on
Archived: محمد ديرانية: الوطنيّة .. و الإسلام .. أعداءٌ أم ذرّية بعضها من بعض؟!
محمد ديرانية: كلنا شركاء
منذُ زمنٍ طويل .. و أنا ألحُّ على نفسي لتكتبَ بهذا الشأن، و بمواضيع أخرى شائكة، لسببين اثنين ..
أوّلهما .. و بإمكان القارئ أن يخمّنه بمفرده، إن أحسنَ الظنّ، و هو رغبتي في اجتماعِ الأمّة، و ثانيها هو شغفي الشّديد في توضيح الواضحات، و شرحِ المشروحات .. نظراً لما يُتيحه سياقها من سهولة التحكّم بالعبارة، و التصرُّف الحُرّ بالكلمة، بالإضافة إلى شيءٍ آخر إضافيٍّ أحبّه، و هو التّحاكُم إلى المنطق و الفطرة الأولى في الاختلافات النّاشئة من النّظر لشيءٍ واحد .. من زاويتين مختلفتين.
و لذلك .. فإنّي أطلبُ من القارئ الذي سيمضي معي في السّطور التّالية، أن يعرف أنّي أسعى مُتعمّداً أن ابتعدَ به قدر المُستطاع عن الشّواهد، و أنّي لن أسرد أحدها، إلّا عند الحاجة المُلحّة إليها، رغبةً منّي في إذكاءِ ظلّها في فطرته، و البحثِ عن معناها و اهتدائه إليه بمفرده.
إلّا أنّ ذاك العزم للكتابة، كان يتأخّر و يتأجّل، مرّة بدافع التّسويف، و مرّة لأنّ نفسي كانت تتخيّلُ أنّه يحتاجُ عبئاً و جُهداً كبيراً .. إلّا أنّ حديثاً مع أحد الأصدقاء، قبل يومين .. أيقظَ لديّ رغبة للكتابة بخصوصهم كانت قد خبَت، و أشعلَ لهفةً لرؤية الأجزاء المتنافرة يعانقُ أحدها الآخر .. كانت قد انطفأت، نتاجَ ما أستيقظُ و يستيقظُ القارئ عليه من التّناحرات و النّزاعات بكلّ يوم جديد ..
فكان بتوفيق الله ..
و أدعكم مع المقال ..
***
-1-
يُطرَحُ علينا اليومُ سؤالٌ مهمّ، أمّا من نحن، فأقصدُ بأنفسنا عامّة النّاس، و أمّا من يطرحه علينا، فهو طرفٌ آخر، بملامح قاسية، في عبارته و وجهه، يطرحه علينا .. يخيّرنا فيه بين الوطنيّة و الإسلام .؟! فإمّا أن نكون وطنيّين .؟! أو نكون مُسلمين .؟!
و يتبيّن لدينا .. أنّه بمجرّد فصلِه بينهما، و رؤيتنا لأحدهما مُقدّساً و هو “الإسلام” .. و للآخر غريباً و هو “الوطنيّة” .. فإنّ سؤاله كان قد حسم النتيجة مُسبقاً، و هو أنّه من يؤمنُ بأحدهما فهو كافرٌ بالآخر، و العكسُ أيضاً، و سنعرفُ لفورنا بأنّنا إمّا أن نحظى بالقداسة إن أحسنّا الاختيار، أو نهوي مع المُصطلح الآخر إلى مصيرٍ لا نعرفه. – و سأدعُك تعرفُه بعد قليل .. – و هكذا يُطرحُ السّؤال، و بهذه الطّريقة التي تحسمُ النّتيجة و الجوابَ الذي يريدون منك أن تُجيبَ به فوراً.
و يعني ذلك .. إمّا أنّ نسلّم لهم بالمعنى الذي يريدونه من الإسلام، و بصيغة أدقّ “بفهمهم له”، و إمّا أن نُخرجَ أنفسنا تلقائيّاً من دائرته إلى شيءٍ آخر .. مجهول .. و سنتحدّثُ عنه لاحقاً.
