Archived: د. محمد عادل شوك: الثورةُ السورية، و فضاءات الحرية

د. محمد عادل شوك: كلنا شركاء

لقد أشاعت الثورة في سورية أجواء غير معهودة من الحرية الفردية و الجَمْعِيِّة، جعلتْ السوريين ينداحون في فضاءاتها بسرعات قياسية، لكأنهم نَشِطوا من عِقال، و أصبحوا يمارسونها بشكل يشوبه جانب لا بأس به من علامات التعجُّب و الاستنكار، و مردّ ذلك إلى أنهم خرجوا من نظام الأسد بجملة من السلوكيات التي أشربوا فيها ثقافته و طبائعه على مدى خمسين عامًا.

فلقد ورثوا منه ثقافة التخوين، و الرمي بالعمالة للآخرين، و التصنيف على أساس وطنيّ تارة، و دينيّ تارة ثانية، و مؤخرًا على أساس ثوريّ؛ و لذلك قلّ أن تنجو قامةٌ من قامات المجتمع، ممّن نذروا نصيبًا من أوقاتهم، أو من خصوصياتهم للثورة من إحدى هذه التصنيفات.

لدرجة تجعل المتابع يحار في أمر هذه الظاهرة، و سعة انتشارها في الجغرافية السورية، أفقيًا و رأسيًا، و أشدّ ما يزعج فيها أن تغلَّف بدثار الثورة، و هو الأمر الذي أعطى الفرصة لضعاف النفوس، و أصحاب النوايا المبطَّنة، و الغرائز الشبقة نحو الانتقام بسبب رواسب الماضي، أن يباشروا أخذ ما توسوس به نفوسُهم بأيديهم دونما الرجوع إلى مؤسسات المجتمع المدني، التي على حداثتها، يمكن لها أن تفصل بين الناس في حال نشوب أزمات خلافية بين الأفرقاء.

لقد استعذب الناس في مجالس سمرهم الطويلة الخوض في شتى صنوف الحديث، فما من حدث مدنيّ أو عسكري، دنيويّ أو أُخرويّ، إلاَّ ولهم فيه رأيّ و نظرات، بغض النظر عن كونه يعنيهم أو لا.

و تلك شنشنةٌ كان السوريون موسومين بها من قبل، لدرجة جعلت المؤسسات الرسمية في كثير من الدول تتحاشى استقدامهم للعمل، أو الإقامة، خشية أن يفسدوا عليها طبائع شعوبهم في الرضا بالقليل قبل الكثير، و بترك ما لا يعنيهم.

لقد قالها القوتلي لعبد الناصر أيام الوحدة لقد أتاك أربعة ملايين زعيم، و هذا ما يفسّر كثرة الفصائل و الجهات، و الكيانات المحسوبة على تيار الثورة، و هو ما أعطى ذريعة لتخاذل الدول في ترك السوريين لقدرهم ( عليهم أن يتحدوا قبل أن يطالبونا بموقف تجاه نظام الأسد، فمن سيخلف الأسد من بين مئات الزعامات التي تضجّ بها الثورة السورية ).

إنّه لا توجد حرية مطلقة كالتي تقول بها نسبةٌ من السوريين في ظلّ هذه الأجواء الرخوة، و هذا أمر تأطره جلّ النظم و القوانين في الدول ذات التوجه الديمقراطي، إلاّ ما كان من السلوكيات الشخصية التي لا تطال الآخرين، أو تمسّ حرياتهم.

لقد جعلت فضاءات الحرية نسبًا من الشباب على وجه الخصوص، يقتحم صفحات التواصل الاجتماعي، و الشبكة العنكبوتية، و بأسماء مزيفة، يغلب عليها الكُنى، و الألقاب، يوزعون من خلالها شهادات الوطنية و حسن السلوك على الآخرين، و غدوا يهرفون بما لا يعرفون، لا بلْ أصبح بعضهم قابضًا على مفاتيح الجنان الثماني، فيدخل إليها من يكون على مقاس تديّنه، و يوافق هواه في فهم النصوص، و يرمي في الدرك الأسفل من النار بمن يخالفه و ينأى عن فكره و سلوكياته.

لقد تلطّى هؤلاء بتلكم الكنى، و الألقاب، لأنهم اعتادوا عليها أيام النظام، إخفاءً لشخوصهم سلبًا أو إيجابًا، نفعًا أو ضرًا نحو الآخرين، فمن كان من أصحاب الخطوط الجميلة، أو من كان غير مطأطئ الرأس، كان له في ذلك أفضل دثار، يخفي فيه ما يبدر منه أو يفكر فيه؛ خشية البطش و الانتقام من أولي الأمر الذين لا يروقهم ذلك ، أو من المجني عليه الذي ربما يذهب في ظلام السجن بسبب خطه الجميل.

إنّه و مع كلّ هذا الذي نراه من نواتج الثورة، من حرية تكاد أن تكون منفلتة أكثر منها منضبطة، فإنها سبيلٌ لا غنى لنا عن سلوكها حتى نعبر بها نحو غدٍ مشرق، لا خوف فيه من الكلمة المسؤولة.

اقرأ:

د. محمد عادل شوك: نفوسُ السوريين في جيزان تطمئنُ اليوم