Archived: فوكس: بشار الأسد أو الفوضى ـ كيف أضاع أوباما فرصة السيطرة على سوريا

فوكس: ترجمة اسلام عواد- ساسة بوست

فرص الحسم الضائعة

بدا يوم 18 يوليو من عام 2012 ـ أي بعد مرور عام تقريباً على اندلاع الحرب الأهلية بسوريا ـ أنه اليوم الأقرب لنهاية هذه الحرب. فحتى هذا الوقت، كانت المجموعات الثورية متكونة من متطوعين محليين، وجنود سوريين منشقين عن الجيش. وقد اقتحم الثوار العاصمة السورية ـ دمشق ـ في هذا اليوم. وقد أظهرت بعض المقاطع المرئية مشاهد لهم، وهم يقتحمون قاعدة عسكرية خلال انتشارهم في ضواحي دمشق.

وفي قلب المدينة، فجر انتحاري نفسه في اجتماع لبعض أهم مسئولي النظام، وقد أسفر هذا الانفجار عن مقتل وزير الدفاع، والقائد المهم وصهر بشار الأسد القوي. لدرجة أن سيرجي لافروف ـ وزير الخارجية الروسي، وحليف الأسد الأهم ـ أقر بأن “معركة العاصمة، هي المعركة الحاسمة” وهي تحدث الآن.

وعلى بعد الآلاف من الأميال كانت تجري معركة من نوع آخر في واشنطن: فقد احتدم صراع مدته شهور داخل إدارة أوباما على ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة ـ إن استطاعت ـ لقيادة دفة الحرب التي تتحول لكارثة إنسانية سريعاً.

انقسمت الإدارة بين فريقين، أحدهما حذر من تدخل جديد، بعد الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة على ليبيا، فعارضوا التدخل لهذا السبب، بينما خشي الفريق الآخر من أن الحرب السورية ستتجه للأسوأ إن لم تتدخل الولايات المتحدة سريعاً، وعلى أية حال ستجبرها الظروف على التدخل لاحقاً في وضع أكثر سوء ومأساوية.

استقرت المعركتان سريعاً على كلا الجبهتين دمشق وواشنطن، والآن ـ بعد مرور ثلاث سنوات ونصف ـ لم يزل الأسد في منصبه ممسكاً بالسلطة، لكنه فقد السيطرة على أكثر البلد لحساب الثوار وداعش، والذين يقاتلون بعضهم البعض أيضاً. وتصاعدت الحرب وخرجت عن السيطرة، لدرجة أن إدارة أوباما، وعلى عكس وعودها المبذولة سابقاً، قد أعلنت أنها سترسل مجموعة صغيرة من القوات الخاصة الأمريكية كمستشارين في سوريا.

وما يلي هو حديث الرئيس أوباما في شهر أكتوبر لبرنامج 60 دقيقة عن ضعف أمله في إصلاح سوريا: “ما لم نستطيع فعله حتى الآن ـ وسأكون أول من يعلنها ـ هو تغيير مجرى الأحداث داخل سوريا”، وأضاف: ” الهدف الآن أصبح إيجاد طريقة لمساعدة المعارضين المعتدلين في الميدان، لكن لم يكن لدينا أي تخيل، أو وهم أننا يمكننا أن نصل لحل عسكري للداخل السوري”.

لكن الإدارة لم تتبن دائماً هذه الوجهة، فكما دُوّن في عدة تقارير عن الصراع الداخلي في الإدارة، وعن رأي أوباما نفسه، فقد تبدلت وجهة نظرهم جذرياً منذ طرح خيار التدخل العسكري لأول مرة عام 2012 وحتى الآن. فلو تم التوصل لهذا الرأي الموجود الآن في عام 2012، ولو تم اتخاذ قرار التدخل في الحرب مبكراً، لربما تغير شكل سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، بل ربما تغيرت سوريا نفسها.

المثير للسخرية أن إدارة أوباما عارضت بشدة التدخل العسكري حينما كان من الممكن أن يكون ذا تأثير حقيقي، وتتوزع مسئولية هذا القرار بين وجهة نظرهم وبين المشاكل البيروقراطية، بينما يتم جرهم للتدخل الآن بعد عدة سنوات في مرحلة أصبحت بلا شك أبعد من قدرة أمريكا على الحل.