و عند هذا السّطر .. كان يتوجّبُ على القارئ الذي لم يرسم أيّ شيءٍ على وجهه، أن ينتفض تغيّظاً من تلك المناورة التي مارسَوها على آبائه سابقاً، و يمارسُها أحفادُهم عليه اليوم، عندما حصلوا على الإجابة التي يريدونها منه، بمجرّد أن عبثوا بعبارات السّؤال.!
و لذلك فإنّ المنحدر الذي يتعمّدون أن يدفعوننا إليه، عند تخييرنا بين الوطنيّة أو الإسلام ؟! سيحملنا كما يريدون بالطّبع، للاستغراق بالدّفاعِ عن وجهة نظرنا، و المُسارعة لتجميلِ الوطنيّة بأنظارهم، و إقناعهم بأنّها مُجدية، و أن لا ضيرَ بتجربتها..! إلّا أنّنا بذلك نكونُ قد فوّتنا على أنفسنا شيئاً مهمّاً جدّاً، و هو ذاتُ ما أرادوا منّا أن نفوّته، و تأمّلوا أن لا ننتبه له، و رجَوا ألّا نلتفت إليه .!؟
و أن ننشغلَ عنه بتجميل الوطنّية، لكي يتّسعَ لهم المجالُ من تقبيحِها بالمقابل، بالاستناد إلى المُمارسات الخاطئة لبعض التجارب ..
إلا أنّني أتأسّفُ إذا أخبرتهم بأنّني قد التفتُّ له، و سأدعو القارئ ليتوقّف برفقتي قليلاً و يتفكّر
كثيراً، عند ذاك الشّيء الذي تمنّوا ألّا نُلاحظه..؟! “و هو استحضارُهم لُمصطلحات غير مُتكافئة أصلاً، و لا تصلحُ للموازنة أساساً، ثمّ الزجُّ بها في مقارنة غير منطقيّة، لا تنتمي المضامينُ التي يحملُها كلا المُصطلحين إلى نفسِ الخانة، أو إلى معنَيين متساويين مُتضادّين.. و إنّما مختلفين تماماً في الدلالة والحجم و التشخيص” .
فالوطنيّةُ مُصطلحُ يعبّرُ عن حالة سياسيّة و اجتماعيّة ما .. بينما “الإسلام” كيانٌ و تشريعٌ كامل، يضمُّ تحت سقفهِ أعداداً لا تُحصى من الأغصان الفرعيّة البسيطة، بدءاً من العقيدة .. مُروراً بالشّعائر و الأخلاق و المعاملات و المواريث و الأحكام و الحدود .. انتهاءً بنظام الحُكم، و الذي اختزلوا الإسلام كلّه بجزءٍ من ذاك الأخير، عندما زجّوه في مقارنةٍ غير مَنطقيّة، أوقفوا فيها الشّجرة في كفّة، أمام غصنٍ منبثقٍ عنها .. في الكفّة الأخرى.
