on
Archived: د. حبيب حداد: أي مستقبل تواجه مجتمعاتنا
د. حبيبب حداد: كلنا شركاء
المجتمعات العربية بصورة عامة اصبحت تمثل , ومنذ اربعة عقود على الأقل , وضعا استثنائيا متخلفا على صعيد المجتمع الدولي .انها الحقبة التاريخية المتواصلة حتى الآن بكل تحدياتها والتي دشنتها تطورات عالمية نوعية في مقدمتها :انهيار المعسكر الذي اصطلح على تسميته بالمعسكر الاشتراكي أو الشرقي وقيام نظام دولي جديد وحيد القطب تقوده الولايات المتحدة الامريكية وبقية الدول الراسمالية المتحالفة معها ,ودخول دول عديدة في القارات الثلاث وفي اطار الموجة الديمقراطية الثالثة في عملية بناء دول مدنية حديثة .وقد حدثت كل هذه التطورات العاصفة في سياق عصر العولمة التي كان اساسها ثورة المعرفة والمعلومات ووسائل الاتصال التي جعلت من العالم كله قرية واحدة من جهة , كما وأعلت في الوقت نفسه من شأن منظومة القيم الكونية الموحدة , قيم الحرية والعدالة والحداثة وحقوق الانسان الأساسية , وحق الشعوب في تقرير مصيرها وضرورة التصدي الفعال للأخطار المشتركة كالحروب والنزاعات الأهلية ومشاكل البيئة وتغير المناخ , والفقر والجهل والأوبئة وموجات الارهاب الذي تصاعدت حدته وشراسته مؤخرا والذي اصبح خطرا داهما يهدد وجود وقيم وحضارة كل المجتمعات الانسانية .
واذا ماتجاوزنا هنا كل تلك النظريات والمواقف التي طالعنا بها عدد من علماء ورجال السياسة الغربيين مثل صراع الحضارات ونهاية التاريخ , المتمثل حسبما ذهبوا بتكريس انتصار النظام الليبرالي الرأسمالي العالمي بصيغته الاستغلالية الحالية ,تلك النظريات التي ثبت بطلانها قبل ان يتراجع عنها دعاتها , فان مااتفق عليه الجميع هو ان هذه المرحلة اي مرحلة الانتقال من وضعية مضطربة ومؤقتة لنظام دولي تهيمن عليه دولة واحدة الى نظام دولي مستقر متعدد الأقطاب , نظام يتيح مساهمة افضل لمختلف اطراف المجتمع الدولي في تقرير مستقبله كما يعيد للأمم المتحدة دورها المطلوب للاضطلاع بمسؤولياتها التي يحددها ميثاقها , هي مرحلة حافلة بالأخطار والتحديات التي لم تشهد البشرية مثيلا لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . وهذا بالتأكيد ما شهده وما يزال يشهده العالم كله منذ ثلاثة عقود من تطورات وقلاقل واضطرابات عاصفة ومتداخلة الأبعاد على الصعد السياسية والفكرية والاقتصادية والعلمية والدفاعية سواء على مستوى الوضع الدولي او في نطاق كل بلد وخاصة تلك البلدان السائرة في طريق النمو .
في هذا المناخ العالمي المأزوم الذي يشهد اختلالا واضحا في ميزان القوى لغير صالح قضايا الشعوب العادلة في التحرر والاستقلال والتنمية المستقلة جاءت انتفاضات الشعوب العربية في كل من تونس ومصر وليبيا وسورية والعراق وغيرها … لتضع حدا لحياة القهر والتهميش والاستبداد ولتفتح امام هذه المجتمعات الآفاق لاستكمال عملية التحرر الشامل التي اجهضت باخفاق مختلف المشاريع والتجارب النهضوية التي اعقبت نيل الاستقلال الوطني عن السيطرة الاستعمارية المباشرة . لقد انطلقت انتفاضات ماسمي بالربيع العربي في وقت تأخر كثيرا عن سياق ما أحرزته حركة التحرر العالمي من انتصارات وانجازات في مناطق العالم الأخرى , وفي وقت اضحت فيه قضايا الأمة المركزية وعلى رأسها قضايا الوحدة العربية وتحرير فلسطين والأراضي والأقاليم المحتلة الأخرى ,والتضامن العربي والأمن الاقليمي الجماعي والعمل العربي المشترك ,اضحت كلها ابعد منالا وأصعب تحقيقيا بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال ابان فترة المد الوطني والقومي على امتداد خمسينيات وستينيات القرن الماضي .