كيف قيد أوباما يديه بنفسه تجاه سوريا

في بداية ربيع عام 2012 ـ أي بعد أشهر قليلة من تحول الانتفاضة السورية السلمية لحرب أهلية دموية ـ عقد البيت الأبيض مجموعة من الاجتماعات مع مخططي البنتاجون؛ ليسألهم عما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة. عرضوا عدة خيارات، لكنهم في النهاية خرجوا بلا نتيجة من تلك الاجتماعات.

“لا أحد يدري ما يمكن عمله”، هذا ما قاله مسئول كبير في البنتاجون لمراسل جريدة وول ستريت جورنال.

مع تزايد أعداد القتلى من الآلاف إلى عشرات الآلاف، وبعد ارتكاب الأسد لأبشع الأعمال الوحشية، أعادت إدارة أوباما مناقشة الأمر مرة تلو المرة. لكن المناقشات بين كبار المسئولين لم تنتج عن شيء، بل وصلت لطريق مسدود مع أخذ كل فريق رأي مغاير بخصوص سوريا. استمر هذا الجدال طوال الصيف وحتى الخريف.

انقسمت الإدارة حول إمكانية تسليح الثوار السوريين للقتال ضد الأسد، مع الأخذ في الاعتبار أنه حتى هذه اللحظة كان المعتدلون هم الأكثر انتشاراً بين المعارضة، ولم تكن داعش قد ظهرت بعد.

كان الفريق الذي يؤيد الإطاحة بالأسد بقيادة مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA ديفيد بتريوس، ومدعوم من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ووزير الدفاع ليونبانيتا.

وكان من الأفضل العمل على التأثير على الأحداث أو التحكم غير المباشر في الوضع بينما تستطيع الولايات المتحدة ذلك، قبل أن يتفاقم الوضع وينحرف ويصبح خارج السيطرة.

بينما دافع بعض كبار المسئولين ـ مثل السفيرة اللاحقة بالأمم المتحدة سوزان رايس ـ عن الرأي الآخر الداعم لعدم تسليح الثوار؛ خوفاً من أن يدفعوا بالولايات المتحدة إلى صراع مكلف ليس له نهاية. ومن المثير للسخرية أيضاً، أن من تبنوا وجهة النظر هذه، قالوا: إنهم يرفضون فكرة التسليح، ليس لأنها خطيرة فحسب، بل لأنها ربما لا تكون هناك حاجة لها. وخلال عام 2012 اعتقدت الإدارة الأمريكية أن الأسد سيسقط قريباً وحده.

كانت اللحظة الحاسمة عندما قاد دينيس ماكدونوف ـ نائب مستشار الأمن القومي حينها، واللاعب القوي المقرب من البيت الأبيض مسموع الكلمة لدى الرئيس ـ لجنة الإدارة الأميركية بشأن السياسة السورية، وقام بحصر مهامها في التخطيط لما بعد سقوط الأسد.

ها هو تقرير وول ستريت جورنال عن الاجتماع:

“كان من الواضح لكل المشاركين أن هذا ما يريده البيت الأبيض. وهو عكس ما يجب التركيز عليه حقاً من أسئلة رئيسة، مثل: كيف نصل لمرحلة ما بعد الأسد؟” كما قال أحد المشاركين.

قال مسئولون بالإدارة: “بأن أحد الأسباب التي قيل للجنة بسببها أن تُركز على التخطيط لما بعد الأسد، هو أن المخابرات صورت للبيت الأبيض أن الأسد من الممكن أن يُقتل بواسطة الثوار أو على يد رجاله أنفسهم، مما يزيل الحاجة للمخاطرة بدعم معسكر الثوار”.

التخطيط المتسرع لما بعد الأسد

ولأن ماكدونوف والآخرين اعتقدوا أن الأسد سيسقط من تلقاء نفسه، فلم يكن هناك أية حاجة للتخطيط للإطاحة به. وبكلمات أخرى، قرار الإدارة لم يكن لأنهم يرفضون الإطاحة بالأسد، بل لأنهم ظنوا أن هذا سيحدث بدون مساعدتهم.

