Archived: التلغراف: هجمات باريس جرس إنذار يؤذن بنهاية أوروبا الليبرالية والحدود المفتوحة

سيمون هيفر- التلغراف: ترجمة عبد الرحمن الحسيني- الغد

يمكن أن تكون فرنسا قد أصبحت أقرب خطوة إلى تنصيب رئيس من أقصى اليمين، مارين لو بان، في أعقاب الهجمات المميتة التي شنها “داعش” في العاصمة باريس مساء الجمعة الماضي.
أثبت الهجوم على صحيفة “شارلي إيبدو” وعلى سوق مركزي يهودي في كانون الثاني (يناير) الماضي، أن المتطرفين الإسلاميين اعتبروا أنفسهم في حالة حرب مع فرنسا. ومن الواضح الآن للجميع -بمن في ذلك بعض أعضاء الشخصيات الفرنسية العامة الذين كانوا قد قاوموا تلك الفكرة- أن فرنسا، كما قال الرئيس هولاند يوم السبت، هي الآن في حالة حرب مع المتطرفين الإسلاميين.
ولأن العدو موجود أصلا في الداخل -ولأن الإرهابيين الثمانية الذين قتلوا في الهجمات في باريس هم مجرد قمة جبل الجليد- فإن هذه الحرب ستكون غير سارة، وستكون صعبة ومثيرة للجدل.
في الأثناء، ادعى الموقع الإلكتروني لصحيفة “لو فيغارو” الفرنسية المحافظة أن ثمة “حرباً تجري في قلب باريس”. وهو مزاج يشارك فيه الشعب الفرنسي الذي تحولت مواقفه نحو التطرف بسبب هذه التطورات المرعبة.
فوق كل شيء، يجب علينا إدراك أنه مع أن أعمال العنف هذه ستغير الأمور في فرنسا بشكل عميق تماماً، فإنها تقف لتكون جرس إنذار لباقي أوروبا ولنا ولكل الحضارة الغربية.
إننا كلنا نخوض حرباً مع التطرف الإسلامي. وكان من الممكن أن يقتل الـ128 شخصاً الذين قتلوا في باريس بالسهولة نفسها في لندن أو برلين أو أمستردام أو روما. ويرى الساسة الفرنسيون الآن بوضوح أن هذه الهجمات لا تعدو كونها مغيراً للعبة فيما يتعلق باستطاعة أمتهم حماية نفسها ضد الإرهاب: وكذلك تنظر إليها كل الطبقة السياسية في أوروبا.
لم تُشن هذه الهجمات في فرنسا فقط بسبب مشاركة ذلك البلد في الحرب في سورية. لقد شنت أيضاً لأنه، حتى بالرغم من حقيقة أن المخابرات الفرنسية كانت تراقب نشاطات 2000 إسلامي مشتبه بهم، وأن خبراء مكافحة الإرهاب الفرنسيين كانوا يتوقعون شن هجوم، فإن الشبكة الأمنية في فرنسا لم تكن على قدر مسؤولية الحيلولة دون تمكن ثمانية متطرفين من الذهاب إلى المعركة.
كان مما ينطوي على دلالات أنه في اللحظة التي استوعب فيها الرئيس هولاند الحقيقة المرعبة، كانت ردة فعله الأولى هي الأمر بإغلاق حدود فرنسا.
على مدى شهور، كان بعض شركائه الأوروبيين، بمن فيهم البريطانيون، يقولون للمحور الفرنسي الألماني الذي يدير أوروبا، إن مثال حرية حركة الناس، التي كانت مقبولة في عصر لم يكن فيه الإرهاب الإسلامي معروفاً، لم يعد عملياً.
والآن، لا يقتصر الأمر على أنه لم يعد عملياً، وإنما أصبح مميتاً، مع اعتراف السيد هولاند بمشاركة كبيرة من الخارج في هذه الهجمات.
قد يثبت أن الإرهابيين كانوا مواطنين من فرنسا، مقيمين فيها منذ وقت طويل مع احتمال كبير بأن يكونوا قد ولدوا في البلد، وقادمين من تلك الطبقة الضخمة المحرومة من المسلمين في أزقة باريس وغيرها من المدن الفرنسية الكبيرة.
مع ذلك، فإن الشبكة التي تمدهم بالاستدامة وبتمرير الأسلحة القاتلة التي استخدموها ليلة الجمعة لقيت التسهيل على نحو كبير من الحدود المفتوحة. والآن، يجب أن تتغير هذه اللعبة أيضاً.
ستكون التداعيات السياسية على فرنسا كبيرة. ففي الشهر المقبل، سوف يشهد البلد انتخابات مناطقية كان يُنظر إليها أصلاً على أنها اختبار قاسٍ، وربما مستحيل، للحكومة الاشتراكية الضعيفة وغير الناجحة التي يقودها الرئيس فرنسوا هولاند.
وقد تكهنت الصحافة منذ أشهر بأن من الممكن أن تفوز الجبهة الوطنية بزعامة مارين لو بان بمنطقتين، أو حتى ثلاث مناطق، من المناطق الاثنتين والعشرين في فرنسا الحضرية، محذرة من أن هذه النتيجة ستشكل زلزالاً انتخابياً في البلد.
على الرغم من أن السيدة لوبان قد طهرت حزبها من الكينونة العنصرية والمعادية للسامية والمصابة برهاب الأجانب التي كانها الحزب في ظل والدها جان-ماري لوبان -والذي اغتربت عنه بالتالي- فإنها ظلت السياسي رفيع المستوى الوحيد الذي يحذر باستمرار من مخاطر الأعداد المتزايدة للمسلمين في فرنسا ومن فشلهم في الاندماج بشكل لائق في المجتمع الفرنسي.
