Archived: كرم يوسف: إمكانات ترميم البيت الكردي في سوريا

كرم يوسف: القدس العربي

في 15 مارس 2011 حين انطلقت شرارة الثورة السورية، كانت إلى حد كبير جامعة لتطلعات الشعب السوري بمختلف أطيافه، التي كانت مؤمنة بضرورة التغيير السياسي والانتقال بالبلاد إلى حالة جديدة، من شأنها أن تزيل سنوات من الغبن الذي تعرضت له أجيال كاملة إبان حكم الأسد الأب والابن، ومع كل منعطف جديد مرت به الثورة كانت تتوالى الانقسامات الداخلية، ولا شك أنه خلال هذه المراحل كان ثمة لاعبون أقليميون ودوليون ساهموا في هذا الانقسام، إلى أن وصل الحال بعد خمس سنين من عمر الثورة إلى عدم وجود كيان سياسي أو عسكري جامع للمعارضة.

لم يكن البيت الكردي في سوريا بمنأى عن الثورة في البداية، بل كان من السباقين إليها، لكنه أيضاً تأثر بالمتغيرات التي عصفت بجسم هذه الثورة فأمكن بوضوح رؤية انقسامات داخل المشهد الكردي، أصبحت بحاجة لوسيط إقليمي حيناً (إقليم كردستان العراق)، ووسيط دولي (الولايات المتحدة الأمريكية) مؤخراً بحسب تصريحات قياديين من المجلس الوطني الكردي، لكن أياً من هذه الوساطات لم تأت بنتائج.
يبدو اليوم بوضوح وجود إدارة ذاتية في المناطق الكردية في سوريا استطاعت الحفاظ على نفسها، والبدء بالبحث عمّن يعترف بها إقليميا ودولياً، من خلال حزب الاتحاد الديمقراطي PYD الذي لم يعد هو ولا رئيسه المشترك اسمين سهلين بعيدين عن أي معادلة تخص مستقبل سوريا، هذه الإدارة التي استطاعت أن تتعامل مع المعطيات الداخلية بمؤسسات عسكرية، حكومية، قضائية، تنفيذية، تشريعية، أمنية، بلدية، صحية، ثقافية، خدمية، ورغم أن هذه الإدارة لم تستطع إلى الآن أن تنال الاعتراف الذي تسعى إليه بوفودها الدبلوماسية التي تواصل الليل بالنهار في أوروبا وأمريكا، إلا أنها استطاعت الجلوس معهم وهذا ما يجعلها تعد هذا الأمر خطوة في إطار اعتراف مستقبلي يمكن أن تحظى به، وتنتقل بكرد سوريا إلى مرحلة متقدمة من الوجود السياسي. في مقابل كل إنجاز تحققه هذه الإدارة ما عاد خافياً أيضاً حالة اللااتفاق التي وصلت إليه مع المجلس الوطني الكردي في سوريا، الذي يضم داخله 13 حزباً يمثلون بقية المشهد السياسي، حيث اتهم المجلس الإدارة وحزب الاتحاد الديمقراطي باحتكار الحياة السياسية والعسكرية وفرض رؤية الحزب وإيديولوجيته على المناطق الكردية في سوريا، بل القول أيضاً بالذهاب بكرد سوريا إلى مستقبل مجهول.

وبحسب العديد من المتابعين للشأن الكردي في سوريا، فأنه مع كل إنجاز استطاعت الإدارة الذاتية أن تحققه ازدادت القطيعة مع المجلس الكردي، وازداد انفرادها بالساحة، وتتالت بيانات المجلس المنددة بسياساتها بدون أن تكون هناك أذن صاغية أو محاولة لإقليم كردستان العراق ورئيسه مسعود برزاني بالدخول في مرحلة جديدة من التفاوض بين الطرفين، لا سيما مع أزمة الرئاسة التي عصفت بالإقليم وتداعياتها على الوضع السياسي وتحول الأمور إلى مظاهرات عقبها قتل لمحتجين وإحراق مقرات لأحزاب.
إقليم كردستان سبق له أن قام بعدة جولات من المفاوضات كان الكرد في سوريا يترقبونها، حتى تمت تسمية هذه المفاوضات بهولير (أربيل) 1، هولير 2، دهوك 1 بناء على اسم المدينة التي كانت تجري فيها المفاوضات، في كل من هذه المفاوضات كان يتم التوقيع على اتفاقية وكان كلا الطرفين يتهم الآخر بعدم التنفيذ. ربما العائق الأكبر في كلٍ منها كان الناحية العسكرية، حيث يطالب المجلس الكردي بإشراك ما يزيد عن 6 آلاف من مقاتلي ومقاتلات البيشمركة وهم فصيل عسكري كردي سوري (بيشمركة روج آفا) كشريك، وترفض الإدارة الذاتية وجود شريك وتقبل فقط بوجدهم ضمن قوات الحماية الشعبية الكردية YPG وقوات حماية المرأة YPJ.

