Archived: نيويورك تايمز: الحياة بعد (داعش) وبشار الأسد: رحلة في سورية حرة

بِن هوبارد- نيويورك تايمز: ترجمة علاء الدين أبو زينة- الغد

بعد غلي النفط الخام المستخرج من الأرض القريبة من هنا طوال اليوم في خزان معدني بهدف تحويله إلى ديزل، تحدى علي محمد الأدخنة المتصاعدة، وضرب باب الخزان ليفتحه بمجرفة. وخطا متراجعاً إلى الخلف بينما انسكبت الرواسب من الإناء على التراب واندلعت فيها النيران.

وبينما ارتفع عمود من الدخان كريه الرائحة إلى السماء، استخرج علي محمد سيجارة من جيب قميصه المنقع بالنفط، وشرع في شرح كيف حولته الحرب الأهلية السورية إلى مهرب للديزل.

كان ذات مرة يرتدي مريولاً طبياً نظيفاً أثناء عمله في مستشفى تابع للدولة، لكنه طُرد بعد أن استولى الثوار على قريته، واعتبروا كل السكان المحليين مشتبهاً بهم، كما قال. وفيما بعد، وبسبب امتداد رقعة الحرب، غادرت قوات الحكومة المنطقة، تاركة نفطها لقمة سائغة للآخرين.

يقول محمد: “في السابق، كنا نرى الآبار، لكننا لم نشاهد النفط عياناً أبداً”. أما الآن، وعلى الرغم من أن أبخرته تصيبهم بالغثيان، فقد ساعد النفط مئات العائلات مثل عائلته على تدبر شؤون العيش. ويضيف محمد: “زوجتي لا تشتكي من الرائحة طالما أن هناك نقوداً”.

ملأت المشاهد من هذا النوع كل أنحاء الخريطة خلال زيارتي التي استمرت لعشرة أيام في شمال شرق سورية، على طول الحدود التركية. ويبدو لكل واحد هنا زاوية للعمل؛ حيث يسعى الناس جاهدين إلى ملء الفراغ الذي خلفه انهيار الدولة السورية في مناطقهم.

اعتبرت مجموعة “الدولة الإسلامية” مفترق الطرق المهم هنا مكاناً رئيسياً لتوسيع ما تدعوه “الخلافة”. فقد كان بعيداً عن المصالح الرئيسية للحكومة الرئيسية في دمشق، وهو يجاور نهراً وفيه شبكات طرق تسمح بالحركة السريعة للمقاتلين والتهريب.

لكن المقاتلين الأكراد دفعوا بجهاديي “الدولة الإسلامية” إلى الخروج من هنا، وسعوا إلى طبع رؤيتهم لحياة أفضل على شمال سورية: إنشاء جيب يتمتع بالحكم الذاتي وقائم على المبادئ التي وضعها لقائد كردي مشتدد يزين وجهه الآن الشارات المربوطة على الأذرع والجداريات عبر كامل المنطقة –جزء منها فوضوي، وجزء شعبي اشتراكي.

ويحاول آخرون، مثل السيد محمد، أن يتدبروا أمر العيش فقط: المزارعون، المئات من المهربين، أو أولئك الذين يحاولون مجرد إعادة وصل أجزاء مجتمعاتهم الممزقة معاً مرة أخرى بعد العيش أشهراً تحت الراية السوداء والعقاب العلني لمجموعة “الدولة الإسلامية”.

الآن، ذهبت الشرطة، وازدهرت الميليشيات، وتعثرت حركة المرور بفعل نقاط التفتيش، وتغطت أعمدة الإنارة بصور المقاتلين القتلى. وتقف محطات الوقود المغلقة إلى جوار الأكشاك التي تبيع النفط في أباريق بلاستيكية. وتؤوي المكاتب الحكومية المهجورة إدارات مؤقتة نشأت كيفما اتفق، والتي تناضل في سبيل إبقاء الأنوار مشتعلة.

يوتوبيا كردية

الميليشيا الكردية التي كبرت لتصبح قوة مهيمنة في هذا الجزء من سورية على مدى العام الماضي -والمعروفة باسم وحدات حماية الشعب- استطاعت أن ترد “الدولة الإسلامية” على الأعقاب في العديد من المناطق، مقتطعة رقعة من الأرض يسودها الأمن النسبي، والتي يسميها السكان “روجافا”.

ويعمل قادة المجتمع هنا على إقامة نظام جديد قائم على فلسفة القائد الكردي الانفصالي عبد الله أوجلان، من حزب العمال الكردستاني، الذي يقضي حكماً بالسجن مدى الحياة في تركيا بتهمة الخيانة.