ويعود ذلك الفشل وراء إلى الستينيات، حين تم جلب أجدادهم من مستعمرات فرنسا السابقة في شمال أفريقيا كعمالة رخيصة خلال فترة التوسع الاقتصادي المعروفة باسم “الثلاثينية المجيدة” -فترة الثلاثين عاماً المجيدة بين أواسط الأربعينيات وأواسط السبعينيات.
وكانوا قد أسكنوا في ثكنات عمال في أسوأ الأماكن الحضرية التي يزدريها الكثير من المجتمع الفرنسي، ومنعوا من إحضار عائلاتهم إلى فرنسا حتى وقت متأخر من السبعينيات. وعندما رفع الحظر، تم نقل العائلات إلى الظروف الفقيرة نفسها، وإبقاؤهم بعيدين عن باقي فرنسا، وجرى غرس بذور آلامهم ومعاناتهم فعلياً.
على النقيض من والدها، فإن السيدة لوبان ذكية بما يكفي بحيث لا ترقص على قبور أبناء وطنها الـ128 ولا تقول متباكية: “كنت قد قلت لكم ذلك”. وعلى الرغم من ذلك، كان واضحاً أصلاً أن الجبهة الوطنية، وربما في غضون أسبوع أو أسبوعين، ستؤسس من دون فطنة كبيرة فكرة أن هناك رابطاً بين هذا الهجوم وبين إهمال الطبقة السياسية الفرنسية في الأعوام العشرين أو الثلاثين الماضية مسائل السيطرة على الهجرة واحتواء ومعالجة معاناة المهاجرين وعائلاتهم، ومنع التطرف والاستعداد بما يكفي للتهديد المتطور بحرب تشن من داخل الحدود -وليس حدود فرنسا، وإنما من عاصمة الأمة نفسها.
في روايته المثيرة للكثير من للجدل، والتي تحمل عنوان “الخضوع” والتي نشرت في يوم الهجوم نفسه على “شارل إيبدو”، تنبأ ميشيل هوليبيك بأن تشهد الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العام 2022 خياراً في الجولة النهائية بين السيدة لو بان وبين منافس.
وفي روايته، يفوز الإسلامي ويمضي نحو فرنسا إسلامية، لأن الأحزاب الرئيسية من اليسار واليمين، بعد أن تُدفع إلى الهوامش في الجولة الأولى، تلقي بثقلها وراءه بغية الإبقاء على السيدة لو بان في الخارج.
لم يعكس هوليبيك في روايته الخوف الكامن لملايين الفرنسيين من أن ثقافة بلدهم تتعرض لاجتياح من ثقافة الإسلام وحسب، وإنما دان قيم ساسة الاتجاه السائد الذين يفضلون تسليم بلدهم لأناس سيفرضون عليها ثقافة مختلفة كلية، مؤثرين ذلك على أن يديره قومي فرنسي متشدد.
سوف يتجلى هذا الصراع في فرنسا، وقد يُظهر في انتخابات الشهر المقبل تقدما كبيراً للجبهة الوطنية. إن المجتمع الفرنسي مشتعل وسيتم رصد رد فعل الجمهور الفرنسي عن كثب خشية ظهور إشارات على عنف وقلاقل أهلية داخل المجتمع.
لطالما توقع المفكرون الفرنسيون فوز السيدة لو بان في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في العام 2017 وخسارتها في الثانية، ربما لصالح نيكولاس ساركوزي أو لجمهوري الآخر، أو للمحافظ، آلان جوبيه. وإذا ما حكم على الساسة من الحزب الاشتراكي أو من الجمهوريين بأنهم غير مناسبين في طريقة ردهم على هذه الحرب، فإن السيدة لو بان ستؤدي أداء أفضل مما يتخيله أي أحد.
لكن التحدي ليس موجهاً لفرنسا وحسب. فالرئيس أوباما يتحمل حصته من المسؤولية عن صعود مجموعة “الدولة الإسلامية” فيما يعود لسلوك أميركا غير المناسب في الشرق الأوسط. وتحتاج أنجيلا ميركل في التزامها غير المنقطع بالتحرك الحر للناس في مناطق الاتحاد الأوربي إلى استفتاء ضميرها أيضاً.
وفي بريطانيا، حيث تعلن السلطات من وقت لآخر أنها أحبطت هجمات إرهابية، يجب علينا أن نعي هشاشة دفاعاتنا وكم هي جهودنا غير كافية لوقف التطرف وتطبيق الاندماج الثقافي.
يجب علينا قياس مدى التهديد القادم من “الدولة الإسلامية” وتقرير ماهية الدور الذي يجب على بريطانيا الاضطلاع به لمقاتلة الإرهاب -حتى لو عنى ذلك الذهاب كتفاً إلى كتف مع الرئيس السوري بشار الأسد. وسوف يعني ذلك أيضاً قلب حالات الخفض سيئة المشورة لقواتنا المسلحة.
وسيكون البديل هو مساعدة تكرار مجزرة باريس في شوارع لندن. وربما يكون الاعتقاد بأن ذلك الشيء لا يمكن أن يحدث هو الإهمال الأكبر على الإطلاق.

اقرأ:

التلغراف: داعش يريد إخافة الغربيين من القدوم إلى العالم الإسلامي