المجتمع أظهر الحجاب بمظهر العادة والتقليد، فبات الكثير من الفتيات يرتدين الحجاب تيمنا بأمهاتهن أو بضغط من آبائهن، وهن لا يعرفن لما هو وقد لا يصلين ولا يصمن، فكان ارتداؤه خوفا من العيب أكثر من الحرام، وآن للأهل أن يعرفوا أن الإجبار لا يكون فيه خير للمجتمع، لأنه في يوم من الأيام ستتمرد الفتيات على آبائهن ويتصرفن على هواهن، وهنا لا يمكن أن نعتبر خلع الحجاب فلتانا، بمقدار ما هو محاولة لتصحيح الأوضاع «من وجهة نظر الفتيات» وربما يمكن اعتبارها فقاعة سرعان ما قد تهدأ بعد أن جربن ما يحلو لهن، وقد تنتهي بخير إن أحسن الأهل التصرف معهن، الكثير من الجنسين يعودون لما ألفوه من عادات بعد سنوات بعد أن يتبين لهم الصحيح، ولا يخفى على أحد الأدلة القرآنية الموجودة في وجوب فرض الحجاب على نساء المسلمات جميعهن، بعكس ما يروج له أن لنساء النبي فقط، إلا أن مسؤولية الأهل تكمن في توجيه بناتهن له.
وتؤكد عابدة أننا في لغط كبير إزاء عدم وجود خطاب ديني اجتماعي حقيقي حتى اليوم، خاصة في ظل هذه الحياة الاجتماعية الصعبة، فبعض الدعاة ينفرون الناس من حيث لا يعلمون، فينهون عن المنكر ولا يأمرون بالمعروف، ويشددون على التحريم ومنع الشباب مما يحبون وتحريم الكثير من وسائل التسلية لديهم، كل ذلك قطع وجود صلة جيدة مع الشباب وأسفر عن ازدياد ظاهرة الإلحاد والتشكيك بينهم، ولم يعد الأمر يقتصر على خروجهم من التقاليد بل بات من الدين.