وتقول لوحة إعلانية تحمل صورة وجه

عبد الله أوجلان ذي الشاربين المميزين: “حولوا أرضكم، وماءكم وطاقتكم إلى وسيلة لبناء حياة حرة وديمقراطية”. ويطلق الأنصار على أوجلان اسم “الرئيس” أو “العم”.

متأثراً بالمنظر الفوضوي الأميركي موراي بوكتشن، دعا السيد أوجلان إلى إقامة حكم ذاتي تمارسه لجان محلية غير مقيدة بحدود وطنية. ويقول مؤيدو المشروع إنهم لا يسعون إلى تقسيم سورية، وإنما إلى قيادة ثورة اجتماعية طويلة الأمد، والتي تضمن الحقوق الجندرية وحقوق الأقليات.
تقول هيديا يوسف، الرئيسة المشاركة لواحدة من الكانتونات الثلاثة المعلنة ذاتياً في المنطقة: “يستطيع الشعب السوري حل الأزمة والعثور على طرق جديدة لإدارة البلد”.

لكن الكثير مما يخص وضع الإدارات الجديدة العاملة يبقى موضوع طموح فحسب. لم تعترف أي قوى أجنبية بها، وتنظر إليها تركيا بعداء، خشية أن ترغب هذه الإدارات في إعلان دولة مستقلة بجوار حدودها. ومعظم العاملين فيها متطوعون أو موظفون ما يزالون يتلقون أجورهم من الحكومة السورية.

تبدو تعقيدات النظام الجديد واضحة تماماً وبقوة في مدينة القامشلي الكردية؛ حيث تمتلئ الأنحاء بالنصب التذكارية لمقاتلي الميليشيا القتلى واللوحات الإعلانية المخططة بالأحمر والأخضر والأصفر -ألوان علم وحدات حماية الشعب. وتقول الكتابة على شاخصة تعرض صور نساء يزرعن ويحملن رشاشات كلاشنكوف: “الوطن هو الانتماء، والولاء والتضحية”.

ذات صباح، لوحت عشرات النساء بأعلام الميليشيا في الطريق الرئيسية في البلدة، منتظرات وصول جثامين المقاتلين الأكراد الذين دفنوا سابقاً في كوباني، من أجل إعادة دفنها في مقبرة الشهداء المحلية مترامية الأطراف، والتي لا تتسع باستمرار.

وهناك، وقفت ريناس غانم بينهن وهي تحمل صورة لشقيقتها، سيلان، التي كانت قد تركت المدرسة الثانوية لتنضم إلى الميليشيا في العراق، ثم عادت لتقاتل قوات “الدولة الإسلامية” في سورية، حيث قُتلت.

مع ذلك، يلوح في مكان قريب تمثال للرئيس السوري السابق القوي حافظ الأسد، والد الرئيس السوري الحالي، في منطقة ما تزال تسيطر عليها الحكومة السورية على بعد بضعة مقاطع سكنية فقط؛ حيث يقوم رجال الشرطة السوريون بتوجيه حركة السير بقمصانهم البيضاء وقبعاتهم السوداء.

لا يخفي القادة الأكراد سخطهم من الحكومة السورية بسبب معاملتها للأكراد. لكن السماح للحكومة بالسيطرة على مطار البلدة يجعله يبقى مفتوحاً، كما يقولون، كما أن حضورها الرمزي إلى حد كبير في وسط المدينة منع شن الضربات الجوية الحكومية وقنابل البراميل التي دمرت مناطق الثوار في الأماكن الأخرى.

يقول أحمد موسى، الصحفي الكردي: “تستطيع وحدات حماية الشعب طرد النظام من البلدة في غضون ساعة واحدة، ولكن، ما الذي يمكن أن يأتي بعد ذلك. قنابل البراميل والغارات الجوية”.

تتكون صلة هذه المنطقة الرئيسية مع العالم الخارجي من قاربين يعلوهما الصدأ، واللذين ينقلان الركاب عبر النهر من العراق، ومن جسر عائم لنقل البضائع. وقد حملت الشاحنات التي غادرت سورية في أحد الأيام الأخيرة الأبقار والأغنام؛ بينما امتلأت الشاحنات القادمة بالمشروبات الغازية ورقائق البطاطا.

على الرغم من تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق، دفعت البطالة وتهديد تجدد القتال بالعديد من الناس إلى الخروج من هذه المنطقة والهرب إلى أوروبا بواسطة القوارب. ويقول شيفان أحمد، وهو مساعد جزار في بلدة عمودو، والذي يكسب أقل من 3 دولارات في اليوم: “الوضع في روجافا لا يسمح ببقاء الناس هنا”.