كان هذا الرأي شائعا بين العديد من المراقبين للأحداث بمن فيهم رجال المخابرات، بل كانت هناك فترة ألمح فيها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إلى خوف موسكو من سقوط الأسد الوشيك. لكن هذه الرؤية أدت لانحراف السياسة الأمريكية تجاه سوريا كثيراً خلال عام 2012. حدث هذا في الوقت الوحيد الذي كان بإمكان التدخل الأمريكي أن يُكتب له النجاح هناك.

وفي هذا الوقت أيضاً طرح سفير روسيا لدى الأمم المتحدة خطة من موسكو لعزل الأسد، ليس من الواضح هل كانت الخطة جدية فعلاً؟ أو حتى هل كان لروسيا القدرة بالفعل على تنفيذها؟ النفوذ الروسي في سوريا أقل بكثير مما يتخيله الكثير من الأمريكيين، يرى الكثير من المحللين أن روسيا طرحت الخطة فقط؛ لأنها اعتقدت أن الأسد كان على وشك السقوط على أية حال، فلماذا لا تحصل روسيا على الفضل في هذا؟ لذا فاعتقاد القوى الغربية بأن الأسد كان على وشك السقوط كان منطقيا، ولديه ما يبرره.

بيروقراطية السياسة الخارجية الأمريكية

انحرفت سياسة الإدارة الأمريكية في هذه الفترة لسبب آخر، وهو: العقبات البيروقراطية. وكما تم توضيحه في تقرير رويترز عن الجدال في الإدارة بخصوص السياسة الواجب اتباعها تجاه سوريا، قد توقفت تلك النقاشات عدة مرات ـ وليس مرة واحدة ـ ليس لأن الأعضاء الرئيسيين يعارضون التدخل، بل لأن السياسة الخارجية في إدارة أوباما أصبحت شديدة المركزية بشكل فج.

كما نقلت الإدارة الأمريكية مركز صنع القرار إلى مجلس الأمن القومي المُثقل بالمشاغل والصغير نسبياً، وأبعدته عن المؤسسات، كالبنتاجون ووزارة الخارجية، والتي تم تصميمها في الأساس للتعامل مع مثل هذه الأمور. وفي نفس الوقت كان المسئولون الكبار يقضون الساعات الطوال في الاجتماعات؛ يتجادلون بشأن التكتيكات بدلاً من مناقشة الاستراتيجيات العامة. كما ورد في تقرير رويترز.

ترك هذا وقتاً قليلاً للسؤال الأكبر والأهم: ماذا نفعل في سوريا؟

“كانت هناك نقطة اختناق حقيقية” كما قال مايكل فلورني ـ وهو الرجل المدني الثالث في البنتاجون، في الفترة الأولى لرئاسة لأوباما ـ وأضاف: “كان هناك العديد من الأمور اللازم عملها، مع وقت قليل لإنجازها. ولذا بدأت الأمور في الإبطاء”.

تخبط الإدارة الأمريكية بشأن تسليح المعارضة

كانت النتيجة أن اعتمدت الإدارة سياسة التراخي. كما أدى الشك والتردد إلى قول: “لا” بخصوص تسليح الثوار بدون إمعان التفكير في الأمر.

جاء هذا القرار بعد أشهر من الإشارات المتضاربة من البيت الأبيض، تضمنت عدة إشارات أنهم سيسلحون الثوار في النهاية. لكن كان هذا هو الناتج من الجدالات المحتدمة بداخل الإدارة.

تركت هذه الإشارات المتضاربة بعض قادة الثوار في حالة خيبة أمل من السياسات الأمريكية، فلجأوا لبعض دول الخليج، كالسعودية وقطر، ظناً منهم أنهم سيكونون حلفاء أكثر مصداقية. لكن هذه الدول ـ وبالنظر لسياستها طويلة الأمد ـ تُفضل تسليح المجموعات الدينية المتطرفة؛ لأنهم يعتقدون أنهم مقاتلون أفضل. أما المجموعات المعتدلة التي رفضت إقامة أية علاقة مع المجموعات المتطرفة؛ ظناً منهم أن هذا سيجلب لهم المساعدات الأمريكية، فقد خاب ظنهم وصاروا خارج الصراع.

