on
Archived: صلاح قيراطة: كيفية مواجهة تنظيم الدولة في سورية
صلاح قيراطة: كلنا شركاء
من يعرف الف باء العلوم العسكرية يعرف جيداً ان القصف الجوي والاستهداف بالصواريخ حتى الاستراتيجية منها ، اضافة لرشقات المدفعية ، كل هذا لا يمكن ان يحرر متراً واحداً من ارض محتلة، نعم هو يضعف العدو ويرهقه ، لكنه لن يحرر الارض فالتحرير منوط بعمليات برية بتعاضد مختلف صنوف الاسلحة وفي مقدمتها سلاح المشاة …
بالعودة للفترة القريبة الماضية ان نلاحظ ان تنظيم الدولة خرج من اماكن نفوذه وبالتالي قتاله في المساحات التي احتلها في العراق وسورية الى العالمية وبوحشية فقد ضرب في تونس وبذات الساعة ضرب في الكويت وبعدها كان استهداف تركيا ومن ثم تجرأ التنظيم على الطائرة المدنية الروسية ومن ثم كان التوحش الذي استهدف الآمنين في باريس وطبعاً كان لبنان نصيبه من ارهاب تنظيم الدولة بين وقت وآخر…
واعتقد هنا ان الكل بات على قناعة راسخة ان لا يمكن اقتلاع التنظيم وبالتالي منع خطره وتهديده للغرب والعالم من دون عملية عسكرية برية في المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا…
اكثر من خمسة عشر شهراً تفصلنا عن بداية التحالف الدولي باستهداف التنظيم بغارات جوية بشكل متتابع ولكن بمستوى منخفض، وسلاح الجو الروسي يقوم بذلك أيضا منذ ما يقارب الشهرين ، لكن هذا لا يشير الى وقوع أي ضعف في امكانيات التنظيم ، فالثابت انه لايزال يملك القدرة على الحركة والتهديد والتنفيذ فها هو قد ضرب في مالي منذ عدة ايام وبعد مذبحة باريس على الفور وبالرغم من الدخول الفرنسي على خط القصف الجوي …
المتابع يلاحظ ان ( تنظيم الدولة ) تحول العام الأخير من تنظيم مسلح مشتت إلى تنظيم مسيطر على مناطق جغرافية واسعة في سوريا والعراق ، وممسك بها بالفعل ولا يحتاج إلى العمل في السر، هذه السيطرة الجغرافية فيما يبدو باتت تمكنه من التخطيط بشكل حر في حدود اماكن سيطرته وخارجها…
وهذا يدفعنا للاعتقاد أن العالم كله بدأ شيئا فشيئا يفهم أنه لا بد من محاربة ( تنظيم الدولة ) سيما انه دون زعزعة المرتكز الجغرافي للنظيم لا يمكن التغلب عليه…
العالم كله، وليس الغرب فقط، لا يستطيع تقبل فكرة ان يكون لطرف ما في العالم السيطرة الجغرافية وهو في ذات الوقت يتنصل كليا من المعايير الدولية وغير خاضع بأي شكل للقيود التي تسري اليوم على الدول السيادية ، لكن هذا لا يمنع اننا بحاجة إلى خطوات اوربية وقد باتت هذه الحركة اكثر من ضرورية في هذه الظروف بالذات فالمشكلة القائمة اكثر من خطيرة اذ ان تنظيم همجي ووحشي يسيطر على مساحات جغرافية وهو منفلت من أي قيود ولا يخضع لأي انظمة وقوانين دولية ويتصرف على اهوائه وما يوحي له فكره القادم من خلف التاريخ …
وهنا اقول صراحة انه لا يمكنني فهم التردد إزاء العملية البرية فالواضح ان لا متحمسين حقيقيين لها الا روسيا الاتحادية وفق آخر التسريبات ، لكن الواضح أنه بعد هجمات باريس سيتضح أكثر فأكثر أنه لا مفر من عمليات عسكرية برية تجتث جذور التنظيم في اماكن سيطرته علّها تكون خطوة على طريق تشتيته من خلال اضعاف امكانية تواصله مع مناصريه وغسل ادمغتهم وتجنيدهم في صفوفه ..