***
-2-
إذاً .. إنّ مقارنة غصنٍ صغير (كحالة الحكم ) مع شجرة كاملة ( دينُ الإسلام ) و تخييرُ القارئ أو المُستمع أو الجالسِ على أريكته بينهما .. و جعلُهمُا متضادّين تماماً، ثمّ يغمزُ المُخيِّرُ ( بكسر الياء) بعينه للمُخيّرِ .. ( بفتح الياء ) مُشيراً إلى خنجره الذي يربطه على بطنِه، ثمّ يعاودُ الطّلبَ منه أن يختارَ بحريّة.. فإمّا أن يرفُضَ
الوطنيّة، و يرضى بحكم الناقة و السيف، و أبي ذُؤامة ؟! أو أن يرضَى بها و يخرجَ من دائرة الخيار الثّاني “الإسلام” .. و هو بالتأكيد يعرفُ ما ينتظره إن خرج ؟! من الاتّهام بالردّة، و زجّ اسمه بعد الشّيطان في كلّ استعاذة، ثمّ قتله بعد قراءة أحاديث، و ترتيلِ آياتٍ من ورقةٍ مُلئت بوجهيها، دون أن يُفوّت القاتلُ المُلثّم أن يذكُر أنّ الرّأس الذي سيتدحرجُ بعد قليل، قد عادى الله و رسوله، و أنّ الله و رسولُه و الإسلامَ سينتصرُ بفصلِ رأسِ من اختارَ الوطنيّة على الإسلام .. و يعذُرني القارئ إن كسرتُ إيقاع الانفعال، لأنهي المبتدأ بخبره ، فأقولَ بأنّ التّخييرَ بتلك الطّريقة غير المتكافئة.. تخييرٌ و مقارنةٌ فاسدة مُسبقاً، و مرفوضة سلفاً، و ميتة قبل أن تولد.
**
-3-
حسناً .. لكن هل تنتهي المُشكلة بقولنا بأنّ الطّرحَ مُشوّه قبل أن يُولد .؟! و هل يعني ذلك أنّ الإشكال قد بُيّن، و أنّ الفهمَ قد عُيّن، أو أنّنا انتصرنا لمّا بيّنا خطأه في الطّرح، و أنّه هُزِمَ بمجرّدِ
أن طرحَه، و مسَّه القرح ؟! و أنّ عليه أن لا يستخدِمه مُجدّداً، و إن عادَ له، كان بردِّنا نفسِه
مُهدّدا ؟!
بالتأكيد لا ..!! فنحنُ لدينا .. مُصطلح قد بنى النّاس في أذهانهم له فِهماً محدّداً، و إن كانوا من زاويتنا مُخطئين.. و كنّا من زاويتهم كذلك، إلّا أننّا سنضّطرُ لمغادرة ساحتنا، و زيارتهم في ساحتهم، و مُخالطتهم في فهمهم له، و ذلك فقط .. إن أردنا أن ننتهي بشيءٍ ما معهم .؟!
و أن ندعوهم بالوقت نفسه .. ليرافقونا إلى ساحةٍ أخرى، لا هي بساحتنا و لا ساحتهم، و لا يطالُها ظلُّ تعريفاتنا و لا تعريفاتهم لـ “الوطنيّة” و إنّما هي المنطقُ و الفهمُ الفطريّ .. لنتحاكم إليها بما لدينا، و لا أحسبهُم يرفضون، أو من دخولها يهربون، إلّا أن بيّنوا لنا أنّ ما يُشاعُ عنهم حقيقة، و أنّنا لن ننجحَ في الخروجِ منها بغيرِ تكفيرنا .. أسوةً بمن سبقنا من الخليقة، و لعلّها فُرصةٌ لهم لتبييضِ صفحتهم، و تحسين منظار العوام و من لم يعرفهم بعد لهم.!؟
و حسبهم ليحقّقوا ذلك .. أن يضمنوا لنا أنّ يعودوا معنا إلى المنطق السويّ، و الفطرة البسيطة، بلا ضجيجٍ و لا دويّ .. عند أوّل اختلاف ينتأ بيننا و بينهم، و ألّا يستلّوا سكّينهم. فإن قبلوا فأنّي أمنّيهم بصورة المُستقبل القريب.. و الذي يحتملُ أحد خيارين ؟!
فإمّا أن نسحبهم لساحتنا التي نناديهم إليها، و نستوي في نفس الفريقِ يستعيرُ بعضنا جيادَ بعض. ؟!
أو ننسحبَ معهم إلى ساحتهم، التي يزجروننا و يأمروننا من منبرٍ عالٍ فيها بالانضمامِ إليهم، و المُسارعة لنفي العالم، و الاحتقان اتّجاه كُلّ ما سوانا، و التجهّم بوجه من أتانا، حتّى نأمن دخوله فينا، فيجري عليه ما علينا، و يكونُ له ما لنا من الغنيمة، و يأخذُ حظّه كما نأخذُه كاملاً سليماً.