هذا التردد أدى بالإدارة الأمريكية لرفض تسليح المعارضة في البداية في خريف عام 2012، لكن بعد ذلك وبترتيب من الـ CIA وقّع أوباما في أبريل من عام 2013 خطة لتسليحهم وتدريبهم في قاعدة بالأردن.

توقف هذا البرنامج لعدة أشهر والسبب المرجح وراء ذلك هو تخوف الإدارة من نمو التطرف بسوريا.

بدأت وكالة الاستخبارات الأمريكية أخيراً في تسليح الثوار في سبتمبر عام 2013. لم يكن هذا؛ لأن الأوضاع هناك أصبحت أفضل من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، بل على العكس، فقد أصبحت الحرب أكثر تعقيداً، كما تم تطويق الثوار بالمتطرفين أكثر وأكثر.

كثير من المحللين حذر بأن الحرب سواء انتهت بهزيمة الأسد أو انتصاره فسيكون هنا كحرب أهلية أخرى بعدها بالتأكيد. وحذروا أيضاًمن أن الاقتتال بين الجماعات المتمردة سيتحول إلى حر بشاملة للسيطرة علىالمناطق فيما بعد. وأشار البعض بحذر لمجموعة جديدة تُدعى الدولة الإسلامية في العراق والشام.

الأسلحة الكيماوية وخطوط أوباما الحمراء

تم تفعيل خطة وكالة الاستخبارات الأمريكية CIA ؛ لأن الأسد قد تخطى الخطوط الحمراء التي وضعها أوباما، وذلك عندما استخدم الأسلحة الكيماوية. ومرة أخرى ذهبت الإدارة لنهاية مسدودة؛ بسبب الخلاف الداخلي، وبسبب طريقة اتخاذ القرار المختلة. فظل الأمر يتأرجح علناً بين عدة خيارات: الاقتراح الأول كان توجيه ضربات جوية ضد أهداف للنظام، ثم تم وضع الأمر بعد ذلك في يد الكونجرس الذي كانت إجابته النهائية “لا”. في النهاية تم الاتفاق مع روسيا على إزالة أسلحة الأسد الكيماوية سلمياً عن طريقها.

بعد عدة أسابيع كانت الولايات المتحدة تُقدم الأسلحة للمتمردين؛ كنوع من أنواع التعويض عن الضربات التي كان من المفترض توجيهها للنظام.

كان هذا مُلخص ما حدث منذ بدايات عام 2012 في سوريا حينما كانت هناك فرصة لنجاح التدخل الأمريكي، وحتى خريف عام 2013 عندما ضاعت تلك الفرصة للأبد. وربما كان هذا أمراً حسناً.

وبحلول منتصف عام 2014 أدركت إدارة أوباما أخيراً أن الحرب السورية كانت وخيمة لدرجة كبيرة، حتى أنها زودت المتمردين بصواريخ مضادة للدبابات لاستخدامها ضد النظام، لكن قرار التدخل الأمريكي كان متأخراً جداً.

المفارقة التي جعلت مشكلة سوريا عصية على الحل الأمريكي

“لو كانت القيادة الأمريكية والسياسيون أذكياء بما فيه الكفاية فربما كانت الولايات المتحدة استطاعت إنهاء كل هذه الفوضى”، ربما تكون قد سمعت الجملة السابقة عدة مرات خلال متابعتك للعديد من الأحاديث بين الأمريكيين، بداية من أزمة اللاجئين، وحتى التدخل الروسي.

حتى أن الكثيرين كانوا يعتقدون ـ وإن لم يصرحوا بذلك ـ ما صاغته إحدى الصحافيات ساخرة: “إن هناك زر في قبو البيت الأبيض يقبع في الغبار ومكتوب عليه: (زر إيقاف الحرب في سوريا). وأن أوباما والقادة الأوروبيين يرفضون الضغط عليه، سواء بسبب كسلهم أو لأنهم أشرار.

لدي أخبار سيئة لكم: لا وجود لهذا الزر. ربما كان هناك بعض الأوقات كان بإمكان الولايات المتحدة التدخل والتخفيف من حدة الحرب، أو ربما إيقافها بالكلية، ولكن هذا الوقت قد ضاع للأبد، وأصبح حل الأزمة السورية أكبر من الإمكانيات الأمريكية.