وكانت زوجته وابنه الذي عمره 7 أشهر قد غادرا مؤخراً على متن قارب غرق بالقرب من تركيا، كما قال. وقد تم إنقاذهما، لكن أراقبهم البالغ عددهم 13 شخصاً، ومعظمهم من النساء والأطفال، ما يزالون مفقودين. ومع ذلك، يواصل جيرانه المغادرة، كما يقول.

علامات “داعش”

حتى هذا العام، سيطرت مجموعة “الدولة الإسلامية” على معظم هذه المنطقة، وما تزال آثار حكمها هنا ماثلة حتى الآن: الشاخصات السوداء التي تحمل صور الخليفة المعين ذاتياً، أبو بكر البغدادي؛ وعبارة “الدولة الإسلامية” وعلم الخلافة مرسومان بالأسود والأبيض على الأرصفة والقناطر؛ والمقابر التي تم تحويلها إلى أكوام من الأنقاض.

كان محور حركة النقل للمجموعة هو تل الأبيض؛ البلدة الواقعة على الحدود مع تركيا، والتي شكلت نقطة عبور للجهاديين الأجانب ومعبراً للبضائع التي تراوحت بين مشروبات الطاقة والأسمدة التي استخدمت في صنع القنابل.

والآن، أصبحت البلدة في أيدي الأكراد. ويتذكر السكان الذين تبقوا في المنطقة حضور الجهاديين الأجانب وكأنه حلم غريب.

يقول صاحب مطعم كباب عمره 70 عاماً: “اعتادوا القدوم إلى هنا كل الوقت، وكان كل واحد منهم يأكل كيلوغرامين”! ومن أجل إرضاء الحكام الجدد، كان صاحب المطعم يعلق ستائر في زاوية من المكان لصناعة قسم منفصل خاص بالنساء، ويضع التلفاز على محطة لتلاوة القرآن؛ وكانت البرامج الأخرى محظورة.

كانت عمليات الإعدام تحدث كل أسبوع أو اثنين بالقرب من النافورة، كما قال، حيث كانت “نقطة الإعلام” التابعة لمجموعة “الدولة الإسلامية” -والتي ما يزال مكانها قائماً- تقوم بتصوير أفلام الفيديو الجهادية. وما يزال هناك قفص موجود في دوار آخر حيث كان الجهاديون يسجنون الرجال الذين يُضبطون وهم يدخنون أو يلعبون الورق.

لا يشعر صاحب المطعم بأنه يفتقدهم، كما يقول. لكنه لم يقبل التصريح باسمه في هذا التقرير، خشية احتمال وجود خلايا نائمة. (قال: “سوف يضعوننا على قوائم الاغتيالات”).

في الجوار، ثمة امرأة شابة في صالون للعرائس؛ حيث تتدلى فساتين الزفاف من الجدران، وقالت إن العمل ازدهر مع زواج الكثير من النساء بالمقاتلين الأجانب. وأضافت: “كن يأتين لصبغ شعرهن، والاستعداد لحفلات الزفاف ووضع مكياجهن، وأي شيء”.

مع ذلك، هددها الجهاديون في البداية بسبب نتف حاجبيها، وهي ممارسة محظورة عند الجهاديين. وقالت الفتاة: “رأوني وقالوا: إذا رأيناك مرة أخرى وقد نتفتِ حاجبيك، فإننا سنغلق محلك”. وامتثلت لهذا الأمر حتى مغادرتهم. وأضافت وهي ترفع حاجبيها المرتبين على شكل منجل: “الآن أفعل بهما ما أشاء”.

في البلدة الآن مجلس محلي جديد يترأسه رجل عربي وامرأة كردية، والذي يكافح لاستعادة الخدمات -فقد نهب الجهاديون مولدات الكهرباء ومضخات المياه وإمدادات المستشفى قبل انسحابهم في حزيران (يونيو). لكن التمويل شحيح. ويقول الرجل العربي المشارك في قيادة المجلس، منصور سلوم: “ليس لدينا دخل رسمي ثابت”.

كما أغار الجهاديون أيضاً على الكنيسة الأرمنية المحلية، وشوهوا صلبانها، وبنوا زنازين سجن ومنصة للشنق في الجوار. وما تزال ألواح مدرسة الكنيسة المهجورة تحمل دروساً عن الأسلحة والمتفجرات.

أحد العابدين الأرمن، رفيق كيفوركيان، ظل في البلدة ودفع جزية الأقليات التي تبلغ أكثر من 100 دولار في السنة، حتى لا يصادر الجهاديون منزله، كما قال. وما يزال يحتفظ بإيصال الضريبة.

ويقول كيفوركيان: “لم أتخلص منه أبداً، لأنك لا تستطيع أن تعرف أبداً ما الذي يمكن أن يحدث تالياً”.

اقرأ:

نيويورك تايمز: تفاصيل أسوأ أزمة لاجئين تعصف بالعالم