**
و من لم يوافقنا .. و كان في ديارنا قتلناه لفورنا، و من كان فيها و كان بإمكانه أن يمنحنا المال أو السلاح .. أعطيَ فُرصة الاستِتابة.
و من لاذ بأرضِ غير المُسلمين، أفسدت سُمعته، و أهدِر دمُه، و لوحِق أهله، و اعتقلَ ابنه حتّى
يعودَ إلى ديارنا فيسلّم نفسه إلينا فنقتله، ثمّ نقتلُ ابنه من بعده، لشكّنا بصدقه يوم وعدَ بعدم بوحه بما رأى في سجوننا من العدلِ و المُساواة بين” العبّاس” و الآخرين.
فإن وافقوا أن يحتكموا إلى المنطق عند أدنى اختلاف .؟ ذهبنا معهم إلى تلك السّاحة الحُرّة، تُصاحبنا السّلامة، و إن تشنّجوا و اضّطربوا، و كانوا للرّفضِ و لتحسُّس السّيفِ إلى خاصرتهم أقرب.؟ فردّنا سهلٌ يسيرٌ عليهم .. شكرَ الله لكم و مع السّلامة.
***
–4
بداية إنّ منشأ الخلاف حول الديمقراطية أو الوطنية بين الطّرفين “الإسلاميّين” و نعني بهم من يكرّرون طرحَ ذاك السؤال علينا، و بين الطرف الآخرِ المُقابل .. نابعٌ في كثيرٍ من حالاته، إلى اختلافِ التعريف الذي وضعه كلّ فريقٍ للمُصطلح.
و لعلّنا إذا بحثنا بين الفريقين عن المُسلم البسيط .. الذي لا يحفظُ الكثير من المُصطلحات، و لم يضّطلع في الولاء و البراء، و الجنّة و النّار، و حكم الله و حكم الشّعب ؟! لم نكد نجد له حسّاً أو نسمعَ له رأياً، و قبل أن يسارعَ أحد الطّرفين لتبنّي احتوائه له، يسارعُ البسيطُ إلينا ليعلمنا بأنّه بغير انتماء .. و لا يعرفُ شيئاً عن كِلا الطّرفين، و أنّ فطرته كانت كفيلة لتجمعه مع الحقّ مُباشرة،
دون وُسطاء، و أنّه اجتمعَ به دون حاجته إلى المُصطلحات و الشّكليّات كشرط حصريٍّ لدخول الاجتماع.
و يلاحظ القارئ أنّي نقلتُ الحديث عن نفسي إلى الآخرين و أخرجتُ نفسي عنهما، و ذلك ليسَ رغبةً بشيء، و إنّما حتّى أتمكّن من وضع الفريقين في الميزان.
***
-5-
يجبُ توحيدُ مفهومنا اتّجاه الوطنيّة كخطوة أولى نحو الحلّ ..
في حال أهملنا الخلاف الدائر حولها اليوم، و أسمَعنا “الكلمة” إلى طفلٍ في الثالثة عشرة، و طلبنا منه مَعناها .. حدّثَنا عن حبِّ الإنسان لوطنه، و عدم تخلّيه عنه. و إذا قدّمنا عيّنة اختبارنا في العمر خمس سنوات تقريباً، ثمّ أعَدنا
السّؤال .؟! وجدنا أنفسنا نُصغي إلى خطبة تحثُّ المُسلم على حبّه لمنشئه “الأرض” و البذل لأجله، و إقامته على أسُسٍ و معاييرَ صادقة، و مَوازين عادلة، تحفظُ كرامة أبنائه، و تذودُ عنهم ضدّ أعدائه، لا تمنعُ الصّغير و الكبير حقّه، و تسمحُ لأهلِ الذمّة أن يعيشوا على الأرض التي وُلدوا عليها و أقلّتهم و أجدادَهم دُهوراً، يأخذون ما لهم، و يؤدّون ما عليهم، و للإسلام أن يحميهم ما التزموا ذمّتهم.. و أن يُعاقبهم ما خرقوا العهود.!
