on
Archived: من الصحافة التركية: دماؤهم غالية في باريس ودماؤنا رخيصة في سوريا
د. زبير خلف الله: تركيا بوست
في البداية، أدين بشكل كبير تلك العمليات الإرهابية التي وقعت في العاصمة الفرنسية باريس، وسقط ضحيتها عشرات الأبرياء الذين ليس لديهم أي ذنب فيما يجري في العالم الإسلامي. عمليات باريس عمليات إجرامية معادية للدين وللأخلاق وللإنسانية، إنها تعكس مدى وحشية عقلية منفذي هذه العمليات وفقدانهم لأبسط المشاعر الإنسانية . لكن السؤال الذي يسترعي الانتباه بعد وقوع هذه العمليات هو:
لماذا هرع المجتمع الدولي وتحرّك بسرعة كبيرة جدا في إدانة هذه العمليات واعتبارها جريمة كبرى بحق الإنسانية؟ بل ذهب بعضهم إلى اعتبارها حربا وحشية ضد الحضارة والإنسانية؟ وما دلالات ذلك؟
دلالات الإدانة
في الحقيقة هذه الإدانات تكشف بشكلي جلي أن المجتمع الدولي بات يتعامل بمكيالين بين ما يجري في المنطقة العربية والإسلامية وبين ما يجري في الغرب. فالمجتمع الدولي وخصوصا صنّاع القرار في الغرب لم يتحركوا ضد المجازر والإبادة التي يقوم بها النظام السوري في شعبه الأعزل وقتل مئات الآلاف وفقدان الآلاف في تلك الحرب البشعة، ولم يحرّك ساكنا تجاه تلك المأساة الإنسانية التي يتعرّض لها اللاجئون السوريون في الداخل وفي الخارج وما تشهده المنطقة العربية بأكملها من فوضى وتناحر كان الغرب سببا فيها.
من جهة أخرى نجد أن المجتمع الدولي ينتفض ويتحرك بسرعة ويندد بأقصى لهجات التنديد ضد العمليات الإرهابية البشعة التي استهدفت الأبرياء في فرنسا. إنه سلوك مزدوج يبرز أن الدم الباريسي في نظر المجتمع الدولي أنقى وأفضل وأغلى من الدم العربي الذي يُسفَك يوميا ولا أحد يحرك ساكنا. هل بات الشعب السوري كائنات لا تنتمي إلى عالم البشر؟! أوليس له الحق في الحياة ؟! أم إن المواطن الغربي إنسان مقدس لا يمكن المساس به أبدا؟!.
نحن لا نريد أبدا الموت لا لأهلنا في سوريا أو في العراق ولا للأبرياء في الغرب. فالجميع متساوون في حق الحياة . والعمليات التي جرت في باريس هي عمليات ضد الإنسانية وضد الضمير العالمي الحي الذي يؤمن بحق الشعوب في حريتها وكرامتها وبحقّها في تقرير مصيرها واختيار من يحكمها. عمليات باريس تفضح نفاق المجتمع الدولي الذي يصمت عن المجازر التي ترتكب في كل العالم الإسلامي ابتداء من سوريا إلى مصر وفلسطين المحتلة فاليمن والعراق إلى المسلمين في ميانمار والي المسلمين في افريقيا الوسطى وغيرهم.
سايكس بيكو جديدة
لا يخفى على الجميع أن منظمة داعش الإرهابية الوحشية أوجدتها المخابرات الغربية والصهيونية من أجل إحداث الفوضى في المنطقة العربية والإسلامية وإدخالها في دوامة العنف والإرهاب حتى يسهل عليه فيما بعد إعادة تقسيم المنطقة العربية والإسلامية وفق معايير جديدة تضمن له مصالحه. فما تفعله روسيا اليوم من احتلال لسوريا في ظل صمت المجتمع الدولي والغربي يدلل على أن هناك تحالفا غربيا روسيا من أجل تشكيل اتفاقية سايكس بيكو جديدة يكون فيها لكل دولة من هذه الدول نصيبها، وتظل الشعوب العربية والإسلامية تئن تحت وطأة الاستبداد والخراب والإرهاب والقتل بيد الأنظمة الديكتاتورية بشار والسيسي وبيد المنظمات الإرهابية داعش وأخواتها.