في داخل تلك المجتمعات توفرت معظم الشروط الموضوعية لانطلاقة تلك الانتفاضات التحررية التي تأخر موعدها كما اسلفنا وكان العامل الأساس في تلك الانطلاقة ان الشعوب العربية أيقنت بوعيها السليم ,الذي تكون نتيجة استخلاص دروس تجاربها السابقة ونتيجة التفاعل المتبادل مع مستوى الوعي الانساني الأشمل, ان طريق الثورة الشعبية السلمية هو الطريق الصحيح لاستكمال تحررها وان امكانات الاصلاح التدريجي غير ممكنة في ظل انظمة سلطانية متكلسة تعاملت مع اوطانها كملكيات خاصة وساست شؤون شعوبها كرعايا مقادة للمصير الذي ترسمه لها . وعبر هذا المسار تأكد لكل القوى الحية في المجتمع ولكل النخب السياسية والفكرية ان كل الانجازات والمكتسبات الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن المحافظة عليها وتطويرها اذا لم يكن الشعب صانعها وحاميها ولا يمكن لما سمي بالديمقراطية الاجتماعية ان تستمر وتصان دون ديمقراطية سياسية حقيقية ودون ان تكون اهداف كل تنمية شاملة ومستدامة الموازنة بين مصلحة المجتمع العامة ومصلحة الانسان – الفرد – المواطن .
خلاصة القول ان الدرس الذي استوعبته اجيال الشباب التي تمردت على هذا الواقع واضطلعت بدور القيادة لتلك الانتفاضات هو ان لا استقلال حقيقي في عالم اليوم دون حداثة وتقدم, ولاتنمية و تقدم بلا ديمقراطية, ولا ديمقراطية دون مواطنين احرار متساوين في الحقوق والواجبات ,ومؤمنين ان الحرية هي جوهر وماهية الوجود الانساني .
جاءت انتفاضات الربيع العربي متأخرة وفي هذا الزمن الصعب حيث العالم يعيش مرحلة الانتقال المحفوفة بكل المخاطر من نظام دولي وحيد القطب الى نظام متعدد الأقطاب .
في هذا الزمن بالذات فان ثورات الشعوب التحررية ,وخاصة في مجتمعات التأخر والفوات التاريخي , تواجه كما هائلا من المصاعب والعوائق التي يرجع بعضها الى طبيعة وبنية العلاقات التي تسود مجتمعاتها الراكدة ومدى سطوة ومناعة الأنظمة المستبدة ودولها العميقة التي تتحكم بمصائرها من جهة ,وتعود من جهة أخرى الى مواقف المجتمع الدولي المساندة او المعادية لتلك الانتفاضات والثورات من جهة ثانية, ولعل اول تلك الحقائق في الوضع الدولي الراهن والتي كان ينبغي لقوى الحراك الشعبي في الانتفاضات العربية ان تضعها في اولوية اهتماماتها ان انتفاضات الربيع العربي لا يمكن ان تظل احداثا محصورة التأثر والتأثيرفي نطاق محلي كما حصل بالفعل وخاصة بعد ان انحرفت تلك الانتفاضات عن مسارها السلمي
وبعد ان تم تهميش ثم اغتيال العامل الذاتي أي الشعب صاحب القضية فيها , ودفعت الى العسكرة كما حدث للثورة السورية الأمر الذي ادى الى ارتهان الارادة الحرة للشعب السوري وتغييب صوته وتمزيق وطنه وتدمير بنيانه بفعل صراع المجموعات الارهابية المسلحة التي هي ادوات تصفية حسابات الدول الأجنبية فوق ارضه .
مجموعة من العوامل والمعطيات الداخلية والخارجية التي اسهمت كلها في المحنة الوجودية التي تعيشها سورية اليوم ولكن قدرنا وواجبنا نحن السوريين اذا كان لنا ان ننهض بمسؤولياتنا قبل فوات الأوان في وضع حد لهذه الملساة الوطنية ان نعود الى أنفسنا فنصارح ذواتنا ونعترف بأن الخلل الأساس الذي حال حتى الأن دون توحيد رؤيتنا وتجميع طاقاتنا وحشد جهودنا في مواحهة تحديات الحاضر ومن اجل انجازمهمات المستقبل ,انما يعود الينا نحن بالذات ويتمثل في عدم تسلح معارضاتنا ونخبنا حتى اليوم بمستوى الوعي المطلوب , مستوى الوعي الذي يوفق بين الظروف الموضوعية والامكانات الذاتية ,مستوى الوعي الذي يعتمد المناهج والبرامج العلمية بديلا عن الشعارات والخطب الانفعالية الشعبوية ,مستوى الوعي الذي يحرص على الانسجام بين ماهية ومشروعية الغاية وطبيعة الوسيلة التي لا بد منها لتحقيق تلك الغاية .
تلك من وجهة نظرنا اخطرمظاهر القصور في ممارسات المعارضات السورية الحالية , والتي كانت على الدوام ابرز جوانب الخلل القاتل في تجارب المشروع النهضوي التحرري للمجتمعات العربية في القرن الماضي .
اقرأ:
د. حبيب حداد: نداء العقل وصحوة الضمير