الناسُ تحت ظلّها أدرى بشؤون دُنياهم، لا الدّينُ يطلبُ أن يسمحوا له أن يتدخّلَ فيها، و لا يهدّدُ بخسفِ قُراهم.
النّصحُ فيها سلوكُ من يرغب بالنبيّ أن يقتدي، بخلقه و عدله، لا بزيّه أو دابّته..
بالوجهة التي كان يوجّه إليها سيفَه و سلاحَه، لا بشكلِ سيفِه، و بلونِ رُمحِه.
و عهدُنا بالدّينِ لا إكراه فيه، و إنّما عليكَ يا “مُحمّد” البلاغُ و علينا الحساب، و إنّما أنت مُذكّرٌ بالفطرة الأولى فقط.
فلا تسوقُ النّاسَ إلى المساجد بالعصا، و تقيمُ القيامة على كلِّ من تكاسلَ أو عصى.!
و عهدنا به لا كهنوتيّة فيه، و ألّا نسبَ بين الله و عبده إلا بطاعته، و أنّ القلبَ إذا ما حوصِر أنتجَ النّفاق، و إذا ما
أرغِمَ .. حُمِّلَ البغضاء و الشّحناء.!
و أنَّه على الإنسان فيه لا تقومُ قيامتان، فهي واحدة .. و بيدِ الله فقط .. و كلّ ما سواها تعدٍّ على مهامه التي أوكلها لنفسِه، و منعها عن غيره.. و للمُتجرّئ جزاءٌ بليغ.
***
و لعلّ القارئ خلدَ معي إلى العبارة، و غابَ معي في الحروف .. و لعلّي أوقظه منها، لأذكّره بأمر مهمّ، أنّ كلّ غصنٍ من أغصان الإسلام، يقودُ إلى الشّجرة التي أنبتته و فرّعته، و ليسَ بالإمكان قراءته إلا على ضوء سائر الأغصان و الفروع. و لعلّك تساءلتَ عن توسيعي لمُصطلح “للوطنيّة” بلسانِ الفتى، ليطالَ أكثر ممّا يشتملُ عليه اسمه ..؟!
و لعلّكَ حصلتَ على الجواب..
و معيارُ القائمين بهذه الشّؤون و الوظائف، ما أقرّه بشؤون الدّين و الدّنيا “كتابُ الله المُقدّس”..
فإن لم يجدوا فيه.. غابوا في السنّة باحثين، فإن لم يجدوا .. نقّبوا في سياسة الخُلفاء الخمسِ الرّاشدين. و هي تذخرُ عن حاجاتهم و تزيد، و لعلّ ما في الأولى و الثّانية ما يذخر، إلّا أنّي أحصِي ألفاظي بعناية، لأسبابٍ يعرفُها من يقرأ .. و لعلّ ما فاضَ عن الأولى و الثّانية، هو ذاتُه ما بنى عليه الخمسُ الرّاشدون سياساتهم لاحقاً.
**
و هم خلال بحثهم في هذه المصادر عن التشريع الحكيم ليعتمدوه .. فإنّما هم يبحثون عن المعيار لا الصّورة، و عن الإسقاط لا النّسخ، و عن القيمِ لا الشّكل .. و ذلك بهدفِ الحصولِ على ميزان عدلٍ قويم يُؤسّسُ لمستقبل أفضل.. لا عن رغبةً بإعادة الزّمن إلى الوراء، و هِجرة المدينة نحو البادية، و استبدال السيّارة بالنّاقة، و البندقيّة بالسّيف، و الرّصاصَ بالأشعار، و تركُ المنازلِ للجنِّ و الإقامةُ في الخيم، و معاقبةُ من يأبى ذلك، بتهمة مُخالفة القيم.
