on
Archived: باسل العودات: وفد المعارضة المفاوض
باسل العودات: المدن
انطلاقاً من نتائج مؤتمر فيينا الثالث، وتأسيساً على إعلان جنيف الأول، وبعد تهميش السوريين واستبعادهم من المشاركة بالقرار في فيينا وما قبله وبعده، تستعد الدول المعنية بالأزمة السورية والمؤثرة فيها لرعاية وتنظيم مفاوضات مرتقبة بين النظام السوري والمعارضة، وتعكف (الأجهزة المختصة) بالأزمة السورية في هذه الدول على دراسة وتحديد قوائم لوفد المعارضة وأخرى لوفد النظام اللذين ستوكل لهما مهمة التفاوض، وكل واحدة من تلك الدول تحاول أن تسحب البساط لجهتها وتضع (رجالها) ضمن تشكيلة هذا الوفد أو ذاك. لا يعنينا كثيراً الحديث عن وفد النظام، فدراسته في واقع الأمر مضيعة للوقت، فهو في الغالب عبارة عن لائحة روسية إيرانية جاهزة، وقد يُعطى النظام مقعداً أو مقعدين فيه، وسيكون بالمحصلة على شاكلة النظام، أشخاص سلطويون ديماغوجيون مزاودون مُنفّذو أوامر وبالدارجة السورية (أنصاف شبيحة).
ما يهمنا أكثر هو وفد المعارضة الذي سيُفاوض، والذي سيضع السوريون ثقتهم به وسيحملونه أمانة الثورة، ومطالب الملايين من السوريين الحالمين بالحرية والعدالة والمساواة، وهو ما يفرض عليهم مسؤوليات مضاعفة ومركبة لا يحسدون عليها.
تركيبة وفد المعارضة تُقلق السوريين كثيراً، فهم أولاً يخشون أن يكون هذا الوفد حصيلة حصص تتقاسمها الدول المؤثرة على المعارضة والداعمة لها، حصص لا يحكمها سوى مدى ولاء هذا الشخص أو ذاك لتلك الدولة وأجهزتها، ويخشون ثانياً أن يحدث خطأ في الاختيار، وأن يتسلق وفد المعارضة معارضون سوريون غير مؤهلين لا يُعتدّ بإمكانياتهم ولا قدراتهم السياسية والفكرية والتفاوضية.
هذه المشكلة الخطيرة تُعيدنا إلى بدايات الثورة السورية، حين بدأ يظهر معارضون سوريون غير معروفين كالفطر، وكان في فترة من الفترات المُبكّرة (علوّ الصوت) و(غرابة التصرفات) و(القدرة على التحريض) هو معيار الانتماء لقيادة المعارضة.
وبعد إرتهان المعارضات السورية للدول الداعمة، وتشكيل كيانات وتيارات معارضة جديدة لها قيادات سياسية ومؤسسات تابعة، وبدء تدفق المساعدات العينية والمالية للمعارضة، وتشكيل حكومات مؤقتة ومؤسسات إغاثة وكتائب عسكرية، زاد حرص الكثيرين على التعلّق بمعارضتهم، فهي بالنسبة لهم وسيلة للشهرة وإثبات الذات والثراء والسلطة أيضاً.
ظهر على السطح كثير من المعارضين السوريين من حديثي العهد بالمعارضة، أمّيون بالسياسة وبإدارة الأزمات، هواة لا خبرة لديهم ولم ينشطوا يوماً بالعمل السياسي، ولم يشاركوا لا في نضال من أجل إصلاح النظام أو تغيير السلطة، ولا حتى في حوار لبناء مستقبل أفضل، وكثيرون منهم ممن لم يكن يفهم التيارات السياسية الموجودة في سورية ولا حتى الثقافية منها، ومؤهلهم الوحيد هو رضى هذا الطرف الداعم أو ذاك عنهم، انتهازيون تسلّقوا ووصلوا، فسدوا وشخصنوا الثورة، وهمّشوا خبراء السياسة وعتاتها وطردوا الأجدر، وتحدثوا بصفاقة باسم الشعب والوطن.
تسيّد المشهد معارضون سوريون لا يعرفهم النشطاء ولا المناضلون المخضرمون، ومنهم من لم يدخل سورية منذ عقدين، لم يعرفوا آلام ومشاكل السوريين وآمالهم، ولا يعرفون اليوم مآسي السوريين وحاجاتهم سوى ما يروه على الفضائيات، ظهروا بسرعة ودون مقدمات وساعدتهم علاقاتهم وظروفهم ليصبحوا (قادة) مشاركين في أهم تيارات المعارضة، والمشكلة أنهم صدّقوا، فاعتقدوا أنهم نادرون ولا يصلح لإدارة الثورة سواهم، بل وقادرون متى أرادوا أن يهزّوا ويزعزعوا أركان النظام بتصريح تلفزيوني ناري.
يمكن ذكر الكثير من الأسماء (اللامعة) التي تحمل هذه الصفات، لكن المقام هنا لا يصلح، وبكل الأحوال هم معروفون لدى غالبية السوريين، فالشعب الذي سار بثورة معقّدة ومركبة من هذا النوع أوعى من أن يفوته أمر كهذا.
المشكلة الأخرى أن غالبية قوى المعارضة السورية تعرف الإمكانيات المحدودة والبائسة للكثير من أولئك، وتعرف أنهم مراهقون، لكنها لم تُجهد نفسها بإقامة دورات تدريب وصقل لهم، ولم تُحاول انتقاد خيباتهم، ولم تحاول إزاحتهم الى الصفوف الخلفية وإفهامهم أن الخبرات السياسية عملية تراكمية، تماماً كالإعلام والطب والفكر، وليست (فهلوية) كاللعب بالثلاث ورقات والتنجيم والنصب.
كثير من المعارضين السوريين الجدد ـ الطارئين ـ لم يفهموا الظروف التي مرّت وتمر بها سورية والمنطقة والعالم، ولا يُدركون الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والشعبية في المنطقة، ولا يعرفون أولويات التفاوض وطرقه وآلياته ووسائله، ولا يملكون (كاريزما) الإقناع ولا سلاسة ومنهجية التفكير، ورغم هذا يُصرّون على أنهم الأجدر وهم لا يعرفون أن الكراسي التي يجلسون عليها أكبر بكثير من حجمهم.
إحدى المصاعب التي حلّت بالثورة السورية هي عدم الاختصاص، فالجميع بات يريد أن يصبح (قيادياً) في المعارضة السورية، التاجر يريد أن يصبح نجماً إعلامياً، ومُدرّس الأطفال مُفكراً سياسياً، ورئيس العشيرة مُحللاً استراتيجياً، والأكاديمي مسؤولاً إغاثياً، والعاطل عن العمل ناشطاً ثورياً، والجميع يُصرّ على أنه الأنسب ولسان حاله يقول (لست الوحيد لكني الأفضل).
على المعارضين السوريين المُخضرمين، وأولئك الجدد الجديرين المشهود لهم، أن يكشفوا الآن، والآن بالذات، من تسلّق دون جدارة، ويقولوا قول حق في الطارئين على المعارضة، ولا يخشوا من رفع الصوت، و(يُغربلوا) كل من اتّخذ المعارضة مكسباً أو هواية، ويختاروا الجديرين المُكرّسين القادرين بالفعل على التفاوض، ودون ذلك، من غير المستبعد أن يُشارك في المفاوضات معارضون غير كفؤين يُسهّلون للنظام رسم صورة مشوّهة لسورية لا ترضي صديقاً ولا تُغيظ عدواً
اقرأ:
باسل العودات: اللائحة الانتقائية للإرهاب