عمليات باريس فرصة لكي يعيد الغرب والمجتمع الدولي مواقفه تجاه ما يجري في المنطقة العربية والإسلامية خصوصا في سوريا والابتعاد عن سياسة المكيالين والنظر إلى أن شعوب هذه المنطقة من حقها أن تتمتع بحريتها وبأمنها واستقرارها. كما يجب عليه أن يميز بين الإسلام كدين كله تسامح وتعايش وحب وحفاظ على حق الإنسان في حق الحياة وفي العيش الكريم وبين الإرهاب الذي لا دين ولا أخلاق ولا يؤمن بالحياة أصلا. وأن الإنسان إنسانٌ مهما كانت المنطقة التي ينتمي إليها ومهما كانت العقيدة أو الديانة التي يعتنقها، فالجميع متساوون في حق في الحياة بكرامة وبحرية.
هل تصحح عمليات باريس سياسة المجتمع الدولي:
الاحتلال الروسي لسوريا ودعمه للنظام الوحشي السوري وقتل آلاف الأبرياء من السوريين قابله المجتمع الدولي بصمت كبير، وعدم جديته في القضاء على منظمة داعش الإرهابية التي دعمها الغرب وحولها إلى أكبر تهديد للمنطقة العربية والإسلامية . ولكن الغرب نسي أن هذه المنظمات الإرهابية التي دعمها هو لن تتوقف داخل حدود المنطقة العربية بل ستتغول وتمتد هذه المنظمات وتصبح تهديدا للغرب نفسه الذي يبدو أنه فقد السيطرة على هذه المنظمات الإرهابية التي تمكّنت من قلب المعادلة والقيام بتفجيرات في قلب باريس مثلما قامت بتفجيرات في قلب أنقرة.
على المجتمع الدولي وخصوصا الدول الغربية أن تعيد حساباتها، وأن تقف إلى جانب الشعوب العربية والإسلامية، وأن تتحرك ضد أي عمليات أبادة أو انقلاب على إرادة الشعوب وأن تدعم المشروع الديمقراطي التغييري الذي بدأ مع ثورات الربيع العربي. وأن تسعى بشكل جدي في مناصرة الشعب الفلسطيني الذي يقتل يوميا من قبل الهمجية الصهيونية المحتلة لفلسطين من مئة عام .
عمليات باريس رسالة إلى الغرب أنكم أنتم أيضا لن تكونوا آمنين في دياركم إذا استمريتم في سياسة المكيالين واعتبار دمائنا العربية رخيصة ودماؤكم الغربية غالية. رسالة إلى الشعوب الغربية أيضا للتحرك نحو الضغط على حكوماتهم للكف عن سياسة المكيالين والسعي بشكل جدي للوقوف بصف الشعوب التي تأمل في التحرر من الاستبداد والإرهاب وتأمل في بناء مجتمعات ديمقراطية حرة ومستقلة.
عمليات باريس هي منعطف مهم يبرز فشل النظام العالمي الراهن على تحقيق العدل والسلام الدوليين، وضرورة التحرك نحو صياغة نظام عالمي جديد تشارك فيه كل شعوب الأرض وبعيدا عن هيمنة دول معينة تتحكم في ثروات العالم وفي مصير شعوبه. نظام عالمي جديد يحترم إرادة الشعوب في اختيار من يحكمها وفي حق تقرير مصيرها، ويوقف كل مظاهر الاحتلال والإبادة والاستبداد والإرهاب مهما كانت مصادره الفكرية والعقدية.
اقرأ:
من الصحافة التركية: تركيا على الخط الأوروبي السوري