بالتّأكيد لا .. فلا يفكّر بتلك الطّريقة إلّا من أخطأ طريقه، وعاشَ فيما بيننا.
و تسلسلُهم في الرّجوع إلى المَصادر بذاك التّرتيب .. هو تطبيقٌ لجزءٍ ممّا لا يُختلف عليه من قِصَص السنّة، و هو
ما رضيه النبيّ لمعاذ، ساعة أرسله لليمن “ليحكم فيهم”.. فكان جوابُ معاذ بأنّه سيحكم فيهم بكتاب الله ، ثمّ بسنّة رسوله إن لم يجد؟ ثمّ يجتهدُ بصدقٍ.. و لا يزيغ.. إن لم يجد.؟!
****
-6-
و نحنُ إذا بحثنا في كلمات هذا الفتى، و قلبناها رأساً على عقب، بحثاً عن شيءٍ فيها يدعو إلى الكفر، أو خطّة تُمهّدُ للعُهر، أو بابٍ ينفتحُ على التحلّل، و يُمكّنُ لأعداء الأمّة لأرضها من التسلّل .. و لانتشار البنوك الربويّة، و عبادة اللّوحات الأثريّة، و استبدال القرآن بالإنجيل، و السنّة “برسائل بولس” فإنّنا لا نجد .. و لن نجد.!
إلّا إن ألصقنا السّكين في عنقه، و أرغمناه أن يعترفَ بأنّ ذلك ما كان يُخفيه حقّاً وراء أكمته، و أنّه تلقّى إيصالاً ماليّاً ليواري خطّته خلفَ هذا التّعريف، أو أنّه مبعوثٌ من تنظيمٍ ما، و له رتبة عريف.
و لستُ بصدد الحديث عن مصيره، بعد ذاك الاعتراف، يكفينا مؤونته زيارة نلفّها على القتلى في المقابر، نلقي بها نظرة على الشّواهد، لنعلم سببَ الاختفاء، و نفرحَ بانتصار الإسلام، و ذوبانِ الكفر و الطّغيان.
***
و يعذُرني القارئ إن كسرتُ إيقاع الانفعال بعدّة أفكار قصيرة .. دلالاتها مهمّة ..
مُصطلح” الوطنيّة” وضعيٌّ بامتياز.. و لنا إن أهملنا المعاني الأولى التي أُريدَت منه ساعة وُضِع، أن نعرفَ أنّ معانيه لم تستقرَّ على لونٍ واحد منذُ وُضع، و أنّها تعدّدت و تلوّنت، و طالت و قصُرت..
فبين حصره بالعلاقة الودودة بين الإنسان و أرضه، إلى استخدامه كدلالة سياسيّة، ثمّ لينتهي عند أصحابنا في الطّرف المُقابل ليُفهَم أنّهُ فكرٌ جديد، يُملّصُ المُسلمَ من دينه، و يستبدلُ له القرآن بكتابٍ آخر يؤلّفه البشر، و يستندون إليه في الزّواج و الطّلاق، و يقيمونه على غيرِ دين الحقّ.. و بشهودٍ وهميّين، و شيخٍ ذي لحيةٍ مُزيّفة، فيستحلّون عبرَه
الزّنا، و يُمهّدون فيه للرّبا، و يدعون من خلالِه للفجور، و نشرِ القِمار و الخمور، و زجِّ المُتديّنين في السّجون، و إخراجِ أصحابِ البُطون، و هم بعدَ النّظر إليه بتلك الطّريقة، و إلينا .. كداعين إليه بهذا الفهم.!
سنعتبُ عليهم إن تأخّروا عن إجابتهم لنا بـ :
” قل يا أيها الكافرون لا أعبدُ ما تعبدون.. لينتهوا عند .. لكم دينكم و لي دين.”