العذاب اليومي في سوريا لا حصر له: داعش، براميل البارود، الأسلحة الكيماوية، القاعدة، التدخلات الخارجية. تم قتل 250,000 شخص على الأقل في هذه الأحداث، وتهجير ما يقارب 12 مليون شخص، أي أكثر من نصف عدد السكان، وانقسمت البلد، فهناك قسم تحت سيطرة الأسد، وقسم تحت سيطرة الثوار، وقسم تحت سيطرة داعش. وتم تخريب المدن والأحياء بشكل عام.

الأسد أو الفوضى

مشاكل سوريا ضخمة ولا تُعد ولا تُحصى، وحتى بعد أربع سنوات من الحرب فلم يزل هناك سببان رئيسان يمكن عزو أغلب المشاكل لهما. بالطبع لا أقول إن باقي الأسباب غير مهمة في الصراع الدائر، ولكن هذين السببين هما لب المشكلة. فلا يُمكن لأحد إنهاء الحرب السورية بدون حل هذين السببين:

  1. نظام بشار الأسد: والذي يرتكب المجازر في حق المدنيين، والذي يقود حربا طائفية، ويساعد على صعود التطرف.
  2. الفراغ الأمني شبه التام: والذي يتيح للتطرف ولأمراء الحرب أن يزدهروا، مما يُفتت المعارضة، ويؤدي لسعي بعض الأقليات لتأييد الأسد خوفاً مما بعده. ويترك أغلب البلد محروماً من التعبير عن الإرادة الشعبية، ويجعل المصالحة مستحيلة سواء عملياً أو سياسياً.

المتناقضة السورية هي: إصلاح أحد العاملين السابقين يقتضي بلا شك لإفساد العامل الآخر. فإزاحة الأسد ستؤدي لانتشار الفوضى، ودعوة للمعارضة للتقاتل، وإتاحة أرض خصبة للمتطرفين. ولن يختلف الأمر عن اندلاع الحرب الأهلية الأفغانية عام 1990 بعد انهيار نظام الحكم الموالي للسوفييت هناك.

على الجانب الآخر، محاولة فرض النظام في سوريا لسد الفراغ الأمني سيساعد نظام الأسد، مما سيؤدي مرة أخرى لاشتعال الصراع. وهذا لأن فظائع الأسد جعلت من المستحيل على السوريين أن يتقبلوا استكماله للحكم. ولم يزل من المهم الإطاحة بالأسد لإنهاء الحرب؛ ليس فقط لتعمده إشعال هذا الصراع، لكن لأن نظامه قد فقد شرعيته تماماً في عيون السوريين، فهو ببساطة غير قادر على الحكم أو استعادة النظام.

من الممكن نظرياً أن تكون قوة تدخل خارجية قادرة على فعل الأمريين معاً: الإطاحة بالأسد، واستعادة النظام، لكن بالنظر لتجربة الولايات المتحدة في غزو العراق واحتلال أغلب المناطق لسنوات طويلة، ثم في النهاية لم يفلح الأمر؛ فقوة خارجية كهذه تحتاج لمئات الآلاف من الجنود، وللبقاء لعدة سنوات إن لم يكن لعقود، بالإضافة للتكلفة العالية، والمخاطر الكبيرة من إثارة انتفاضة كبرى ضد قوة التدخل.

عند هذه النقطة تحديداً لا يمكن لأي طرف خارجي أن يكون له تأثير كبير، حتى الولايات المتحدة، فلا يمكن الإطاحة بالأسد وحل مشكلة الفوضى في نفس الوقت. فاتباع سياسة تؤدي لمواجهة الأسد، باستهداف قواته مثلاً أو بدعم المتمردين ضده، من الممكن أن يحل مشكلة الأسد، لكنه لن يستطيع حل مشكلة الفوضى، بل سيفاقمها على الأرجح.

داعش

بينما اتباع سياسات تهدف لمواجهة الفوضى، بدعم القوات المتمردة المحاربة لداعش ـ أو بالدفع في اتجاه حل سياسي، كما تحاول إدارة أوباما أن تفعل. سيساعد نظام الأسد على المدى القصير، وسيؤدي لترسيخه في الحكم على المدى البعيد.

