Archived: سلام كواكبي يكتب: كيف يستيقظ مسلمو باريس؟

سلام الكواكبي: هنا صوتك

بعد مرور أكثر من أسبوع على الهجمات الإرهابية التي عصفت بالعاصمة الفرنسية باريس، وعلى الرغم من استمرار الخوف من تجددها، إلا أن الجدال السياسي والشعبي في أشدّه. وتطرح وسائل الإعلام الخفيفة والأكثر جديةً، موضوعة تُثير اهتمام الرأي العام وتقسمه بين مؤيد وبين معارض. وتتركّز الفكرة حول ضرورة أن يتبرأ كل مسلم فرنسي على الأقل مما ارتُكب “باسمه” من قبل عصابات القتلة.

وبالتالي، تتكرر المناشدات بالقيام بمثل هذه المبادرة الجماعية تحت شعارات عدة منها: “ليس بإسمي” أو “الاسلام بريء منكم” أو “أنا مسلم ولست إرهابيا”… إلخ. ويميل بعض المستهدفين من هذه المناشدات إلى تبنّيها وإلى إيجاد مخرجٍ ملائم من خلالها لعجزٍ أو لتقصيرٍ أو لمسؤوليةٍ يشعرون بأنها تُلازمهم. ويتنطّح آخرون إلى المزاودة في التعبير من خلال البحث عن أقصى اليمين للاصطفاف على يمينه تعبيراً وموقفاً.

في بلد الحرية وقيم العدالة والمساواة، كل فعلٍ إنساني وكل تعبيرٍ عنه في حدود القانون مقبول مبدئياً. وموجة التبرؤ والاستعطاف والمزاودة الكلامية والإجرائية، لا حرج فيها ولا ضرر. ولقد جرت إثر أحداث الشهر الأول من العام عندما أردى قتلةٌ آخرون صحفيين وفنانين. حيث خرج حينها أيضاً بعض المسلمين الفرنسيين وغيرهم، للتنديد كمسلمين وليس كمواطنين غالباً والتبرؤ أيضاً كمسلمين.

ومن جهتها، ثابرت بعض الأوساط الفرنسية اليمينية عموماً وحتى اليسارية أحياناً، على مطالبة هؤلاء “المسلمين” بتكرار وتشديد وتعزيز التنديد بما جرى كمسلمين. كما طالبتهم تخصيصاً بتوضيح موقفهم كمسلمين أيضاً، وليس كمواطنين أو بشر، مما جرى وإيضاح موقف دينهم الإسلام منه.

لكن السؤال الذي إن لم يطرح نفسه، يجب علينا أن نطرحه أرضاً وسماءً: هل هذا التبرؤ الفردي والجمعي مفيد أو له معنى؟ أم هو وقوع في فخ الوصم؟ فهل سبق وطولب منتسبو الأديان الأخرى للاعتذار عن أو التبرؤ مما ارتكبه المتطرفون منهم من جرائم شنيعة؟

ربما علينا أن نعي، ولو بصعوبة وبمقاومة، بأن الانتماء الديني للإنسان ليس خياراً إرادياً في الأساس. فلربما يُطلب الاعتذار أو التبرؤ ممن انتمى إلى إيديولوجيات بخياره الذاتي، كالنازية أو الفاشية، فحريٌ به أن يعتذر عما ارتكبته مجموعة اختار أن ينتمي إليها من مجازر. ومن جهة أخرى، فإن الإقدام على تبني مثل هذا الموقف الاعتذاري أو التبريري فيه تعزيزٌ لعملية الوصم الجارية على قدم وساق تجاه دين بعينه وأتباعه بعيونهم.

ما هو المطلوب إذا لتوضيح موقف وتفادي الوقوع في فخ الوصم الذاتي وتعزيز الوصم الخارجي؟ هل رفض ما سبق يكفي ويعفي المسلمين من مسؤولية القيام بفعل أو اتخاذ موقف فردي أو جماعي؟

الاعتقاد هو بأن هذا لا يكفي، وبأن في طرحه مقاربة صحيحة جزئياً ولكنها ليست كاملة للواقع وللمطلوب في معالجة هذا الواقع. وكعود على بدء، فالتنظيم المجتمعي على أساسٍ مواطني هو ما يفتقده المسلمون في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية على الأقل.

مشاركتهم في الحياة العامة محدودة ومساهمتهم في الحياة السياسية شبه معدومة. وهذه السلبية ليست عائدة إلا بحدود ضئيلة إلى ما يحلو لهم التلظي خلفه من إقصاء أو إرادة سياسية مركزية. سهلٌ هذا التبرير، ولكن الواقع يدحضه بالاستناد الى تجارب مكونات أخرى من النسيج الجمعي الفرنسي. وعلى الرغم من الصحّة النسبية للقول بأن الإعلام الغربي يهمّش في كثيرٍ من الأحيان الأصوات الإيجابية منهم، ويضع في المقام الأول أسوأ نماذجهم، إما تعصباً قميئاً أو تهتكاً في الممالقة، ولكن بالمقابل، فكثيرٌ من مثقفيهم مهمشين إرادياً من قبل مجموعاتهم ذاتها، وبالتالي، فلا تمثيل لهم إن هم تنطحوا إلى الحديث والمساهمة في النقاش العام، مجتمعياً وثقافياً وسياسياً، سعياً إلى تقديم وجه “مُشرق” ومُغيّب عن مجمل “الأمة”.

وعلى الرغم من أولوية الانتماء الديني في التوجيه العقائدي لدى أتباع كل الديانات بمستويات مختلفة، إلا أنه لن تقوم قائمة للمسلمين في أوروبا ولن يتم إخراجهم من حقل الاتهامات الجاهزة والتوبيخات المباشرة أو المواربة، إن لم تتوضح لديهم أولوية الانتماء إلى مجتمع تعددي كخيار أول على المشهد العام. وضروري أن تُجعل الأديان خياراً شخصياً أساسياً لا انعكاسات له على المشهد العام إلا بما يُعزّز من قيم الإخاء والمساواة والعدالة، التي هي في صلب كل الأديان كما هو مفترض كتابياً على الأقل.