***
و لنا الآنَ إن فرّقنا بين شقيقين، يعيشان دوماً مُتلازمين، ثم نسألهم بعدها، أن يُسمعونا معنى “الوطنيّة”، لوجدنا إجابتين مُختلفتين، و فِهمين متباعدين، كلّ عنا به أمراً، و قصدَ به حالة، و أرادَ بذكرِه قصداً..
ولهذه الضّرورة المُلحّة ..
كان لا بُدّ من الاتّفاق على تعريفٍ واحدٍ له، ليتبيّن ما يرمي إليه فريقٌ ما عندما يُقرّه، و ما يرمي له المُقابلُ عندما يرفُضُه، و حتّى لا نُتّهم بالرّغبة عن الإسلام إن اخترنا العملَ بها، و لا يُتّهموا بالتّطرُّف و التعصّب و الخزرجة، و الهروب من متاحفِ و كُتبِ التّاريخ إن رفضُوها ؟!
و لنا إن أردنا أن نوحّدَ نظرتنا له، أن ندعوهم لنقفَ معاً في نفس الزّاوية، و أن نذهبَ إلى ذاك الذي يبلغُ الثامنة عشر من عمره.. و ناله الإهمالُ منّا قبل قليل .. فلم نشكره على تعريفه، لنعودَ إليه ثانيةً، و نطلبَ منه أن يزوّدنا بتعريفه مُجدّداً ليكونَ بوابتنا إلى الاتّفاق، و نافذتنا لتحصيل الوفاق، و ليصيرَ بمقدورنا أن ننادي بعضنا و بصدقٍ مع
النّفس : يا رفاق ..
و لعلّك تعودُ إلى ما قاله بمُفردك مراراً .. ثمّ تكملُ معي ما بقي ..
***
-7-
و لعلّي آتي على ما أخّرتُ للخاتمة قصداً، و أخفيتُه عنك عمداً، للسّطور الأخيرة ..
من أمر الحُكم و الانتخاب و الوزارات، و بعيداً عن دعوتنا لهم إلى مراجعة الحالات الخمسة لتولّي الخُلفاء الرّاشدين .. فإنّي سأسردُ عدّة أفكار سريعة، على شكلِ أسئلة، تحملُ من الألم أكثر ممّا تحويه من الطّرافة، و إنّي لأرجو من القارئ أن يمرّ عليها بعقله و منطقه، لا بعاطفته و اندفاعه .. و أن تتركَ فيه من الأثر، أكثرَ ممّا ستذهبُه من همٍّ لديه بطرافتها.. راجياً أن يكون على يد المنطق لمّ شملنا .. بتوفيق الله ..
– هل على دار القضاء التي تريدُ أن تكونَ نبويّة، أن تستبدلَ البناء بالخيمة، و القلم بالرّيشة، و التّوقيعَ بالختم، و الورقَ بجريد النّخل، و العامّية بالفُصحى، و أن يغيّر قُضاتها أسماءهم، إلى شرحبيل و المقداد ..؟!
أم أنّه يكفيها أن تحكُم بمعاييرِ رسول الله و سنّته التي تضمنُ حقوقَ الجميع .. بكلّ سماحة و هدوء .. بغير ضجيج و لا صخب ؟!
– و هل على وزارة الماليّة إن أرادت أن تعتنق الإسلام، أن تغيّر اسمها إلى بيت المال، و أن يحملَ موظّفها اسمَ الخازن، و يُستبدَلُ المكتبَ بجزع الشّجرة، و اللّيرة بالدّرهم، و الرّزم الورقيّة بأكياس العُملة المعدنيّة .؟!
أم أنّه يكفيها أن تكون حازمة في المحاسبة، حكيمة في التّخطيط، عادلة في التّوزيع، مرنة في التّعامل مع الوزارات الأخريات.. لتكونَ على نهج النبوّة الهادئ ؟!