بينما ركزت الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى على التهديدات الإرهابية على أمنها القومي. فتحول تركيزها من الأسد إلى داعش. ومن الواضح أن نشر القوات الخاصة الأمريكية المخطط في شمال سوريا يهدف لمساعدة المقاتلين الأكراد على مواجهة داعش، فسترى أن الولايات المتحدة قد هددت بضرب الأسد عام 2013، ولكن بعد مضي عام كانت تقود تحالفا دوليا لضرب داعش بدلاً منه.

وهكذا اشتدت السياسة الأمريكية ضد داعش وتراخت ضد الأسد، ومؤخراً ـ في محادثات السلام الدولي بفيينا ـ تراجعت الولايات المتحدة في موقفها ضد الأسد، فبعدما كانت تشترط رحيله قبل البدء في أية عملية تحول سياسي، صارت تطالب برحيله بعد عدة أشهر أو أكثر من بدء هذه العملية.

ضياع فرصة الحل الأمريكي

كان هناك وقت قبل أن تتحول سوريا إلى معضلة ومتناقضة بلا حل، من الصعب الجزم متى حدث هذا بالتحديد، ومتى أُغلق باب التغيير. بالتأكيد سوف يتجادل المحللون السياسيون والمؤرخون لسنوات طويلة قادمة؛ بشأن: ما الفعل الذي توجب على الولايات المتحدة ـ حينما كانت تلك النافذة ما تزال مفتوحة ـ وكان بإمكانه تغيير مسار الحرب.

لكن من الواضح أنه في النهاية كان هناك فترة من الزمن بها عدة خيارات تجاه ما يحدث بسوريا، وهذه الخيارات كان من الممكن أن تُغير ما يحدث، ولكن هذه الخيارات قد انتهت الآن وجاءت النتيجة كارثية، ربما كان من الممكن أن يُصبح الأمر أسوأ من هذا، لكن من الممكن أن يكون أفضل أيضاً.

لم يكن هناك حل مثالي أو سهل للمشكلة السورية. لكن في البداية لم يكن الفراغ الأمني مستشرياً هكذا، ولم تكن الفوضى والدمار قد وصلا لهذه الدرجة، وكان من الممكن أن يطيح العالم بالأسد، بدون تورط سوريا في دوامة من الفوضى لا نهاية لها.

كانت المعارضة في البداية غير مفتتة بين الأيدولوجيات والتوجهات المختلفة كما هي اليوم. وإن كان ظهور المتطرفين قد بدأ في بداية عام 2012، إلا أن الثوار كانوا لا يزالون يحظون بشعبية كبيرة ويجذبون المتطوعين والجنود المنشقين الذين كان هدفهم الأول هو إسقاط الأسد. لكن هل كان الثوار سيشهرون أسلحتهم ضد بعضهم البعض إذا سقط الأسد حينها؟ لم يكن الأمر قد وصل لهذه الدرجة حتى نهايات عام 2013، حينما أصبح الاقتتال بين الثوار سيئ للغاية، لدرجة أن المحللين قالوا: بأن سقوط الأسد سيعقبه حرب أهلية ثانية.

في بداية هذه الحرب، وقبل أن يُدمر الأسد بلده مادياً وسياسياً كان هناك ما يُمكن أن تستفيد منه أية حكومة ـ في فترة ما بعد الأسد ـ حتى تستعيد السيطرة مرة أخرى، وكان من الممكن أن يتم هذا برضا الشعب السوري في أحسن الأحوال. ولكن حتى لو لم يكن برضا الشعب السوري فقد كانت الانقسامات الطائفية أقل، والأحياء والمدن أقل انقساماً بين المجموعات المتمردة، واندلاع الحرب بينهم وبين أمراء الحرب أقل احتمالاً.