فعلى ضوء التدخل الجوي الروسي والمساعدة اللوجستية لسوريا، فإنه من الممكن أن تتم مثل هذه الخطوات مع تأييد روسي إن كانت ضمن قيود معينة…
واعتقد ان العالم الآن امام ثلاث خيارات ، وجميعها مشوبة بنوع من التعقيد … الخيار الأول :
هو الولايات المتحدة القوة الأكبر في العالم وقائدة حلف الناتو…
لكن، لابد من القول هنا ان خطوة كهذه ستكون كارثية ليس بسبب فشل أمريكا في أفغانستان والعراق، فقط، ولكن بالنظرة العربية لمثل هذا التدخل لأنه غربي في العالم العربي حيث يمكن ان يعد ذلك كمحاولة أخرى للسيطرة الأمريكية في المنطقة وهنا لا يمكننا التغاضي عن حقيقة أن ( تنظيم الدولة ) نشأ بسبب التدخل الأمريكي الفاشل في العراق. إضافة إلى أن التدخل الغربي لن تدعمه روسيا بالذات، لأن الغرب يعتقد أنه من الضروري إسقاط بشار الأسد، أما موسكو فتريد الإبقاء على نظامه على الأقل إن لم يكن بالإمكان إبقاءه شخصيا…
الخيار الثاني:
الذي يبدو معقولا هو أن تتم الحرب البرية من قبل دول عربية تعتبر ( تنظيم الدولة ) تهديدا لها، والسؤال هنا هو هل توجد جيوش عربية قادرة على تنفيذ مثل هذه المهام، والخشية هنا ان يتكرر ما حدث مع الجيش العراقي في اول مواجهات مع التنظيم في الموصل في شهر حزيران 2014 ، حيث هزمت ثلاث فرق وتخلت عن عتادها خلال ساعات قليلة لعدم توفر ارادة القتال ، علماً ان هذا الجيش كانت قد دربته الولايات المتحدة وتم اعداده وتمويله بشكل ممتاز …
وهنا لابد من الاقرار انه باستطاعة السعودية ودول الخليج تمويل حرب برية ولكن لا يوجد لديهم جيوش للقيام بمثل هذه العمليات فاعتقادي راسخ ان جيوش الخليج هي بمثابة قوى امن داخلي لحماية عروش حكامها ليس اكثر …
الخيار الثالث:
هو تركيا، حيث لديها الشرعية كدولة سنية لمحاربة التطرف السني ( لتنظيم الدولة ) لكن تاريخ رجب طيب اردوغان في موضوع هذا التنظيم ليست له مصداقية، لأنه هو اول من ساهم بتسهيل دخوله وبالتالي حركته في كل من العراق وسورية بالإضافة إلى ذلك، فإن رؤية الجيش التركي يعبر حدود سورية والعراق واحتلاله لمناطق عربية قد يثير المخاوف في العالم العربي من العثمانية الجديدة…
هناك خيار آخر، وهو إيران، لكن من الصعب أن تؤيد دول الخليج خطوة ستؤدي الى تعزز المطامح لزيادة سيطرة طهران، اضافة الى ان اوربة والولايات المتحدة ستتعاملان معها بنوع من الريبة والحذر إذ إن النظرة الى وجود ميليشيات وخبراء ايرانيون شيء، والدخول كجيش إيراني في حرب برية إلى سوريا شيء مختلف كليا…
واعتقد هنا ان هذه المصاعب قد تدفع المراقبين والسياسيين إلى الاستنتاج أنه لا داعي للتفكير بالعمل العسكري من أجل القضاء على السيطرة الجغرافية لــ ( تنظيم الدولة ) لكن و في عالم مثالي يمكن الحديث عن عملية مشتركة أمريكية روسية، لكن هذا لا اعتقد انه ممكناً …
ومع ذلك، فممنوع العيش في الأوهام، فمن الصعب وضع حد لــ ( تنظيم الدولة ) من دون عمل عسكري بري، ومن الصعب أن يقبل العالم وجود كيان جغرافي يعمل مثلما كان يعمل القراصنة في السابق …
اجمالاً حتى وإن لم تتوفر حتى الآن طريقة معقولة للقضاء على التنظيم فلابد من ايجاد وسيلة لذلك ولو ان هذا لن يكون بالأمر السهل، واعتقد ان الحل المعقول والمقبول يكمن بصياغة عملية سياسية سورية يتوافق عليها كل السوريين تنتج جيشاً عربياً سورياً وطنياً شاملاً ، واقصد هنا عودة كل المنشقين عنه واحتواء كل الجماعات المسلحة غير المتطرفة والتي ظهرت كنتيجة موضوعية للعنف والعنف المضاد ، في اطار عقيدة جديدة وطرق قيادة جديدة لهذه القوات سيما ان جذورها كلها هو الجيش السوري ، ولابأس هنا من مشــــــــاركة قوات برية مصرية تحديداً وهذا مقبول سورياً ، ولا توجد مشكلة من اسناد جوي ودعم لوجستي من كل دول العالم المتضرر من انتشار هذا التنظيم، الا ان الأرض يجب ان يكون العمل فيها للسوريين ، ولابأس بمساعدة برية مصرية كما اسلفت ، وهنا اجزم ان الجيش العراقي بتركيبته الحالية لن يكون له مكان في مواجهة ( تنظيم الدولة ) اقله ضمن الاراضي السورية .
اقرأ:
صلاح قيراطة: إدارة التوحش