وكان للصراعات بين القوى الكردستانية، لا سيما حزب العمال الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، تأثيرات قوية على الحالة التي يشهدها وضع المناطق الكردية في سوريا من انقسام سياسي، حتى وصل الأمر إلى عدم انعقاد المؤتمر الوطني الكردي السنة الفائتة بحسب مسؤول كردي بارز، بسبب الخلاف حول عدم الاتفاق على كردستان سوريا؛ أي أن هذا المؤتمر الذي كان من المنتظر أن يساهم في حل مشاكلهم، تحولوا هم إلى مشكلة في انعقاده.

محاولات اللاعب الإقليمي في الوساطة بين القطبين الكرديين في سوريا وهو اقليم كردستان، خاصة رئيسه برزاني لم تأت إلى الآن بأي جديد، ولا يمكن التعويل مجدداً على العامل الكردستاني الذي يضم أحزابا كردية من العراق، تركيا وإيران – مع ضعف تأثير الأحزاب الكردية في إيران في المشهد الكردي السوري- حيث أن المؤتمر الوطني الكردي أساساً لم يتم، وبهذا يمكن القول إن فرصة الوصول إلى تفاهم وشراكة حقيقية بين هذين القطبين باتت منحصرة فقط في الوسيط الدولي، الأمريكي والأوروبي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مسألة الوساطة الأمريكية تمت مؤخراً.

أمريكا التي تستمر في إغضاب تركيا بسبب دعمها لقوات الـYPG، وتنفرد بدعمهم جوياً في المعارك، وتزويدهم بالسلاح وآخر تلك الشحنات كان إلقاء 50 طنا من الأسلحة من الجو للقوات الكردية في ريف الحسكة، ما كانت لتقدم هذا الدعم لولا أنها ترى في الوجود الكردي حليفاً جديداً في سوريا، التي ستنتهي رحى الحرب فيها ذات يوم بشكل خاص، وفي الشرق الأوسط بشكل عام. هذا الحليف الجديد بالنسبة لأمريكا، وبحسب تصريحات كبار قادتها، يعد من أكثر القوى فعالية في التصدي للإرهاب الذي بدأ يهدد مصالحها ومصالح أوروبا، ومن الممكن أن تقـــــوم أمريكا بالوساطة بين القطبين الكــــرديين في سوريا بشكل عملي، وتفرض الأمر على حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتـــية لقبول المجلس الوطني كشـــريك وإنهاء هذا الملف، كما قامت ذات يوم بإنهاء الصراع العسكري بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعـــامة مســعود برزاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالــــباني في واشــــنطن عام 1998 من خلال وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك مادلين أولبرايت.

ربما كان تخيّل وجود اهتمام أمريكي بالقضية الكردية في سوريا لا القيام بدور الوسيط بين قطبين متنافرين فيه أمراً صعباً، إذا كان المتابع للمشهد الكردي يعرف أن أصغر عنصر أمن في سوريا كان بإمكانه استدعاء رئيس أكبر حزب كردي والإساءة إليه، لكن وجود ما يزيد عن 60 ألف مقاتل من الـYPG لهم استراتيجية متوافقة مع الولايات المتحدة، واستطاعت أن تحقق انتصارات كبيرة على «داعش» وتحقق الأمان النسبي في مناطق تزيد مساحتها على آلاف الكيلومترات ووجود مصالح أمريكية – وهو الأهم بالنسبة لها – يجعل من هذا الأمر أمرا ممكنا.

اقرأ:

كرم يوسف: أمريكا تريد القضاء على القاعدة من خلال سوريا