لا أتحدث بأثر رجعى عن سياسة كان يجب أن تتبعها أمريكا، ولا أقول بأن سوريا كان سيتم إنقاذها تماماً عن طريق التدخل الأمريكي، بل لم يعد هناك وسيلة لتجنب نشوب الحرب بمجرد إطلاق الأسد النار على شعبه. لكن النقطة التي أُثيرها أن الإطاحة بالأسد مبكراً ربما كانت ستتيح مسارات أخرى للحل غير موجودة اليوم، ربما كان بعضها سيؤدي لوضع أسوأ، لكن بلا شك بعضها كان سيجعل الناتج اليوم أفضل كثيراً.

مسارات الحل المختلفة: النموذج الليبي

لننظر معاً إلى ماكانت ستؤول إليه الأوضاع في سوريا إذا ما تم اختيار آخر في الماضي. وعلى سبيل المثال: لننظر للأوضاع إذا ما اتبعت سوريا النموذج الليبي:

ضربات جوية غربية، بالإضافة لتدري ببعض المعارضين، ثم يحدث انهيار تام للدولة وتنسحب قوات التدخل الغربي. وحينها تنقسم البلد لمناطق فوضوية تُسيطر عليها المليشيات بمن فيهم من بعض المتطرفين. ثم ما يحدث الآن من حرب أهلية ثانية. لا أحد يعتبر ليبيا نموذجا جيدا، لكن الناشط والكاتب إياد البغدادي يشير إلى أن هذا النموذج ما يزال أفضل حالاً من سوريا الآن:

Here's why this whole "Do you want Syria to become like Libya?" thing is stupid. pic.twitter.com/0uXULI031m

— İyad el-Baghdadi (@iyad_elbaghdadi) September 28, 2015

حتى باستخدام الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة، فمعدلات الوفاة في سوريا تفوق نظيرتها في ليبيا بأكثر من ثمانية أضعاف، كما تبلغ احتمالية أن يصبح السوري لاجئاً 100 ضعف احتمال أن يصير الليبي كذلك. وبكلمات أخرى، إذا كان العالم قد أسقط الأسد بنفس الطريقة، وحدث نفس ما حدث في ليبيا، كان ذلك سيحفظ حياة 220,000 سوري، وسيمنع 3.6 مليون سوري من اللجوء. هذا بالطبع لا يُصور ليبيا كقصة نجاح – فهي ليست كذلك – ولكنها أقل كارثية فقط.

مرت أوقات على سوريا كان النموذج الليبي أكثر من مجرد احتمال، بل كان الأقرب للتحقق. ففي شهر يوليو من عام 2012 ومع تقدم الثوار باتجاه دمشق، مرت فترة كانت الضربات الجوية الغربية تجاه النظام كفيلة بأخلاء المسار للثوار ليستولوا على المدينة ويُسقطوا الأسد من السلطة.

نظرة أوباما للأزمة السورية من خلال عدسة ليبيا

وفي ضوء ما سبق، نستطيع أن نفهم كيف ناقش أوباما أمر ليبيا. في البداية أبدى ندمه على التدخل من الأساس معرباً عن أن ما حدث كان بسبب مبادرات أوروبية انجرت لها الولايات المتحدة.

“هذا ما نعلمه”. كانت هذه إجابة أوباما على أحد الصحفيين في خريف عام 2012، وكان في هذا الوقت يقاوم أخذ فعل مشابه في سوريا، فقد وصف التدخل في ليبيا كأنه أمر غير مقصود حدث بدون ترتيب ونية حقيقية.

“كنا نعلم أن القذافي موجود في بني غازي، ومما نعلمه من تاريخه فقد كان يمكنه التهديد بقتل عشرات الآلاف هناك. كنا نعلم أنه ليس لدينا الوقت الكافي- من يومين إلى إسبوعين فقط – كنا نعلم أنهم يتحركون أسرع مما توقعنا.

كنا نعلم أن أوروبا تفرض منطقة حظر جوي، وكنا نعلم أن منطقة الحظر الجوي لن تنقذ أرواح سكان بني غازي؛ فالحظر الجوي عبارة عن تعبير عن القلق مما يحدث، لكنه لا يفعل شيء في الحقيقة.

وآخر شيء كنا نعلمه أنك إن أعلنت منطقة حظر جوي ولم يتم أخذها على محمل الجد، فستمثل عبئا إضافيا عليك وستضطر للتصعيد والضغط أكثر. وبالرغم من حماس فرنسا وبريطانيا لفكرة منطقة الحظر الجوي، كان هناك مخاطرة في مشاركة الولايات المتحدة؛ لأنه سيتوجب عليها قيادة كل العملية، لأنها لديها القدرة على ذلك”.

