Archived: إياد الجعفري: استثمارات سورية لهجمات باريس

إياد الجعفري: المدن

منذ اللحظات الأولى لهجمات باريس، بدأ طرفان سوريان في إستثمار الهجمات لصالح البروباغندا الخاصة بهما محلياً، ولصالح التأثير في الرأي العام الغربي بما يخدم مصالحهما.

الطرف الأول، هم المؤيدون للتيارات الجهادية المتطرفة، وتحديداً أنصار “داعش”. ورغم أن هؤلاء قلة قليلة، لكن علينا أن نقر أنهم موجودون بقوة في وسائل التواصل الاجتماعي. إذ تبادل هؤلاء التبريكات، وأظهروا الابتهاج والفرحة، منذ اللحظات الأولى لهجمات باريس.

أما التنظيم ذاته، “داعش”، فسارع لتبني الهجمات في خطوة تنبئ برغبته في استثمارها في البعدين الداخلي والخارجي. فهو بحاجة لتعبئة أنصاره والمهووسين به عبر طقس دموي جديد تحت راية دينية منحرفة. كما أنه بحاجة للتغطية على تراجعاته الميدانية الأخيرة قرب حلب في سوريا، وفي سنجار في العراق.

لكن الطرف الثاني من السوريين الذي استثمر هجمات باريس، بوتيرة أقل سرعة من المتطرفين، وإن كانت أكثر ديناميكية، هم أنصار نظام الأسد، الذين سارعوا لتذكير الغرب بتحذيراتهم السابقة له، وأن دعم المعارضة التي يصمها نظام الأسد جميعها بـ “الإرهاب”، ارتد على الغرب في عقر داره، كما سبق وتوعدوهم. وجاءت تصريحات بشار الأسد لتؤكد هذا التذكير.

ورغم أن بعض محاولات أنصار النظام لاستثمار هجمات باريس بدت ساذجة، من قبيل ما أشيع من جانبهم عن ارتفاع شعبية الأسد بين الفرنسيين، إلا أنها محاولات توافقت مع انتعاش اليمينيين المتطرفين في الغرب، الذين رغم محدودية تمثيلهم السياسي، إلا أن لآرائهم أصداء مؤثرة في الرأي العام الغربي، ويتسع هذا التأثير عادة مع هجمات من هذا النوع في الغرب.

كان يمكن أن نلتقط في صحف الغرب، وأن نرى على بعض شاشات إعلامه، بعيد الهجمات، منظرين غربيين يذكرون بأن العرب شعب غير جاهز للديمقراطية، وبأن الأنظمة الديكتاتورية، من قبيل نظام الأسد، هي الأمثل لضبطه، وأن تراخي قبضة هذه الأنظمة، بعد ثورات الربيع العربي، هو ما سمح باتساع رقعة التطرف، وتمدده إلى عقر دار الغرب، بقوة.

هذا النوع من التفكير الراسخ في اللاوعي الغربي، والمؤثر بقوة على مواقف العديد من مواطني ومسؤولي الغرب حيال العرب، والسوريين منهم خصوصاً في هذه المرحلة، هذا النوع من التفكير، هو حليف موضوعي، لنظام الأسد، الذي حاول استثمار هجمات باريس عبر الضغط على هذا الوتر من التفكير الغربي بصورة خاصة.

أما الفريق الثالث من السوريين، الذي يشكل الأغلبية من مناوئي الأسد والتطرف في آن، لا يبدو أن تأثيرهم ملحوظ حتى الآن في تشكيل الموقف الغربي، الشعبي والرسمي، بعيد الهجمات.

ففي حين رصد إعلام الغرب ردود فعل المتطرفين الشامتة، صعّد اليمينيون من هجومهم على الموقف الرسمي الغربي المناوئ للأسد، وخفتت الأصوات المدافعة عن ثورة السوريين بين الغربيين.

لا شك إن ضرراً بالغاً طال قضية المهاجرين للغرب، والحالمين بالهجرة من السوريين، وهو ضرر من غير المتوقع تلافيه، لكن أضراراً أخرى لم تصبح بعد في حيز المؤكد، يمكن العمل على تلافيها سريعاً، وهي أضرار من قبيل تغيير مواقف بقية دول الغرب حيال الأزمة السورية لصالح نظام الأسد، وخاصة الموقف الفرنسي الذي كان الأكثر حدة ضد النظام ورئيسه.

هل تنقلب فرنسا لصالح الأسد؟.. القراءات الأولية تستبعد ذلك، بل البعض يتحدث عن احتمال زيادة التورط الفرنسي في الصراع المسلح بسوريا، لكن على جبهة “داعش” تحديداً.

في هذه الأثناء، يبدو أن لدى فريق من السوريين المناوئين للأسد و”داعش” في آن، فرصة لاستثمار هجمات باريس، في تدعيم مصالحهم، وذلك عبر المهاجرين منهم الموجودين بين المواطنين والناس العاديين في الغرب، وعبر الإعلاميين منهم الذين لهم اتصال بوسائل إعلام غربية، وعبر نشطائهم السياسيين.. على جميع هؤلاء القيام بحملة تأثير في الرأي العام الغربي، الشعبي والرسمي، عبر وسائل التواصل والإقناع المباشر، بصورة شخصية، على صعيد المهاجرين من الأفراد، وعبر وسائل التواصل الرسمية، والإعلامية، بغية إيصال رسالة واحدة للغرب، شعوباً وحكومات، مفادها، أن التطرف يزداد مع القهر والظلم، وتنحسر رقعته مع رفع أسباب بذلك، وأن إزاحة بشار الأسد وزمرته، قد تكون الخطوة الأولى وحجر الأساس في تضييق رقعة التطرف بسوريا، وبالتالي، خلق أجواء أكثر أمناً في مدن وبلدان الغرب.

اقرأ:

إياد الجعفري: الكعكة السورية أكبر من الجميع