– و هل على مجلس الشّعبِ الذي أعلن براءته سلفاً من كُلّ ما يُشاعُ عنه، و اعترفَ بأنّه يقرُّ القوانين التي ترتبطُ بشؤون الدّنيا لا الدّين .. هل عليه إن أراد أن يخرج عن دائرة الردّة، و اتّهامه بالحُكم بالقوانين الوضعيّة، و مخالفة التّعاليم السّماويّة .. أن يخلع جميع أعضائه أطقمهم، بنفس اللّحظة، و يرتدوا الثّوب و العمامة، و يمتشقوا السّيوف و السّكاكين، و يستبدلوا التّصفيق بسنّ السّيوف .. و التّصويتَ بنعم و لا .. بتأليفِ الشِّعر و الزّجل .؟!
و ينتظروا من الله أن ينزّلَ عليهم كتاباً إضافيّاً في قرطاسٍ، يخبرهم فيه ما يفعلونه في دورتهم الانتخابيّة هذه، من تيسير أمور النّاس، و خدمة مؤسّسات التّعليم، و إقامة المُستشفيات، و رفع الرّواتب، و تخفيفِ الضّرائب، و
ضخُّ المزيد من الأموال خدمةً للبحوث العلميّة و العلماء، و بعثات رجالِ الدّين و الفقهاء، أمّ أنّه قد أخبرهم بهذه
الأمور .. بكتابٍ آخر من قبل ؟!
– و هل على وزارة الحربيّة إن أرادت أن تعتنق الإسلام، أن تعلن الحرب على العُرب و العجم، و الشّرق و الغرب، و الروم و الفرس، و تهدّد بحرق روما، و فتح الكرملين، و امتحان المؤمن الجديد بالختان، لاختبار صِدقه من كذبه.؟!
أم يكفيها أن تحفظ العهود و المواثيق التي أبرمتها مُسبقاً، و أن تتعاون مع وزارات الأبحاث و الماليّة، لتطوّر
خبرتها بالأسلحة، و صناعتها لها، و أن تدرس جيشَ العدوّ و حركته، و كتبَ الحروب، و سيرَ المعارك في التّاريخ، و تُقيم معاهدات الدّفاع المُشترك، لتتقوّى بهم على من قد يعتدي، و تنهضَ بنفسها بعد عقودٍ من المكوث في القاع، ثمّ تمدّ يدها بعد ذلك لكلّ شعبٍ مُحتلّ، و كلّ مظلومٍ مُستغَلّ، من المُسلمين المنكوبين.. أو البُسطاء المُضّطهدين ..
فتكون بذلك قد أتمّت الأسباب، و أغلقت على التّواكُل الباب، و لتمام التوكّل عليه سبحانه ..أتمّت و أكلمت.
و هذا مفهومنا حول الوطنيّة يا رفاق ..
و حول شجرة الإسلام بمجمله .. و التي لا ينفصلُ فيها غصنٌ عن غُصن.. هو التّصرفُ بتلقائيّة و بساطة، بعيداً عن التّعقيد و الغوصُ في المُصطلحات و التفسيرات و الأسانيد و الآراء و الظّنون و النّوايا .. إلخ
فهل رأيتُم في ما قلناهُ محراباً لكُفر، أو دعوة لوثنيّةٍ، أو مناداةً بالرّبا، أو رغبةً بالزّنا، أو دعوةً لمدِّ اليدِ للعدوِّ، أو الطّعن بظهر المُسلمين، أو التولّي يوم الزّحف، أو التّصديقِ بقرآن مُسيلمة، أو نبوّة اليمنيّ الأسود ؟!
و لعلّكم تحتفظون بالجواب .. راجياً أن يكونَ ذاتُ ما يجولُ في سِرّي.
و لعلّي أتوقّفُ عند هذا القَدر، و كعادتي بعد أيّ قسوة في العبارة، فإنّي أرجئ اعتذاري لأخوتي في الطّرفِ الآخر، و وجهة النّظر المُقابلة إلى السّطرِ الأخير..
و السلام ختام.