بحلول عام 2014 عندما أنتقل أوباما لتأييد التدخل في سوريا لدعم الثوار، كان قد تعلم دورساً مما حدث بليبيا. فقد أخبر أوباما توماس فريدمان، أن التدخل قد أنقذ ليبيا من مصير سوريا، لكن هذه الدروس التي استفادها لم تكن مؤثرة للغاية؛ لأنه لم يمض قدماً في سوريا.

“سأعطيك مثالا لدرس تعلمته، ولم يزل صالحاً لليوم: وهو عن مشاركتنا في التحالف الذي قام بالإطاحة بالقذافي. أنا مُتيقن تماماً من أن هذا كان الفعل الأصوب. إذا لم نكن تدخلنا، فعلى الأرجح كانت ستصبح ليبيا مثل سوريا. وسيكون هناك المزيد من الدماء والفوضى والدمار. لكن من الحقيقي أيضاً أننا وحلفاءنا الأوربيين كان يجب أن نأتي بكامل قوتنا إذا أردنا التدخل. وكان علينا في اليوم التالي مباشرة لسقوط القذافي – حينما كان الجميع يحمل لافتات الشكر لأمريكا- أن نبذل مجهودات مُضاعفة لإعادة بناء المجتمع، والذي لم يكن لديه أي تقاليد مدنية من الأساس. لذا فإن الدرس الذي أُطبقه كل مرة أسمع سؤال: هل يجب أن نتدخل عسكرياً؟ هو: هل لدينا إجابة لما سنفعله في اليوم الذي يلي هذا التدخل؟

في كلتا الحالتين، يبدو أن أوباما ينظر للسياسة السورية من عدسة ليبيا. عام 2012 عندما عارض التدخل في سوريا كان يرى التدخل في ليبيا كخطأ مؤسف. لكن في عام 2014 نراه يُفضل التدخل الأمريكي في سوريا، وإن كان يرى أن ما حدث في ليبيا لم يكن كافياً.

لكن مما حسم الأمر، أن الجهود الرامية إلى إسقاط الزعيم الليبي معمرالقذافي بدأت على الفور عندما اتجهت الانتفاضة الشعبية للعنف، مما أدى لانتهائها في أكتوبر عام 2011 فقط بعد عدة أشهر فقط من بدايتها.

سوريا اليوم- أفغانستان 1990

الآن بعد أربع سنوات من الحرب السورية، الإطاحة بالأسد ستُخلف على الأرجح انهيارا كاملا، مثلما حدث في أفغانستان عام 1990. عندما قاتل المجاهدون القوات الموالية للسوفييت ثم انقلبوا ضد بعضهم البعض في حرب أهلية طاحنة، ونشأت طالبان وسط هذا.

إذا انهار نظام الأسد اليوم، فبلا شك سيُقاتل الثوار المتشتتون الآن بعضهم البعض لفرض سيطرتهم، كما يفعل بعضهم الآن. ستتضاعف الفوضى، وستتضاعف خطوط المواجهة، والمستفيد في الأغلب سيكون داعش والقاعدة.

للتوضيح فقط، الأسد هو من خلق كل تلك الظروف.هو من شجع عامداً التطرف والطائفية ليغلق بهما الطريق أمام تدخل العالم ضده. دمر بلده بنفسه، وقضى على البنية التحتية المادية والسياسية حتى ليبدو أن أي نظامل لحكم بعد الأسد مستحيل. وبينما كان من الواضح أنه يفعل ذلك بين عامي 2012 و2013، وقفت أمريكا تُشاهد من بعيد، وترددت إدارة أوباما في اتخاذ القرارات التي سوف تلجأ إليها الآن بعد فوات الأوان، وفي وقت متأخر للغاية. سارع الأسد لتدمير أمته لغلق أية نافذة تؤدي لحل الحرب السورية. وقد نجح في هذا.

اقرأ:

فوكس: السبب وراء قصف بوتين سورية في 500 كلمة