Archived: حسن الصفدي يعقب على ياسين الحاج صالح: وكيف يخرج المرء من جلده؟!

حسن الصفدي: كلنا شركاء

تعقيب على مقالة الأستاذ ياسين الحاج صالح “في وجوب مفارقة الجماعة وشق عصا الطاعة

في مقالته المنشورة في كلنا شركاء يوم 2015/10/06 يتحدث الأستاذ ياسين الحاج صالح عن إعلان كاتب كبير، أجلّه وأحترمه، انشقاقه عن طائفته، وعن انشقاقات أخرى سالفة.

وأقول إن مفردة انشقاق هذه نبقت عن حزب أممي يقبل طلب العضوية فيه ولا يقبل الاستقالة منها، فذهبت مثلاً وراجت… مؤخراً طفقنا نسمعها من أبناء بعض الجماعات المذهبية {الطوائف} ومن آخرين يطالبون آخرين بالأمر ذاته!!!…

أن يكون المرء ابن جماعة مذهبية بعينها فهذه مسألة ثقافية ووجودية لا فكاك منها. إذ أنه سيرث تربوياً سلوكيات بعينها خاصة بجماعته، قبل أن يعي معاني المفردات التي سينطقها وتلك التي سيتعلمها، ناهيك عن حبه اللامحدود لأهله، بما هم عليه، متمثلاً بقول الشاعر “وأهلي وإن جاروا عليّ كِرام”. وهم الذين في حالة وفاته سيقيمون طقوسهم المعتادة ويدفنونه في مقابرهم (فهو ابنهم). فعن أي انشقاق يتحدثون؟!. كما أن انتماءه الوجودي هو الذي سيدفعه إلى التساؤل لماذا وكيف؟! وبالتالي سيجعله تحريض جماعته الثقافي ميالاً إلى مراجعة نفسه ونقد ما جرى ويجري، وعليه معرفة كوامن ارتباط هذا بذاك، وانتفاء هذا عن ذلك. وسيكتشف أن قامات ما كانت على القد الموصوف، وأخرى عملت وغُبِنت بالنبذ والتشويه، وهم جميعاً أهله وناسه، من مات منهم أخذ أوزاره معه، والأحياء منهم يحملون أعباءهم على كواهلهم ، كلٌ على قدر طاقته واستيعابه. ففي الأصل المسؤولية فردية {كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينْ} على أن الناس [يصنعون تاريخهم ولا يدرون أنهم يصنعونه]، فكيف ننشقّ عما تفعله جماعاتنا وتصنع؟!

من المعروف أن ليس جميع أبناء (أؤكد أبناء وليس أعضاء) جماعة مذهبية ضالعين في مقولاتها، عارفين لبوسها المعنوي والمادي، وأيضاً من المفهوم أن يكون احدهم غير مؤمن ولا يمارس شعائر جماعته المذهبية، غير أن هذا لا يعني أنه قد أصبح خارجها (لا خارجاً عنها) فهو ابنها بضعفه وقوته، بجهله وعلمه، بجهالته ووعيه، باتضاعه وعلو كعبه. ومن المفترض فيه إذا كان من الأقوياء أو العارفين العمل على رفع شأن جماعته وتصويب انحرافات يراها. وهذا لا علاقة له على الإطلاق بالكم العددي للجماعة، فكلها في هموم الحياة والإدارة سواء….

من جانب آخر، كون امرئ، من دين بعينه، عالي التعلم أو مثقفاً هل يعني ذلك أن أديان بلده الأخرى لا تخصه! وأن ليس من شأنه معرفة تاريخيتها وأوجِها الفكري! كذلك الأمر بالنسبة إلى المذاهب المتفرعة عنها أو المنشعبة، من أنها كلّها تخصنا بحكم معرفتنا لها، لا بحكم القيمة فهذا أمر يخصها بذاتها. 

وسؤال أخير: الحضارة التي تسِمنا حالياً هي رواسب الحضارة العربية الإسلامية، وطبعاُ المسيحية الشرقية شريك بكامل الحصة لمن يعرف تاريخنا، والمذهب الذي يفترض أن ينشق أحدهم عنه جزء من هذه الحضارة، فما هي ماهية الانشقاق الواقعية في مثل هذه الحالة؟!

ختاماً من المفترض أن لا شأن “للطائفية” في ثقافتنا، فنحن أبناء جماعاتنا المذهبية بالضرورة، وعلامتنا الفارقة هي سمتنا المعرفية وسلوكنا، بهما نُعلي من شأن جماعاتنا ونحط منها. أما عندما يجري التدليس على بعض أبناء جماعات مذهبية بأمور معروف أنها مرفوضة بصراحة من كافة الجماعات (و يا ويلنا إن لم تكن كذلك) فهذا من عمل سياسيين وزعماء قاصرين فكرياً، والبرهان على ذلك بالغ السهولة: أتراهم يميزون لون الدم المسفوح والمسفوك من أي دين أو مذهب سال؟؟؟!!!

من جهتي لن أخرج من جلدي، فأنا سوري ابن جماعة بعينها أعيش بين أديان عدّة وطوائف شتى أعرف عنها جميعاً لأنها تخصني، كما تخص الجميع شاؤوا أم أبوا، أليس الواقع يقول ذلك؟!

اقرأ:

ياسين الحاج صالح: في وجوب مفارقة الجماعة وشق عصا الطاعة